الإسلاميون ليسوا أصدقاء الولايات المتحدة

01:19

2014-09-16

الشروق العربي

برز في الآونة الأخيرة خط تصدع جديد في السياسة الشرق أوسطية ستكون له تداعيات عميقة على السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة. ولا يفصل هذا الخط بين مؤيدي تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») ومعارضيه، أو بين الصراع بين السنة والشيعة والحرب بالوكالة بين السعودية وإيران، بل يتميز في الانقسام الأساسي بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.

فمن جهة هناك الإسلاميون - سواء من السنة أو الشيعة. إذ تمثل «داعش» وجماعة «الإخوان المسلمين» الطرف السني من الطيف، في حين تمثل جمهورية إيران الإسلامية وميليشياتها، بما فيها «حزب الله» (في لبنان وسوريا) و«عصائب أهل الحق» (في العراق)، الطرف الآخر. ويُذكر أن العديد من هؤلاء الإسلاميين يخوضون نزاعات فيما بينهم، إلا أنهم منخرطون أيضاً في صراع حاد مع غير الإسلاميين لتحديد الهوية الأساسية للمنطقة ودولها. والقاسم المشترك بين جميع الإسلاميين هو أنهم يضعون الهويات الوطنية في المرتبة الثانية بعد الهوية الإسلامية.

ويقيناً، ليس جميع [الإسلاميين] على الحد نفسه من التطرف كـ تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يسعى إلى إلغاء الدول ذات السيادة وضمّها تحت راية الخلافة. فجماعة «الإخوان المسلمين» ملتزمة بمبدأ "الأمة الإسلامية" أي المجتمع المسلم الأكبر. ويكمن أحد أسباب الثورة الشعبية ضد حكم «الإخوان» في مصر - في انتهاكهم مبدأ أساسي من مبادئ الهوية الوطنية، إذ كانت «الجماعة» إسلامية قبل أن تكون مصرية.

أما اليوم فيرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده في صراع وجودي مع «الإخوان المسلمين». ويتم دعمه مالياً من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت. ويتعاون الرئيس السيسي أيضاً بشكل وثيق مع الجزائر، ويحظى بدعم من المغرب والأردن.

وأثناء النزاع الأخير في قطاع غزة، خرجت مظاهرات مناهضة لإسرائيل في أوروبا لكن ليس في الدول العربية. وعلى خلاف تركيا وقطر اللتان تدعمان «الإخوان المسلمين»، أرادت الدول السنيّة الأخرى في المنطقة إضعاف حركة «حماس»، الجناح الفلسطيني لـ جماعة «الإخوان». وبالتالي، شعرت هذه الدول بالتهميش عندما اختارت واشنطن التعامل مع قطر وتركيا كوسيطتان محتملتان للتوصل إلى وقف إطلاق نار في النزاع الأخير في غزة.

ولم تمهد الصحوة العربية في عام 2011 الطريق لعهد جديد من الديمقراطية، ولم يكن بإمكانها ذلك. فمؤسسات المجتمع المدني كانت ضعيفة جداً، واستفحلت ثقافة "الفائز يأخذ كل شيء"، وتأججت الخلافات الطائفية، كما بقي الإيمان بالتعددية بدائي جداً. لذا كل ما أدت إليه هذه الصحوة هو الفراغ السياسي والصراع على الهوية.

لقد كان الرئيس الأمريكي أوباما محقاً حين أشار إلى تبدد النظام القديم في المنطقة وإلى الوقت الذي يتطلّبه نشوء نظام جديد. فالإدارة الأمريكية تكافح لوضع استراتيجية فعّالة، إلا أن الانقسام بين الإسلاميين وغير الإسلاميين يتيح فرصة على هذا الصعيد.

إن الجانب الذي يضم غير الإسلاميين يشمل الأنظمة الملكية التقليدية والحكومات الاستبدادية في مصر والجزائر، والاصلاحيين العلمانيين الذين قد يكونون قليلي العدد ولكنهم لم يختفوا. وهذه الفئة لا تشمل نظام الرئيس السوري بشار الأسد الذي يعتمد بشكل تام على إيران و «حزب الله» ولا يمكنه اتخاذ القرارات من دون الرجوع إليهما.

واليوم يريد غير الإسلاميين أن يكونوا على يقين بأنهم يحظون بدعم الولايات المتحدة. بالنسبة لواشنطن، يعني ذلك عدم التشارك مع إيران في مواجهة «داعش»، على الرغم من أن كل منهما قد يتجنب التدخل في عمليات أخرى ضد المتمردين في العراق.

