الثورة السعودية... آن أوان مغادرة المقاعد

13:02

2017-10-30

سوسن الشاعر

لقد حان للمشككين الآن أن يغادروا مقاعد الدهشة ومقاعد التساؤلات التي ما زالوا يراوحون فيها، وأن يتوقفوا عن دعك أعينهم، وأن ينخرطوا في عملية «التغيير» في المملكة العربية السعودية، بدلاً من تبادل علامات التعجب!!

بل على الجميع، بمن فيهم مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية، أن يعوا أن نهضة السعودية اليوم أكبر وأشمل من المملكة بحد ذاتها، وأكبر أثراً مما توقعوه. نحن أمام ثورة اقتصادية اجتماعية تقودها القيادة في دولة القيادة، ومفتوحة للجميع كي يشاركوا فيها، لأن إمكاناتها التي استنهضتها ممكن أن تستوعب الجميع، بدليل أن السعودية منفتحة على القارتين الأفريقية والآسيوية، وأن «الشاطر» من شرق آسيا ومن أوروبا ومن أميركا يندفع الآن للمشاركة معها، وعدم تفويت الفرصة.

بإمكان المرء أن يستوعب أسباب التشكيك، إنما على المشككين أن يقروا بأن ما يحدث في المملكة العربية السعودية هذه المرة ثورة بيضاء غير مسبوقة؛ ثورة وانتفاضة استيقظ فيها مارد جبار تحسس ودرس واستوعب إمكاناته وموارده وقدراته النائمة فأيقظها.

استيقظ فتدارك المسافة التي تبعده عن العصر، وتبعده عن موقعه الريادي المتناسب مع إمكاناته. مارد انطلق لا بسرعة الغزال، إنما بسرعة الصاروخ، وأن التغيير يجري وبسرعة فائقة أمر واقع، ونعايشه لحظة بلحظة، لا حبراً على ورق.

لا ننكر أنه حين أعلن الأمير محمد بن سلمان ولي العهد عن رؤيته 2030 تداعت للبعض صور التجارب المماثلة التي تلكأت فيها الإرادة السياسية والتنفيذية، فباعدت بين الرؤية وبين الواقع بسبب تلكؤها، فكانت العثرات أكثر من الخطوات، حتى أصبحت الرؤية حلماً في الذاكرة، وتحول التنفيذ إلى حبر على الورق. لا ننكر أنه حتى السعوديون أنفسهم تداعت لهم في الذاكرة محاولات سابقة وعدت بالتغيير وبالنهوض، لكنها هي الأخرى تلكأت في التنفيذ، ثم ضعفت أمام حوائط الصد القوية وأمام المقاومة الشرسة، إنما لا يستطيع أحد أن ينكر اليوم أن هذه المرة غير. نعم هذه المرة غير، وما يجري في السعودية تغير بحجم لم تشهده الأجيال الأربعة السابقة. ما يحدث في السعودية اليوم تجاوز حتى «توصيات ماكنزي»!

هذه المرة نحن أمام حالة فريدة، هذه المرة من وضع الرؤية ومن ينفذها رأس واحد، فلا تضارب ولا تضاد بين من يحلم ومن ينفذ، وتلك ضمانة تجعلك مطمئناً أن الرهان على النجاح بين الشخص ونفسه لإثبات المصداقية.

هذه المرة التنفيذ فيها يسبق القرار. الشخص يسارع ويسابق نفسه بسرعة تدهشك، فما يصدر القرار إلا وقد جُهزت أداوته وهيكليته الإدارية وميزانيته وشركاؤه الدوليون. الضمانات جزء من أدواته التنفيذية إذاً، وهذه ديناميكية تعد من أهم ضمانات الاستمرار والمتابعة من داخل المملكة ومن خارجها.
هذه المرة الثورة الاجتماعية تتزامن مع الثورة الاقتصادية؛ النهوض بالمرأة، النهوض بالمؤسسات الدينية، بالخطاب الديني، مراعاة الفئات الاجتماعية المختلفة، بناء مدن جديدة، التخلص من الكانتونات السابقة، النهوض بالعلوم والفنون، تلك عوامل اجتماعية، (المرأة، الشباب، التوزيع الديموغرافي، المؤسسات الدينية، والثقافية والترفيهية... الخ) عوامل دون أن تشركها وتنهض بها فإنك ستتعثر بها عاجلاً أم آجلاً، وستشغلك عن التقدم للأمام، وتلك عقبة كأداء كانت تعيق أي محاولة لنهضة اقتصادية سابقة، بل وإعاقات رؤى اقتصادية أخرى حملت نفس المضامين الاقتصادية، لكنها لم تضع اعتباراً للعوائق الاجتماعية وقدراتها على الشد للخلف، وعلى التراجع، فتركت تلك العوائق تتمدد لتحكم المقاومة، وتمنع أي محاولة للنهوض إلى أن جردت النهوض من أسلحته فماتت الرؤية. إنما هذه المرة وجد قائد جسور يملك شجاعة الدفاع عن أفكاره التقدمية بلا تلعثم.

هذه المرة الحرب على الفساد شرسة. لا فرق بين أحد مهما كان، والفعل يسبق القول، والتنفيذ تشهده بأم عينك، تنام فتصحو على قرارات فاعلة دون تراجع.

هذه المرة الحرب على الإرهاب شرسة، داخلياً وخارجياً، تلاحق تمويله وأدوات دعمه بالقدر الذي تلاحق أعضاءه المسلحين، لا تمييز بين إرهاب يدعي السنية، أو إرهاب يدعي الشيعية.

فالإرهاب لا دين له. حرب تضافرت لها جهود دولية أميركية تساندها غير مسبوقة، تفكيك كانتون العزلة التي نمت فيها بيوت الإرهاب، ومطاردة الجحور التي دخلتها واحتمت فيها العناصر الإرهابية، يتزامن مع بناء المدن الجديدة.. هذه هي الحرب الشمولية التي تبتر وتعالج، تسقي دواءً مراً، وتلحقه بالتغذية السليمة.

هذه المرة قيادة عسكرية خليجية وإسلامية وعربية ترفع رايتها المملكة، إلى جانب طرح مشاريع استثمارية بتريليونات الدولارات، لترسل للعالم رسالة واضحة أنه فعلاً هذه المرة لا يملك أحد داخل السعودية أو خارجها أن يلحق بسرعة المتغيرات، حتى هناك من لا يزال يراوح في مواقع الدهشة بين مصدق وغير مصدق، جالساً في مقاعد التشكيك، لذلك آن أوان مغادرة تلك المقاعد.