رافعة بن سلمان

08:35

2017-11-16

علي الرز

جيلنا، جيل حروب وثورات وشعارات وهزائم وانتكاسات. كوابيسه أحلام وأحلامه كوابيس، فلا تفكير خارج تفكير «القائد» وحزبه القائد، ولا عداء مطلقا إلا للغرب، ولا كراهية إلا للآخر، حتى ولو كان شريكا فى الدين والوطن، ولا تقاعس إلا بسبب مؤامرة، ولا فشل إلا بسبب ضعف النفوس، ولا تراجع إلا بسبب خطايا الشعوب. أقفلت الدائرة وصار كل تفكير يتعلق بالتنمية والتطور نوعاً من الترف الذى لا لزوم له... بل هو أحياناً ضرب من الخيانة.

تقدم العالم وأجتر إنجازاته وتأخرنا نجتر خيباتنا. لم يعد بعد قاعنا قاع، أدمَنا تلقى إبر التخدير بأدوية «الصبر و«العودة»، ثم انقضضنا على أنفسنا نأكل لحم بعضنا طالما أن من شب على شىء شاب عليه. أنجب إحباطنا متنفسات سوداء لتغطية العجز والقهر تارة باسم التطرف الثورى وطورا باسم التطرف الدينى والمذهبى... المهم ألا نخرج من دائرة التخلف، استكانة أو إرهابا.

جيل خطفوا ماضيه وحاضره بحجة أن محاربة إسرائيل أولى من التطور الاقتصادى والانفتاح الاجتماعى. تبخرت كل مقدرات الدول بحجة الصراع مع العدو، لكن أبناء هذه الدول كانوا يتساءلون «أين هى المعركة؟» ثم إن إسرائيل التى تعيش يوميا حالة حرب والمحاطة بكل هذه الدول المعادية وظفت مقدرات بلدها بطريقة تضاهى أحدث الدول تطورا. إذن، المشكلة ليست معركة بل هيمنة مفبركة، وحتى التساؤل كان كفيلا بإرسال صاحبه إلى «بيت خالته» مبهدلا محطما.

اليوم، ينظر كثيرون إلى رؤية ولى العهد السعودى محمد بن سلمان 2030 على أنها حلم، وتنظر إليها قلة على أنها كابوس قد يكشف الغطاء عنها... لكن هناك من قرر السير عكس الاتجاهات وتصحيح المسارات، وتسليم الشباب مقاليد المستقبل ونقلهم من مساحاتهم الحالية الضيقة إلى الرحاب الأوسع.

فتح بن سلمان مخازن «أسلحته» لمواجهة تحديات التنمية بكل فصولها. وضع الخطط ووزع الدراسات والأبحاث، ثم رسم الخرائط وحدد مشاريعها. شرع أبواب الاقتصاد بمفاتيح عصرية وحدد الشراكات والجهات المستفيدة، وأعلن أن المملكة وشعبها هم أصحاب المصلحة الأساسية فى المعركة التى يخوضها بهم ولهم، كما وسع مساحات النجاح إلى دول مجاورة ستتغير مفاهيم طرق التنمية فيها من خلال هذه المشاريع العملاقة الضامنة بحداثتها وعصريتها للغطاء الدولى المتعاون.

غيَر محمد بن سلمان المعادلة وشعاراتها، فلا صوت يعلو فوق صوت التنمية، ولا صوت يعلو فوق صوت التغيير، لا صوت يعلو فوق صوت التطور... بل لا صوت يعلو فوق صوت الشباب السعودى الذى أسرته «الحالة» العربية والإسلامية أيضا فى دائرة الجمود وردود الفعل والترقب والخوف. هذه المقدرات الضخمة فى الدولة كانت تنتظر «ثورة إدارية» تتجاوز بيروقراطية المؤسسات المكبلة لكل مشروع، وكانت تنتظر رؤية تحسن توجيهها من مسارب الهدر إلى قنوات الربح، وكانت تنتظر قرارا جريئا بإشراك الجميع فيها وما يستتبع ذلك من استعداد دائم للوقوف على منبر المسؤولية والمساءلة والمكاشفة والمحاسبة للإجابة عن تساؤلات ما تحقق وما تعثر... وقبل كل شىء كانت تنتظر عزما وحزما فى تغيير البيئة العامة المصاحبة للرؤية مثل التصميم على الانفتاح الاجتماعى المدروس وتدمير ظواهر التطرف وتكريس فكر الاعتدال والوسطية وتقبل الآخر والتعايش الحضارى معه.

يحارب الفساد فى الداخل كى يقرن الوعود بالفعل للمرة الأولى منذ عقود، وما القرارات الأخيرة التى كان لها وقع الزلزال فى الشارع السعودى إلا مثال على ما هو قادم. ويحارب الإرهاب فى الداخل منعا لتحوله معولا يهدم الدولة ووحدتها الوطنية. ويحارب فى اليمن منعا لتحوله جسر عبور إيرانيا إلى المملكة والخليج، ويعلن أن حرب الصواريخ التى بدأتها إيران سترتد عليها عاجلا أم آجلا. يلعب بأوراقه الإقليمية خليجيا وعربيا بمقاربة جديدة غير مسبوقة سواء لجهة التشدد او الانفتاح، لكن بن سلمان لا يضع ذلك كله حجة لتأخير ترجمة الرؤية إلى واقع بل جعلها «الرافعة» التى ستنقل المملكة من واقع إلى آخر، وهو يرى من ردود الفعل الأولى سعوديا وعربيا ودوليا بعد الإعلان عن المشاريع العملاقة أن رهانه لم يكن حلما أو شغفا فحسب بل كان خريطة طريق فعلية إلى المستقبل.

ولى العهد السعودى يتصدر الخيارات التنموية ويواجه التحديات الإقليمية، ولن يحنى أكتافه مهما ثقلت أوزانها فـ«الرافعة» التى غرسها بين طموحات الشباب ستتسع رقعة تحركها حكما إلى خارج المملكة. إنها العدوى الحميدة المطلوب أن تصيب كل من يلمس نتائجها، خصوصا إذا كانت كل مقدماتها تبشر بالخير.

.. يبدو أن شباب الجيل العربى المقبل لن يسير وحده.