الدواعش يعودون إلى حواضنهم بعد الفرار من سورية والعراق (3-5)

19:19

2017-10-28

دبي-الشروق العربي-شدد مدير المركز العربي للعدالة في المملكة المتحدة الدكتور محمد الشيخلي على أن المعارك الأخيرة التي خاضها تنظيم داعش، وعلى الأخص في الموصل والرقة، كشفت عن هشاشته، ومبالغاته الدعائية والإعلامية والعسكرية، حيث تعرض لهزائم عسكرية سدد الأبرياء ثمنها، وأسهم في تدمير حضارات تاريخية مهمة مثل الموصل بكل ما لها من عمق تاريخي وثقافي وحضاري.
وبين الشيخلي أن داعش كان يراهن على الامتداد الجغرافي لسيطرته المفاجئة على الشمال الغربي والمنطقة الغربية للعراق لغرض إكمال توحيدها مع «الهلال الإرهابي» الممتد من الرقة وحلب والحسكة في سورية حتى يحقق أحلامه في تأسيس ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام.
وكان كثيرون من الساسة والخبراء قد طرحوا ومنذ أكثر من عام سؤالاً عريضاً يتعلق بـ«ماذا بعد هزيمة داعش؟».. وقد حاولت «الوطن» الحصول على إجابات تندرج تحت هذا السؤال، عبر طرح ستة أسئلة على مختصين وخبراء وباحثين في شأن المجموعات الإرهابية والحركات الإسلامية.

تمدد هلامي
يرى الشيخلي أن عملية تمدد تنظيم داعش الهلامية في بداياته بدأت بتسلل عناصره من خلال بعض الدول الإقليمية، وخاصة عبر تركيا، وبإشراف مؤسساته الأمنية والمخابراتية، وحسب الأجندة الإرهابية لتنظيم الإخوان الدولي، وعن طريق إيران الراعي الحقيقي لتنظيم القاعدة الإرهابي، حيث تحتفظ ببقايا قيادات هذا التنظيم بعد هروبها من أفغانستان، حيث وجدت هذه العناصر القادمة من دول المغرب العربي ومن المتطرفين المتواجدين في دول الاتحاد الأوروبي ودول بقايا الاتحاد السوفيتي السابق تسهيلات لوجستية للتوجه إلى مناطق الصراع المسلح في العراق وسورية، وبدأت بتنفيذ أجندات التمزيق والتقزيم والتقسيم لهذه المناطق تنفيذاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وبعد انتهائها من تدمير كل هذه المناطق وتنفيذ أجندتها المرسومة لها من دوائر المخابرات الدولية والإقليمية، وتشريد أهلها وتنفيذ إبادات بشرية ومادية ومعنوية، بدأ الانكماش والانغلاق لعناصر داعش.
إن تضخيم أعداد التنظيم خلال السنوات الماضية كان قنبلة موقوتة ستدفع ثمنها كل الجهات التي أسهمت في صناعته، أو جعلت منه مارداً يهدد الجميع، لأن الردود العكسية لهذه الصناعة المخابراتية الإرهابية لن تقبل سيطرة حقيقية عليها لاحقاً من أي جهة، حيث سينتشر أعضاء هذا التنظيم بعد هروبه من العراق وسورية في أغلب دول العالم، وخاصة الذين لديهم جنسيات أوروبية وغربية، وسيحملون معهم أفكارهم المتطرفة وخطاب الكراهية والتكفير ليكونوا قنابل موقوتة ستنفجر لاحقاً وبأشكال متعددة، وسيعودون إلى الحواضن المتطرفة التي نشؤوا فيها وخاصة في بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، والخشية أن تقوم هذه العناصر الإرهابية بعمليات انتقامية في المجتمعات الغربية، وأحذر من أن تتكرر ما شهدته عواصم الغرب وأوروبا خلال السنوات الماضية، والمؤشرات تدل على أن هذه العناصر قد تقوم بعملياتها الانتقامية في لندن وباريس وبروكسل، كما ستبدأ البحث عن أي مناطق رخوة فيها صراعات مسلحة، أو أي مجتمعات تتقارب وتتعاطف فكرياً معها لغرض بث سمومها وتنفيذ أجنداتها المتطرفة. 

