الإرهاب ينتحر ..!!!

17:55

2017-11-26

أكرم عطا الله

أعداد ضحايا الإرهاب في مسجد الروضة تجاوزت أي رقم سابق، حيث تم قتل مصلين بين يدي ربهم وفي ضيافته بكل هذه الوحشية، والأهم أن من قتلهم ربما ذهب بعدها ليصلي طمعاً في دخول الجنة بعد قتل المسلمين في المسجد، فأي فكر هذا وأي عقل هذا الذي يقطر دماً بلا توقف.
قالت امرأة من القرية فيما يعيدنا الى مذابح عصور الظلام التي ما زالت المنطقة العربية تعيش زمنها، قالت وهي تقطع القلب والقلم معاً «كل رجال القرية ماتوا، لم يبق سوى النساء» في جملة أصابت عقولنا بشلل مفاجئ فكفت عن التفكير أمام هذا المشهد من الدم المسال بلا رحمة وبلا ضمير.
أي عقل وأي فكر وأي سلوك هذا الذي امتهن القتل بالجملة وأي ضمير هذا الذي مات تلقيناً وكراهية وانحرافاً عن الحد الأدنى من قيم الإنسانية، هكذا ببساطة تفتح النار غدراً على الساجدين وهم يكبرون بينما كان القاتل يمارس شهوته قائلاً :الله أكبر، فأي عقل ممكن أن يفهم هذا الذي يحدث لدى أمة لم يعد مجال للحياد بين القاتل والمقتول.
انه القاتل الذي يتنقل ببندقيته بين عواصم العرب كأنه تكفل بذبح تاريخنا المعطوب والذي يشحن بالعنف والارهاب والموت، وليس من المصادفة أن يتكرر المشهد في كل العواصم، لأن الفكرة التي نمت مشوهة، فنبتها واحد ومنظروها ينطقون بلسان واحد وراعيها واحد وهدفه واحد، وهي الفكرة التي نمت بيننا وجميعنا كان يعرف أنها ستلد كل ثعابين الأرض التي ستلسعنا جميعاً.
في مصر التي استهدفت مثل عواصم المركز لكنها نجت، استهدف الإرهابيون الجيش الذي منع سقوطها، ثم استهدفوا السلم الأهلي والتنوع الديني من خلال تفجير الكنائس، وعندما بدت مصر عصية على الانكسار استهدفوا المسجد الآمن كما اعتقد المصلون، فلم يخطر ببال أحد أن يصل الإرهاب الى عتبته، ولم يخطر ببال الجيش أن يقوم بحراسة مسجد.
هنا فان نقطة قوة من ارتكب الجريمة في مكان هو الأكثر قدسية والأقل تأميناً ربما لا يعرف أنها نقطة ضعفه، لأن ارتدادات الجريمة أكبر كثيراً من أن تحتمل نتيجته أية جماعة مسلحة تحاول الترويج لنفسها ولحكمها باسم الدين، لأن هذا خرق فاضح لأية ممارسة دينية. فليس الشعب المصري هو الذي أصيب بالصدمة بل كل من تابع وسائل الاعلام من الشعوب العربية والاسلامية كان يُصدر حكمه على مرتكبي الجريمة، وببساطة يمكن القول إن الارهاب الذي استهدف قطاعات سابقة فانه ينتحر بيديه في هذه العملية ويحكم على وجوده بالإعدام، لأن السخط والغضب العارم الذي انفجر يوم الجمعة كان يقسم الشعب العربي الى قسمين يقف الارهاب في القسم الصغير المنبوذ، انه يصدر شهادة موته بنفسه كما انتحر في العراق وسورية عندما قتل المدنيين بالتجربة المبللة بالدم المصري الشقيق يتحول الفلسطيني الى ضحية دائمة لهذا الارهاب الذي يكلف مصر دما ويكلف الفلسطيني ألما ودموعا، عندما يفرض الإرهاب حصاره من جديد على قطاع غزة ويحول دون فتح نافذة غزة على العالم ليفرض أخوّة المعاناة على الشعبين اللذين شاء قدر الجغرافيا وقدر التاريخ أن يتقاسما جرعة الألم والدم منذ احتلال فلسطين، لكن من الخطأ فلسطينياً ربط الجرائم التي ترتكبها الجماعات التكفيرية بمعبر رفح، لأنه أولا من خشية ربط الأمرين معاً ليصبح مبررا لإغلاق المعبر واستسلاماً للإرهاب، ولأن هذا تنفيه حقيقة أن الارهاب لم يتوقف من توجيه ضربات على مدار العام، ويمكن لأي باحث أن يكتشف ذلك من عدد الجرائم المرتكبة بين اغلاقين للمعبر.
لكن القضية التي تشكل هاجساً للجميع ليس فقط عدد الضحايا الكبير، كيف تفرغ قرية من كل رجالها؟ لكن الأهم هو ما يمكن أن ينتج عنه من تداعيات سياسية تحدثها انزياحات سكانية أصبح يملأها الرعب من حجم الفضائح المرتكبة، فقد جرت العادة أن الضحايا من رجال الأمن أو المسيحيين، وهذا وضع سكان سيناء فيما يشبه الحياد الآمن، لكن بعد هذه الجريمة فان الأمر مختلف، وهنا الخشية من فقدان المواطن في سيناء للأمن الشخصي، ما يُحدث عملية تهجير قسري من هذه المنطقة التي لا يتجاوز عدد سكانها 400 ألف نسمة وهذا هو الأخطر.
وعلى الجانب الآخر أن تجد الدولة المصرية التي يجري استنزاف خاصرتها الرخوة في الصحراء الشرقية نفسها أمام حل واحد للقضاء على الارهاب، وهو اخراج هؤلاء السكان خارج المنطقة بهدف اجراء مسح شامل وعملية نظيفة للقضاء الشامل على الجماعات المسلحة، وهذا الأمر بدأ يجري الحديث به علناً من قبل شخصيات مصرية وازنة أبرزها اللواء فؤاد علام نائب رئيس جهاز أمن الدولة السابق.
وهنا الخطر الكبير سواء إخراج منظم تحت إشراف الدولة أو نزوح طوعي يعني تفريغ سيناء من السكان، وهذا الأمر له دلالات كبيرة، حيث إسرائيل التي وضعت سيناء كجزء من الاستهداف كبلت الدولة المصرية من تطوير المنطقة بتحديد قوى الأمن فيها لأن من وضع اتفاقية كامب ديفيد لم يكن بريئاً من الأطماع في سيناء، وذات مرة تساءلتُ في مقال سابق عن دولة تخطط لمائة عام قادم وتعتقد أن اليهود يمكن أن يصل عددهم 40 مليوناً وإسرائيل دولة صغيرة، فهل حدد سيناء كاحتياط استراتيجي للأمة اليهودية،؟ أم وضعها كبديل للدولة الفلسطينية، أسئلة كبيرة جميعها تقول إن الإرهاب الممول من دول معروفة ليس بريئاً ولا عشوائياً، انه ينتقل من مرحلة لأخرى، فهل وصل الى المرحلة المتقدمة لتفريغ السكان؟ العملية ليست بريئة والسياسة المقابلة تحتاج الى عقل بارد بعيداً عن الانفعال ....!