ويعني ذلك أيضاً التنافس الفعلي مع إيران في باقي أرجاء المنطقة، بغض النظر عن إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي مقبول مع طهران أم لا. ويعني ذلك الاعتراف بأن مصر جزء لا يتجزأ من الائتلاف المناهض للإسلاميين، وينبغي ألا يتم حجب المساعدة العسكرية الأمريكية عنها بسبب الخلافات حول سلوك الحكومة الداخلي في مصر.

يجدر بالولايات المتحدة أيضاً أن تنسق مع مصر والإمارات العربية المتحدة عند قيام الدولتين بقصف أهداف الإسلاميين في ليبيا أو في أي مكان آخر. إذ إن هذا التنسيق سيعزز من فعالية عملياتهما العسكرية وسيوفر لواشنطن قدرة أكبر على التأثير على أفعالهما. (وقد تريد واشنطن أن تتمكن من درء الاعتداءات العسكرية التي ترى أنها تشكل أعمالاً طائشة.)

وتخشى إدارة أوباما من عواقب استبعاد جميع الإسلاميين. كما تخشى أن تظهر وكأنها تطلق العنان للأنظمة الاستبدادية لتفعل ما  يحلو لها، في الوقت الذي تعتقد أن هناك حاجة لوضع حدود لهذا الدعم، وأنه من المرجح أن تبرهن هذه الأنظمة عن عدم استقرارها على المدى البعيد. وكما فعلت مصر والإمارات أثناء الضربات الجوية على الإسلاميين في ليبيا، فهناك بعض شركاء الولايات المتحدة التقليديين الذين هم على استعداد للتصرف من دون واشنطن، مقتنعين بأن الإدارة الأمريكية لا تعتبر جميع الإسلاميين تهديداً - وأنها تنظر إلى مصالحها بشكل مختلف عن مصالحهم. وهنا تكمن المشكلة.

وهؤلاء غير الإسلاميين هم شركاء أمريكا الطبيعيين في المنطقة. إذ يؤيدون الاستقرار والتدفق الحر للنفط والغاز، ويعارضون الإرهاب، كما أن العوامل التي تهدد الولايات المتحدة تهددهم أيضاً. وبالتالي، على إدارة اأوباما اتباع ثلاثة مبادئ في هذه الشراكات.

أولاً، التركيز على الأمن والاستقرار. فبدونهما لا يمكن تحقيق أي هدف، بما في ذلك تأسيس مجتمعات متسامحة وتعددية.

ثانياً، عدم مد اليد للإسلاميين. إذ إن معتقداتهم لا تتوافق مع مبدأ التعددية أو الديمقراطية. ففي تونس، لم يتخلَّ حزب "النهضة" عن السلطة سوى عندما أدرك أن سياساته ترتد عليه لدرجة باتت تهدد وجود الحزب نفسه. فلا يجب أن يكون أمام الاسلاميين، حتى المعتدلين منهم بصورة واضحة مثل حزب "النهضة"، سوى خيار واحد وهو التعايش.

أما تركيا فهي تشكل حالة خاصة نظراً لكونها عضو في "منظمة حلف شمال الأطلسي" ("الناتو"). وبالتالي بإمكان الولايات المتحدة تحقيق الكثير من خلال التعاون معها لمحاربة «داعش»، ولكن يجب على الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن يفهم أن دعمه لجماعة «الإخوان المسلمين» يحد من تعاون واشنطن معه وسيعزل تركيا حتماً عن جيرانها.

ثالثاً، أن دعم الولايات المتحدة للشركاء غير الإسلاميين لا يتطلب التخلي عن آرائها أو دعم كافة السياسات الداخلية لهؤلاء الشركاء. لذا يجدر بواشنطن دفعهم نحو التعددية وحقوق الأقليات وسيادة القانون.

وفي النهاية، يشكل خط الصدع الجديد في الشرق الأوسط فرصة حقيقية للولايات المتحدة. صحيح أن واشنطن ستواجه تحديات وسيتوجب عليها إدارة الضغوطات ما بين قيمها ومصالحها. وليس هناك استراتيجية خالية من المخاطر، ولكن قيام الولايات المتحدة بتوحيد الجهود مع شركائها الطبيعيين سيوفر أفضل سبيل للمضي قدماً.

 

دينيس روس  هو مستشار وزميل ويليام ديفيدسون المتميز في معهد واشنطن.