برامج الاحتواء
عن مصير أسر عناصر داعش ودور مؤسسات المجتمع المدني في التعامل معها، قال الشيخلي «أُسَر عناصر داعش هي ضحية الفكر المتطرف لأربابها، ويفترض أن تكون هناك برامج توعوية ومجتمعية تعمل على إعادة هذه العوائل وأطفالها، بحيث تتحول إلى عناصر إيجابية في مجتمعاتها، ويجب التعامل معهم بموجب القاعدة القانونية أن (العقوبات شخصية ولا يجوز تعميمها على الآخرين دون ذنب)، والقاعدة الشرعية (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، فلا ذنب لهذه العوائل لأن الظروف المحيطة أجبرتها على أن تكون عوائل لعناصر متطرفة، وللأسف نجد الآن أن هناك عمليات انتقامية بحقها دون جريرة، وهي جرائم ترتكبها المليشيات الشيعية المتطرفة في الموصل، وهذا خطأ استراتيجي سيولد روح الانتقام من هذه العوائل لاحقاً، لأن غالبية من انتمى إلى داعش فعل ذلك بدافع الانتقام من المليشيات الشيعية المتطرفة، ومن الأجندة الطائفية التي مارسها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي خلال 8 سنوات بحق أهالي المدن الغربية وبحق أهل السنة في العراق، ويجب ألا يتكرر هذا الخطأ بالانتقام من عوائل المتطرفين وأطفالهم، لأنها ستولد رد فعل عكسيا للانتقام المتبادل.
ومؤسسات المجتمع المدني مسؤولة أخلاقيا وقانونياً عن ضرورة التعاون مع المؤسسات الحكومية في كل دولة لإيجاد برامج تعيد هؤلاء إلى مجتمعاتهم كعناصر إيجابية وفاعلة.

حداثة سائلة
يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي، عميد كلية الآداب في جامعة القاهرة الأسبق الدكتور أحمد زايد أن العالم الذي نعيش فيه عالم مفتوح يتسم بحداثة وكرة سائلتين، وأساليب مختلفة لفتح أبواب خلفية للشبكات الاجتماعية والسياسية.
وفي ضوء هذا يمكن القول إن فلول تنظيم داعش ستنتقل إلى أماكن أخرى، خاصة تلك التي تقل فيها سلطة الدولة ورقابتها مثل اليمن وليبيا، كما يمكن لنا أن نفترض انتقال داعش من المشرق إلى المغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، وإلى الأطراف البعيدة المترامية داخل دول بعينها، خاصة الدول التي تنخرط في محاربة الإرهاب.
وعن أسر عناصر التنظيم، قال «لابد من التعامل معها بطريقة حضارية تجعل النساء والأطفال يشعرون أن المجتمعات النظامية التي يحكمها القانون أفضل من المجتمعات التي قانونها العنف والقتل والتحكم والهمجية، ويمكن في هذه الحالة إخضاع هؤلاء لبرامج علاجية (نفسية واجتماعية)، يدمجون عبرها في الحياة الاجتماعية وتغيّر اتجاهاتهم ومعتقداتهم وميولهم المتطرفة.
ويمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورا مهماً في عمليات الإدماج هذه، كما يمكن إعادة إعمار ما خربه الإرهابيون. إن جهود التطوع والتدخلات التي تقوم على مبادئ وسمو الأهداف الإنسانية يكون لها في هذه الحالة دور مهم في إعادة التوازن للمجتمعات، وفي خلق إطار جديد من الشراكة والمسؤولية التشاركية بين الدولة والمجتمع.

الدين مظلة مقدسة
يرى زايد أن عناصر داعش سيجدون صعوبة في العودة إلى دولهم، وقال»حتى وإن عادوا فلا أظن أنهم سيفلتون من طائلة القانون، إلا إذا كانت الدولة ترعى الإرهاب وتموله«.
ورأى زايد أن جميع الدول مطالبة بمحاربة التطرف، وهو يقول»على جميع الدول التي عانت من الإرهاب الديني، وحتى تلك التي لم تعاني منه، أن تتبنى سياسات ثقافية وتعليمية لمحاربة التطرف واقتلاع جذوره من العقول، عن طريق بناء عقل ثقافي جديد، عقل حديثي لا يميل إلى التطرف أو لاستخدام العنف، عقل ينظر إلى الدين على أنه مظلة مقدسة تحمي الشعوب ولا تقتلها، تبعث الهمة للعمل والإنجاز وبناء الإنسان والحضارة لا تدمر الإنسان والحضارة وإنجازاتها.

