«فيننشال تايمز»:

داخل سجن الأمراء.. محققون أجانب ومحاولات انتحار وصفقات على الطاولة

17:13

2017-11-26

دبي-الشروق العربي-"الكوميديا السوداء لا تزال حاضرة داخل فندق "ريتز كارلتون" ذي الخمس نجوم، وسط شائعات عن اعتداءات ومحاولات انتحار لأحد الأمراء السعوديين الذين احتُجِزوا في حملة مكافحة الفساد".. "وثائق الفساد على الطاولة بحضور محققون أجانب ومفاوضات التسوية لا تأخذ دقائق".. أهم المشاهد  التي نقلتها صحيفة "فيننشال تايمز" البريطانية عن "السجن الذهبي" لأمراء ورجال أعمال السعودية.


وقال شخصان مُطّلِعان إنَّ الأمراء ورجال الأعمال السعوديين الذين احتُجِزوا في حملة مكافحة الفساد في المملكة، بدأوا تسليم أموال وأصول للحكومة السعودية مقابل حريَّتهم ، وقال أحدهما إنَّ الحكومة السعودية تسلَّمت بالفعل عدة من مليارات الدولارات، إذ يسعى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لاستعادة 100 مليار دولار على الأقل من هذه الحملة.
 

 محققون أجانب

صحيفة "الفيننشال تايمز" كشفت أنَّ السلطات السعودية تُجري مفاوضات حول تسوياتٍ يمكن للمحتجزين بموجبها تأمين إطلاق سراحهم، إذا سلَّموا أصولاً وأموالاً، تصل في بعض الحالات إلى 70% من ممتلكاتهم. 
 

واستقدم الأمير محمد بن سلمان محققين غربيين للعمل مع مسئولي وزارة المالية الذين يُدقِّقون في رزم من الوثائق لتحديد حجم الفساد المزعوم ومقدار الغرامة التي يجب أن يدفعها كل محتجز.
 

وتُركِّز السلطات السعودية حالياً جهودها على الودائع الموجودة لدى البنوك وشركات إدارة الأصول. وقال مصرفيون في الرياض إنَّه قد طُلِبَ منهم البقاء في مكاتبهم لساعاتٍ، انتظاراً لوصول المراقبين من أجل فحص الحسابات.
 

يقول الشخصان المُطّلِعان على التحقيقات، إنَّه قد جرى استقدام مصرفيين أجانب أيضاً للمشاركة في التحقيقات.
 

الوثائق على الطاولة

وقال مستشار أحد المشتبه بهم: "إنَّهم يضعون الوثائق على الطاولة ويقولون: هذا الدليل ضدك، وإنَّ تسوية ذلك ستستغرق سنواتٍ، أو يمكنك إعادته فحسب وسينتهي الأمر". 
 

وأضاف الشخصان المُطّلِعان أنَّه في ظل سعي أكثر المحتجزين لمخرجٍ سريع، يُحضِّر
مساعدوهم وشركاؤهم المدفوعات لوضعها في حسابات وزارة المالية. وقال أحدهما: "الأمر بسيطٌ للغاية: الوزارة تقول لديك 8 ملايين ريال سعودي في هذا الصندوق، قم بتحويلها إلى هذا الحساب" ، نقلا عن " هاف بوست عربي". 

وقد صرَّح النائب العام بأنَّ أكثر من 200 شخص قد خضعوا للتحقيقات في مزاعم الفساد، وهو الرقم الذي يقول السعوديون إنَّه تزايد من ذلك الحين بسبب توسُّع حملة الاعتقالات.
 

وأمرت الجهات التنظيمية المالية في المملكة بتجميد أكثر من 1400 حساب مصرفي بينما تستمر التحقيقات، وذلك وفقاً لأشخاصٍ اطّلعوا على التعميمات التي أصدرتها تلك الجهات.
 

وكان من بين المستهدفين في الحملة المستثمر الملياردير الأمير الوليد بن طلال، والأمير متعب، أقوى أبناء الملك الراحل عبد الله. وقد احتُجِزَ أيضاً رجال أعمال ومسؤولون تكنوقراط في أجنحة وغرف فندق ريتز كارلتون، البالغ عددها 600 غرفة، بما في ذلك القطبان المقيمان في جدة، صالح كامل ومحمد العمودي.
 

