داعش مستمر تنظيما وفكرا حتى تنقطع أسباب حضوره وأسرار انتشاره (5-5)

17:59

2017-10-30

دبي-الشروق العربي-لا يبدو أستاذ الفكر التربوي الإسلامي بجامعة صنعاء، الباحث في الجماعات الإسلامية وإصلاح مناهجها الدكتور أحمد محمد الدعشي متفائلا بانتهاء داعش على الرغم من هزائمه المتوالية في العراق وسورية، موضحا أن داعش (التنظيم أو الفكرة) سيبقيان مستمرين بأكثر من مكان، وأكثر من غطاء، وأكثر من وجه، وأكثر من عنوان ومبرّر، حتى تنقطع الأسباب الداخلية والخارجية التي تمد داعش بعوامل الحضور، وأسرار الانتشار.

تساؤلات حول النشأة

تجنب الدعشي البحث المباشر في الإجابة عن سؤال إلى أين سيتجه داعش بعد هزائمه في العراق وسورية، وقال «السؤال حول توجه عناصر تنظيم داعش بعد تطهير أماكنهم، ينبني على فرضية لا تسلم من نقاش أساس حول سلامة مقوماتها!، ولذلك سأفصل في الجواب نسبيا، لكن في النهاية ستفتح الإجابة بابا لتساؤلات أكبر، دون أن تقدم إجابة مباشرة محددة، وذلك يرجع للحديث عن فكرة داعش ونشأتها وانتشارها وأهدافها وأغلب ضحاياها، وسر حرصها على تنفيذ جرائمها بتلك الطريقة البشعة، ثم سيطرتها الأسطورية على مناطق شاسعة في سورية والعراق على ذلك النحو الدراماتيكي الفجائي (الطفرة) غير المتدرج في الزمان والمكان.
كان داعش، ولا يزال، واحدا من أكبر الأسئلة المركزية الغامضة، وبات يشكل بابا للبحث الواسع عن حقيقة هذا التنظيم وأسراره، وكيفية صناعته والجهات الفعلية التي وقفت وتقف وراءه؟!، ولماذا استثنت عملياته المناطق الشيعية على مستوى العراق؟ بل لماذا لم تسجّل عملية واحدة في الأراضي الإيرانية؟ دعك من العملية اليتيمة التي تمت أخيرا بمقر مجلس الشورى، وضريح الخميني، وهي ملفوفة بشكوك كثيرة كذلك.
وإذا أضفنا إلى ذلك سؤالا أكبر عن كيفية ذوبان التنظيم الأساس الأقدم والأكبر وهو القاعدة، وإخلاء المجال على نحو شبه كليّ لداعش مع ما يتردّد من وجود خلاف جوهري بين التنظيمين، فإن السؤال يغدو هل هناك تنظيم جهادي حقيقي اسمه داعش؟ أم هناك كيان خارجي مصنوع بإرادة أميركية وإيرانية -بوجه أخص- هو داعش؟». 
وإذا غدت الرواية ثابتة حول توجيهات رئيس الوزراء العراقي السابق، القائد الأعلى للجيش عام 2014 نوري المالكي للقوات العراقية المرابطة في الموصل بالانسحاب منها، فلِمَ لَمْ يقدّم أو يطالب محليا وإقليميا ودوليا بخضوعه الحقيقي لمحاكمة عادلة محايدة خارجة عن سيطرته وتنظيماته الطائفية على القضاء هناك؟ حيث أتاح الانسحاب الفرصة للتنظيم للتمكن من إحكام السيطرة على مفاصل المدينة كالبنوك ومنابع النفط وآبارها، وخلق الذريعة للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها ولإيران للقضاء على أبناء الموصل الأصليين الذين يمثلون الكثافة الأكبر للسكان بعد بغداد، وتشريدهم وإنهاء البنية التحتية في المدينة إلى حدّ كبير، وإعادة التموضع الطبوجرافي للسكان بفسيفسات طائفية وعرقية وإثنية غير متجانسة، لتتحول إلى بؤرة صراع جديدة ممتدة، في إطار رسم خارطة جغرافية وطبوجرافية جديدة للمنطقة والعراق في مقدمتها. 
وإذا صحّت الرواية التي تحدثت عن أن قوام جيش داعش كان يصل إلى 35 ألف مقاتل في 2014، على حين لم يعثر على جثث تذكر لهم، ولم توثق صور حقيقية ذات رقم لمقاتليهم ناهيك عن رموزهم، دعك ممن يقتلون أو يعتقلون بتهم الانتماء للتنظيم، وهم مواطنون أخذوا من منازلهم أو أعمالهم أو أسواقهم ومساجدهم.
من هنا لنا أن نعيد بناء السؤال لكي يبحث عن حقيقة التنظيم من أساسه، وعما إذا كان تنظيما طبيعيا أم مسرحية كوميدية سوداء قوامها القضاء على الإنسان والأرض والبنية التحتية كي تتم الحبكة لإخراج المشهد الذي أحسبه بات مكشوفا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
باختصار سيظل داعش (التنظيم أو الفكرة) مستمرا بأكثر من مكان، وأكثر من غطاء، وأكثر من وجه، وأكثر من عنوان ومبرّر، حتى تنقطع الأسباب الداخلية والخارجية التي تمدها بعوامل الحضور، وأسرار الانتشار.