تنابز باللعن
ويرى الشيخلي أن حماية الوطن والمجتمع من داعش مسألة تتحملها عدة جهات، وهو يقول «تغلغل الفكر المتطرف كثيراً في مجتمعات ساعد على انتشاره من خلال تسهيل حواضن له، أو أن البعض استغل روح التسامح وحرية الرأي لغرض نشر فكره المتطرف، كما حدث في مساجد بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، وحماية المجتمعات من هذه الأفكار المتطرفة تتحملها عدة جهات، منها الحكومات والجهات الأمنية والمؤسسات المدنية ومنابر المساجد، والتي عليها إيجاد برامج توعوية وثقافية ودينية معتدلة، توجه العقل الجمعي بما يتوافق ووسطية الدين الإسلامي وسماحته، كما تتحمل منابر المساجد مسؤولية كبرى في إعادة صياغة الخطاب الديني المعتدل، والابتعاد عن التكفير والدعاء باللعن ليل نهار على الآخرين، والذي يولد أفراداً يحملون روح الكراهية والانتقام من الآخر.
وأغلب التنظيمات الإرهابية والطائفية تراهن على عقول الشباب غير الواعي الذي تربى على خطاب الكراهية والتكفير، واستمع إلى الخطابات المتطرفة ، حيث تجد فيهم أرضًا خصبة لاستغلالهم واستخدامهم في تنظيماتها الإرهابية.
وفي أوروبا هناك إشكالية حقيقية في ضياع هوية المغتربين من الجيل الثاني وحتى الرابع من المهاجرين، وكثيرا من هؤلاء انتموا إلى التنظيمات الإرهابية بحثا عن هويتهم المفقودة، وهم فعلاً قنابل موقوتة وخطر حقيقي في حالة إهمالهم، لذا على كل الدول التي يقطنونها أن تعمل على إعادة إدماجهم في مجتمعاتها، بمساهمة المراكز والمؤسسات الإسلامية، ومنظمات المجتمع المدني، ورئاسات الجاليات العربية والإسلامية.

متابعة دولية
فيما يتعلق بالتعاون المعلوماتي والاستخباراتي بين الدول لمكافحة داعش ونظيراته، يقول زايد «لابد أن تخلص كل الدول النية لمكافحة الإرهاب لكي يتحقق ذلك، وأن تتخلى الدول التي تدعم الإرهاب وتموله عن هذا السلوك فوراً، وأن يقيم الجميع صوراً من التعاون المعلوماتي والاستخباراتي لمكافحة الإرهاب والتطرف. ويتطلب الأمر تطوير الأدوات التكنولوجية بجانب تطوير المهارات في عمليات المراقبة والضبط.
 ورأى زايد أن «التعاون المعلوماتي الأمني والاستخباري بين الدول يجب أن ينشئ مراكز دولية لمكافحة الإرهاب والفكر المتطرف ومتابعة قيادات الإرهاب الدولي الذين يبثون سمومهم وأفكارهم المتطرفة، حيث يجب أن تكون هناك متابعة دولية متراصة وحقيقية للقيادات الإرهابية وحواضنها الإقليمية والدولية.
وأكد زايد أن إنشاء المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في المملكة هو خطوة في الاتجاه الصحيح لمكافحة الفكر الإرهابي والمتطرف، ويجب أن تتعاون كل الدول في دعمه لإنجاح مساعيه وأهدافه، كما يجب أن تعمل الأمم المتحدة والدول على إيجاد تشريعات قانونية دولية لمكافحة الإرهاب والتطرف، وأن تكون هناك مؤسسة دولية بإشراف الأمم المتحدة تعمل على مكافحة الإرهاب والتطرف ومطاردة المتطرفين والإرهابيين، وأن تنشئ محكمة دولية متخصصة بقضايا الإرهاب على غرار المحكمة الجنائية الدولية.