وكانت تسويات "الدفع مقابل الحرية" مصحوبةً منذ فترةٍ كبيرةٍ بتكهُّناتٍ تشير إلى أنَّ عشرات المحتجزين فيما يسمى بعملية "التطهير العربية" قد يُطلق سراحهم قريباً من سجنهم المُذهَّب، الذي يقع على مساحة 52 فداناً من الحدائق.
 

وقال شخصٌ مُطّلِع على القضية إنَّ الدفعات المالية المتعلِّقة بعملية بناء فندق ريتز كارلتون، الذي بنته شركة "سعودي أوجيه"، المملوكة لعائلة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، كانت قيد التحقيق أيضاً.


90% من الحسابات للأسرة الحاكمة

وتُعقَد الاجتماعات في الفندق وسط إجراءاتٍ أمنية مشددة. فاضطر أفراد الفريق الاستشاري لأحد رجال الأعمال إلى السير في طابورٍ عبر البوابات المعدنية للفندق على طول الطريق المؤدي إلى مدخل رواق الفندق. وفي الداخل، تحوَّلت الغرف إلى مكاتب مؤقتة. ونادراً ما يخرج المشتبه بهم من غرفهم.
 

وقال أحد الأشخاص أيضاً إنَّه عندما بدأت الحملة، جرى إقناع بعض هؤلاء المحتجزين في فندق ريتز كارلتون الآن بالعودة إلى المملكة عبر اتصالٍ هاتفي. وأُلقي القبض على أحدهم في أبوظبي، الحليفة المقرَّبة من السعودية، ونُقِلَ مباشرةً إلى الرياض. وتلقّى اثنان من رجال الأعمال الأثرياء الاستدعاء وهم في جدة، لكنَّهم اضطروا إلى السفر إلى الرياض براً، وذلك لأنَّ السلطات السعودية منعت طائراتهم الخاصة من الطيران.
 

ولم يستجب الجميع لطلب الاستدعاء، فيُشاع أنَّ أحد أبناء الملك الراحل عبدالله، الذي كان موجوداً في باريس، قد تجاهل طلباً للعودة إلى البلاد.
 

ويقول خبير مالي إنَّ أكثر من 90% من الحسابات المجمَّدة تابعة لأفرادٍ من الأسرة الحاكمة. ويُقدَّر عدد أفراد العائلة السعودية الحاكمة بأكثر من 10 آلاف فرد.


محاولات انتحار

وقال شخصٌ مُطَّلع من مصادر داخل فندق ريتز كارلتون، إنَّ الكوميديا السوداء لا تزال حاضرة داخل الفندق ذي الخمس نجوم، وسط شائعاتٍ عن اعتداءات ومحاولات انتحار من جانب معتقلين.
 

يُقال إنَّ أحد المشتبه به وهو مُسِنٌّ مُقعَد يصيح في رفاقه النزلاء الآخرين في ردهة الفندق ويقول: "يا فاسد رقم 1، كيف حالك؟ يا فاسد رقم 2، من الجيد أن أراك".

 

وكان موقع "ميدل إيست آي" قد نقل عن مصادر طبية أن 6 من الأمراء المقبوض عليهم في السعودية، وبينهم الأمير متعب بن عبد الله، نقلوا إلى المستشفى خلال 24 ساعة بعد اعتقالهم واستجوابهم في الرياض.
 

وقالت المصادر في حديث حصري للموقع الذي أعد تقريرا استند إلى شهاداتهم نشر نصه يوم الجمعة، إن الحالة الصحية لأحد الأمراء تدهورت لدرجة أنه تم نقله إلى وحدة العناية المركزة بالمستشفى لتلقي العلاج.

 

وأشارت إلى أن موظفي المستشفى قيل لهم إن الإصابات التي تعرض إليها الأمراء نتجت عن "محاولات انتحار". 
 