القطيع يخشون على أسرهم

يؤكد الدعشي أن عناصر داعش غير قلقين على أسرهم، وعلى كيفية التعامل معها بعد الهزيمة، ويقول «كما وجد عناصر داعش من عدم -إن صحّ الوصف- في لحظة خارقة من التاريخ، وغدوا قوة كبيرة لافتة ذات انتشار واسع وبُعد (دولي)، فلا يوجد ما يفزعهم على مصيرهم بالجملة، وأحسب ألا فزع لديهم على أسرهم إلى حد كبير، ولكنني هنا أميز بين الرموز والقادة والعناصر النافذة، وبين الضحايا من الحشد (القطيع) الذين يمثلون وقودا لمعركة يحسبونها جهادا، وأكثر هذا القطيع -إن لم يكونوا على نياتهم- سواء أكانوا مقاتلين في الميدان، أم رافدين فكريا أم روحيا أم مروجين إعلاميا وداعمين لوجستيا، يمثلون غطاء لمشروعيتهم (الدينية) أو (المجتمعية)، لكن بعضهم قد يكتشف يوما أنه كان في الاتجاه الخطأ؟ أمثال هؤلاء لا شك سيتعرضون وأسرهم لمصائر شتى بين سجون وتشريد ومناف جبلية وعوز وحرمان من التعليم والاندماج في المجتمع، وبعضهم قد يؤوب إلى رشده طال الزمن أم قصر. وهو ما أثبتته تجربة القاعدة».

بعيدا عن الارتهان

عن دور مؤسسات المجتمع المدني في التعامل مع داعش، يقول الدعشي «الأصل في هذه المؤسسات خدمة المجتمع بكل فئاته على نحو مستقل نزيه، بعيدا عن الارتباط بأجندة مشبوهة، أو الارتهان لأطراف رسمية محلية أو خارجية، وحينئذ يمكنها القيام بأدوارها الإيجابية المفترضة.
لكن هذه المؤسسات لن تحقق تأثيرها حتى تكون قدوات فعلية بسلوكها العملي لا بشعاراتها فحسب، وتثبت عمليا أن ولاءها للمجتمع والأمة وليس لمصالحها الخاصة.
وعلى المؤسسات المعنية تقديم صور الإسلام الوسطي حقا، لا المتميع أو المتشدد، والتركيز على وضع المبادئ السليمة للإسلام، وتوضيح بعض الشبهات، بروح تربوية بانية مشفقة، وحرص أخوي صادق، مع الإدراك أن أكثر أفراد الفكر المتطرف ضحايا لتعبئة خاطئة، أو لوضع مجتمعي سياسي أو اقتصادي أو تربوي منحرف، قبل أن يكونوا أسبابا مباشرة».

