لماذا تأخر YouTube بحظر مقاطع العولقي؟

11:21

2017-11-21

ممدوح المهيني

بعد مطالبات متكررة استمرت لسنوات، قام موقع يوتيوب قبل أيام بحذف 50 ألف مقطع للمتطرف، أنور العولقي، الذي قتل بغارة جوية أميركية عام 2011 في اليمن. من هذه الخطوة الإيجابية تنبع أسئلة مهمة من الصعب تجاهلها وكنسها تحت السجادة.

أول هذه الأسئلة: لماذا مرَّ كل هذا الوقت للقيام بمنع هذه المقاطع المسمومة من التداول بشكل علني؟

في تصوري هناك خليط من الأسباب المادية والثقافية، كانت وراء هذا المماطلة في الحذف. مالكو هذه المواقع الاجتماعية (فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها..) هم في النهاية رجال أعمال، يفكرون بالربح والخسارة بشكل مستمر، ولهذا يرخون الجانب الأخلاقي إذا تصادم مع المصلحة المادية. مقاطع المتطرفين على رغم من أضرارها الجسيمة على سلامة المجتمعات، فإنها تحقق مشاهدات عالية سواء من المتعاطفين مع هذا الخطاب أو المعارضين له. الكثير من المحطات التلفزيونية والمواقع الإخبارية المحترمة ترفض بثَّ مقاطع المتطرفين والإرهابيين حتى لا تتحول إلى منصات إعلامية لهم. أما بالنسبة للإرهابيين فمخططهم الدعائي يأتي على الصيغة التالية: "لا بأس بشتم البغدادي والظواهري إذا نقلت خطبهما كاملة، لأنهما سيكونان متاحين للجميع، وسيبعثان برسائلهما بين المراهقين والمراهقات". لهذا عمدت وسائل الإعلام إلى نقل الرسائل الأساسية للشريط أو الخطبة مع تلافي قدر الإمكان نقل الأفكار المريضة التي تحيط بها. تفعل ذلك وسائل الإعلام لأن لديها أخلاقيات مهنية تجاه المشاهدين، هذا على العكس من مواقع التواصل التي هدمت - بشكل كامل - مثل هذه المعايير، مع فتح المجال لأي إنسان أن ينشر ما يريده في أي وقت يحب.

وبالرغم من أن فكرة الفضاء المفتوح رائعة وتاريخية، لأنها منحت أي إنسان حقه البسيط في التعبير عن ذاته بالطريقة التي تلائمه إلا أنها من جهة أخرى سمحت من دون أي روادع بنشر مقاطع خطيرة، مثل تلك التي يبثها المتطرفون، حتى حولوا عتاة الإرهابيين إلى نجوم على مواقع التواصل، ينافسون بشهرتهم نجوم الفن. هناك الآن مقاطع وصلت إلى ملايين المشاهدات لأسماء متطرفة من داعش والنصرة وحزب الله وحركة النجباء، وكذلك طائفة واسعة من المتعاطفين معهم. ومن المهم ملاحظة أن الجماعات المتطرفة من خلال تركيزها على الوصول لأكبر شريحة من الشباب أتقنت استخدام التقنيات الحديثة، غير التقليدية المناسبة لمنصات التواصل الاجتماعي.

لكن كل ذلك لم يكن ليحدث لو أغلقت هذه المواقع التواصلية الوجه أمامهم، وهذا ما لم يحدث.. لماذا؟ للسبب المادي الذي ذكرناه، وهو أن حذف آلاف المقاطع ومعها ملايين المتابعات والتفكير بفرصة خسارة عدد هائل من الجماهير سيجعل هؤلاء المديرين يفكرون بمنطق الربح والخسارة، ويترددون مراراً قبل الرضوخ للمطالبات المستمرة التي ستؤدي إلى خسارتهم. 

من الصعب - وهذا مفهوم - أن يعترف هؤلاء بأن أرقام المشاهدة ومصادر الدخل المرتفعة كانت وراء التردد، لأنها ستنزع عنهم الغطاء الأخلاقي، لهذا يرددون أن دافع الامتناع الحقيقي هو ثقافي ومتعلق بحرية الفكر والتعبير، وهذا هو السبب الآخر الذي يستحق التوقف عنده. يقومون بفصل مخلٍّ بين التطرف والعنف على الرغم من أنهما ملتصقان كتوأم سيامي. حجتهم: لا تُمنع إلا المقاطع التي تحرض بشكل علني على القتل والعنف الجسدي، وما دون ذلك هي أفكار للشخص حرية التعبير عنها والجهر بها بأعلى صوت. ولكن الإشكالية هي أن الأفكار المتطرفة هي الدماء التي تسري بعروق عقيدة الكراهية، وبدورها تسمم عقل المشاهد وتدفعه لارتكاب المجازر.

العنف لا يولد من الفراغ، ولا يوجد شخص استيقظ من النوم وقرر أن يكون إرهابياً يدهس المارة بشاحنته. الأفكار المتطرفة هي من أوصله للعنف ومنعها أولى، لأن العنف سيكون تحصيل حاصل ومحاربته مثل نزع المسدس من يد القاتل مع أن نية القتل لا تزال تسيطر على عقله.

هذه الفكرة الواضحة لنا ليست بمثل هذا الوضوح لدى حكومات الدول الغربية التي يتواجد على ترابها "عتاولة" المتشددين، الذين يكفرون حتى من يستضيفونهم ويمنحونهم الجنسية والمأوى، وكل ذلك باسم حقوق الإنسان وحق التعبير. ورغم أن الدوافع نبيلة إلا أن التطبيق كارثي، فأفكار هذا المتطرف التي يبثها بحرية على مواقع التواصل لها القدرة على التأثير على كمٍّ كبير من الشباب المنغمسين منذ عقود بثقافة لا تجرم الكراهية والتعصب، ولذا يصبح التأثير عليهم وكسبهم كمتعاطفين أو حتى تجنيدهم أمراً يسيراً. وهذا ما تعرفنا عليه من شهادات أهالي الإرهابيين حينما يحكون عن قصص أبنائهم المحزنة، حيث تكون البداية هي نفسها كما يروونها: "بدأ ابننا بمشاهدة الإنترنت والتأثر - بشدة - بمقاطع المجازر التي يتعرض لها المسلمون"... هذا الطعم العاطفي الأول، وبقية الحكاية معروفة.

هذا الخلط بين العنف والتطرف وتغليفهما بقيم ذات حساسية أخلاقية، مثل حرية التعبير خلق حالة من التعنت، خصوصاً إذا أتت المطالبات بالمنع من سكان الشرق الأوسط، المشتبه بحرصهم على هذه القيم، على الرغم من أن جماعات الإرهاب أول ما تجند أبناءهم وتهاجم جنودهم وتفتك باستقرارهم.

المنع رغم الوقت الطويل خطوة إيجابية، ولكنها لا تكفي لأننا إذا تعلمنا درساً خلال السنوات الماضية فهو أن المتطرفين مجندون بإرث ثقافي طويل ومهارات تواصل متجددة، وهم قادرون على ملء الفراغ إذا لم يملأ بخطاب يعزز قيم التسامح والتعايش والإنسانية، يتم خلطه مع حليب الأمهات، ويعطى للأطفال كمضاد لثقافة الكراهية والبغضاء، التي سيطرت على العقول عقودا طويلة.