مصير الأموال 

وكشف صحيفة "الاقتصادية" السعودية عن مصير تلك الأموال ودورها في دعم الاقتصاد السعودي، ونقلت في تقرير لها عن المحلل الاقتصادي عبدالله باعشن، قوله إن الأموال المستعادة من شأنها "دعم الموازنة العامة للدولة، وتشكل رافدا اقتصاديا واستثماريا عبر دوران هذه الأموال من جديد في مشاريع ومنتجات ترفع من الناتج القومي ومعدل نمو السيولة وكتلتها".
 

وأضاف باعشن بأنه التسويات ومعالجة الفساد "سينعكس صداه بالإيجاب على كل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية ويعزز الثقة في الاقتصاد والأسواق والتعاملات الداخلية والخارجية."
 

وأكد على أن هذه الأموال ستؤدي إلى خفض وتيرة الاقتراض خاصة من الجهاز المصرفي ورفع وتيرة التيسير الكمي في قطاعات تضيف وتوفر وظائف وتخفض معدل البطالة وإيجاد كيانات اقتصادية، خاصة في المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي هي المحرك المستقبلي للنمو الاقتصادي في المملكة.
 

وفي التقرير نقلت الصحيفة السعودية عن الدكتور عبدالله بن علي المنيف عضو لجنة الاقتصاد في مجلس الشورى، تأكيده على أن محاربة المملكة للفساد والحصول على هذه التسويات من شأنه أن يعزز من الاستثمار الداخلي ويحفزه ويساعد على جذب الاستثمارات الأجنبية، بحيث يأمن رجال الأعمال والمستثمرون على أموالهم.
 

بينما أكد فضل البوعينين المحلل الاقتصادي السعودي على أنه من المتوقع تحسن ترتيب المملكة على مؤشر النزاهة العالمي وتحسين البيئة الاستثمارية والحفاظ على المال العام والممتلكات الحكومية.


بن سلمان: غالبيتهم وافق على التسوية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قال لصحيفة "نيويورك تايمز" إن الغالبية العظمى من حوالي 200 من رجال الأعمال والمسؤولين الخاضعين لتحقيق واسع في الفساد يوافقون على تسويات يسلمون بموجبها أصولا إلى الحكومة.
 

ونقلت الصحيفة عن الأمير محمد قوله "نكشف لهم ما لدينا من ملفات، وبمجرد أن يروها يوافق حوالي 95 في المئة على تسوية" وهو ما يعني التوقيع على التنازل عن مبالغ نقدية أو أسهم في شركات للخزانة العامة.
 

وأضاف "يتمكن نحو 1 في المئة من إثبات طهارة أيديهم وتسقط قضيتهم توا. ويقول حوالي 4 في المئة إنهم شرفاء ويريدون مع محاميهم الذهاب للقضاء".

وكرر ولي العهد تقديرات رسمية سابقة أشارت إلى أن الحكومة قد تتمكن في النهاية من استعادة أموال غير مشروعة تقدر بنحو 100 مليار دولار من خلال تسويات.
 

وقالت الحكومة قبل أسبوعين إنها استجوبت 208 أشخاص في الحملة وأطلقت سراح سبعة دون توجيه اتهامات. ويعتقد أن عشرات من الأمراء وكبار المسؤولين ورجال الأعمال محتجزون في فندق ريتز كارلتون الفاخر أثناء الخوض في التحقيق.
 

وقال الأمير محمد للصحيفة "لدينا خبراء مهمتهم ضمان عدم إشهار إفلاس أي نشاط خلال العملية".
 

ووصف التلميحات بأن الحملة تهدف لتعزيز سلطته السياسية بأنها سخيفة مشيرا إلى أن الشخصيات البارزة المحتجزة في ريتز كارلتون سبق وأن أعلنت بالفعل مبايعتها له ومساندتها لإصلاحاته. وقال "معظم الأسرة الحاكمة" تؤازره.
 

وأضاف "وفقا للقانون السعودي، النائب العام مستقل ولا يمكننا التدخل في عمله. يمكن للملك أن يقيله، لكنه هو الذي يقود العملية".
 

ومضى قائلا "يمكنك أن ترسل إشارة. والإشارة الجاري إرسالها الآن هي "لن تفلتوا".