مفهوم الجهاد

يطالب الدعشي مؤسسات المجتمع المدني بالتركيز على مفهوم الجهاد، بحيث يُعاد الاعتبار له، ويحدد هدفه الحقيقي وفق رأي جمهور الفقهاء قديما وحديثا، والمتمثل في أنه موجه في الأصل ضد العدو الخارجي الغازي، أو المهدد للمجتمع أو معتقداته أو مقدساته، أو المغتصب للأرض، أو المنتهك للعرض، وليس ضد الآخر الذي يحمل عقيدة مخالفة، كما يصور منظرو الفكر المتطرف أو ضحاياهم، ويجدون لهم سندا من بعض الاجتهادات الفقهية ذات الأسباب التاريخية أو الملتبسة لبعض آحاد الفقهاء قديما وحديثا، ومن باب أولى لا يوجه ضدّ أحاد الأفراد داخل المجتمع، أو لمؤسساته الرسمية أو غير الرسمية، أيا كان الخلاف معها، وهنا يركز في هذه المهمة على العلماء الثقات، لا من يوصفون أحيانا، سواء من هذه الجماعات أم من غيرها، بـ(وعاظ السلاطين)، والشخصيات التي يمكن برمجتها حسب الطلب!
وكذا المؤسسات الإعلامية والثقافية فوظيفتها التوعية -إلى جانب المؤسسات التربوية الرسمية وغير الرسمية- بمخاطر الفكر المتطرف والتحذير منها، عبر أنشطة توعوية فاعلة ووازنة، لكن ليس كما نراه الآن حين تعمد إلى المسلسلات والدراما والأفلام، فتتحول الخصومة مع فكر التطرف والعنف إلى سخرية من الالتزام الديني حتى المعتدل منه، وتجمع (خصومها) الفكريين والسياسيين جميعا في سلة واحدة، وتصور أخطرهم ما تصفه بجماعات (الإسلام السياسي)، رغم كون بعضها أهدافا لجماعات العنف، وموضع تكفيرها، وأيا كان الاختلاف معها، فلا علاقة لها -عند التحقيق والإنصاف- بتلك الجماعات.
كما تتحول الخصومة أحيانا إلى خصومة مع التراث الإسلامي كله، ومع بعض الرموز بوجه أخص، هذا مع تأكيدي على أن بعضها أسهم فعليا في صناعة هذا الداء، وتم الترويج له لعقود ربما، لكن المشكل هو التركيز غير البريء على بعضها، وغض الطرف عن آخرين، وربما التعميم الدوغمائي أحيانا، بل بعض الأصوات في هذه المنظمات بدأ يمتد ليمس المقدس الديني نفسه، أي نصوص القرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة، فيتهمهما على نحو مباشر أو غير مباشر بصناعة العنف وتغذية فكر التطرف.

صناعة العنف

يرى الدعشي صعوبة توصيف طريقة واحدة للآلية التي ستتعامل بها دول عناصر داعش معهم حين عودتهم إليها، ويقول «بعض الدول على نحو مقصود أو غير مقصود في صناعة العنف، سواء باسم داعش أم سواه، بسبب سياسات بعضها التمييزية وفسادها وتزويرها الانتخابات -مثلا- وانقلابها على نتائجها أحيانا، وانتشار المحسوبية وسيادة القهر والعصا الغليظة مع الخصوم السياسيين، وتعميم الظلم، وإفقار المجتمع، ووقوفها في وجه الإصلاحات السلمية، والمطالبين بها، فأنى لدول مثل هذه أن يناط بها مواجهة فكر العنف أو الإسهام في التحذير منه أو توقيه، فيما هي جزء من المشكلة.
ويمكننا حماية المجتمع من أخطار فكر العنف وآثاره، حين تقوم المؤسسات المجتمعية بأدوارها المفترضة، فمؤسسة الحكم ابتداء تعمل على إرساء مبادئ العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص بين مواطنيها، وتلتزم بمعايير الكفاءة والتأهيل في حصول مواطنيها على حقوقهم، وكذا مؤسسات التربية حين تقوم بصناعة جيل محصن من خطر الفكر المتطرف، وتقوم المؤسسات الاجتماعية، وفي مقدمتها مؤسسة الأسرة تعمل، على تنشئة أبنائها على النأي بهم عن الفكر المنحرف، عن طريق توجيههم غير المباشر ما أمكن».

الأسئلة الكبيرة للبحث في مصير داعش

علينا البحث في داعش ونشأته وانتشاره وأهدافه وأغلب ضحاياه؟
ما سر حرص التنظيم على تنفيذ جرائمه بتلك الطريقة البشعة؟
ما سر سيطرته الأسطورية على مناطق شاسعة في سورية والعراق؟
كيف تمت صناعته، وما الجهات الفعلية التي وقفت وتقف وراءه؟
لماذا استثنت عملياته بعض المناطق في الدول المجاورة؟
ما سر ذوبان التنظيم الأساس الأقدم والأكبر، وهو القاعدة، وإخلاء المجال على نحو شبه كليّ لداعش؟
إذا كان قوامه يصل إلى 35 ألف مقاتل في 2014، فأين جثث قتلاه؟