مصالحات القذاذفة.. وأمن الحدود الغربية

08:56

2017-10-27

جمال طه

مجلس النواب الليبى أصدر قانون العفو العام «6 لسنة 2015»، وبمقتضاه أفرجت حكومة طبرق عن «سيف الإسلام القذافى» يونيو 2017، الذى تحتجزه بمدينة الزنتان كتيبة «أبوبكر الصديق»، التابعة للجيش الوطنى، منذ اعتقاله أثناء هروبه للنيجر نوفمبر 2011.. كتيبة «ثوار طرابلس»، بقيادة هيثم التاجورى، اقتحمت سجن الهضبة بالعاصمة، وأفرجت عن نجل القذافى «الساعدى»، وبعض المسئولين فى النظام السابق «البغدادى المحمودى، رئيس الحكومة، عبدالله السنوسى، رئيس المخابرات، وأبوزيد دوردة، رئيس جهاز الأمن الخارجى..» مايو 2017.. سبقهما الإفراج عن الطبيب اللبنانى حسين حبيش، الذى اختُطف فى ليبيا بعد توقيف «هنيبعل القذافى» ببيروت، لمبادلته بنجل القذافى.. الإفراج عن أبناء القذافى وأقطاب نظامه متغير استراتيجى يقلب توازنات القوى بالساحة الخلفية لأمن مصر القومى.

«سيف» مواليد طرابلس 1972، النجل الثانى للقذافى، والأكبر من زوجته الثانية صفية فركاش، حصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة الفاتح بطرابلس 1994، ودبلوم إدارة الأعمال من النمسا 2000، التحق بمعهد لندن للعلوم الاقتصادية للحصول على الدكتوراه، الصحافة البريطانية أكدت أن أكاديمياً ليبياً ساعده فى سرقة أطروحته، وأنه كافأه بتعيينه سفيراً.. كان الشخصية الثانية بالنظام بعد والده، رغم عدم اضطلاعه بمنصب رسمى، أسس أولى منظمات المجتمع المدنى «مؤسسة القذافى» 1997، قاد مشروع التحديث «ليبيا الغد» 2007، لعب دوراً فى تطبيع علاقات ليبيا بالغرب، وتسوية المشاكل المعلقة؛ أهمها الإفراج عن الممرضات البلغاريات، تسوية تعويضات ضحايا طائرة لوكيربى، تفكيك البرنامج النووى لرفع الحصار واستئناف العلاقات مع أمريكا، وتوسط فى بعض الأزمات الدولية «الإفراج عن سائحين إيطاليين اختطفهم مسلحون فى النيجر، تحرير الرهائن الألمان لدى جماعة أبى سياف الفلبينية..».

الإفراج عن «سيف» أثار حالة من الارتباك والتضارب تعكس عجز حكومة طبرق عن ترتيب السيناريوهات المناسبة.. مجلس النواب أصدر قانون العفو، لكن لجنة الدفاع والأمن القومى نفت حق سجناء رموز النظام السابق فى الحرية، إلا بعد صدور أحكام تبرئتهم من التهم المنسوبة إليهم!!.. وزارة العدل أكدت «يوليو 2016» أن «تطبيق قانون العفو يفرض وجود أحكام صادرة فى حق طالبه، وسيف القذافى موقوف على ذمة قضايا عديدة، ما زال رهن التحقيق فى بعضها، والآخر منظور أمام القضاء»، رغم ذلك استند منير عصر، المكلف بتسيير وزارة العدل، إلى القانون فى إصدار قرار الإفراج، فتم إلغاء قرار تكليفه فى يوليو.. كتيبة «أبوبكر الصديق»، التابعة للجيش، تم حلها بعد تنفيذها لقرار الإفراج بـ48 ساعة، وضم أفرادها ومعداتها وآلياتها وأسلحتها لإدارة المنطقة العسكرية الغربية.. تناقضات يمكن توظيفها لـ«تضييع المسئولية» إذا فرضت التداعيات ذلك.

«اتفاقية الصخيرات» بغض النظر عن محاولات تعديلها، وما يعترضها من عقبات، تنتهى مدتها نهاية العام، وما لم يسبق ذلك اتفاق سياسى جديد فإن الأمور مرشحة لإعادة الانفجار من جديد، «حفتر» يدرك أن تفكك مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز السلطة والقوة العسكرية يجعل إعادة توحيدها من المستحيلات، إلا لو نجح فى إجراء مصالحات قبلية تكبل جموح الأفراد وتقيد الجماعات المسلحة.. حاول إجراء مصالحة مع مصراتة، لكنها أبدت تعنتاً، فاتجه لاستثمار تأثير «سيف» القوى على قبائل القذاذفة، ورفلة، المقارحة، ورشفانة، ترهونة، البراعصة، الأمازيج، التبو، والطوارق، وهى القادرة على أن تعيد الأمن للجنوب والوسط بدعم من الجيش، «حفتر» اتجه أيضاً للاستفادة من خبرة كوادر النظام السابق؛ ضم بشير صالح، السكرتير الخاص للقذافى، لمرافقيه فى زيارته الأخيرة لروسيا، ما انعكس إيجابياً على النتائج، عيَّن على كنة، قائد كتيبة «المغاوير»، من أقوى أذرع القذافى العسكرية، آمراً لكتائب الجنوب، ما مكنه من استرجاع مقاتلى الكتيبة وإعادة هيكلتها، وفرض السيطرة على الجنوب، ويتواصل بانتظام مع موسى إبراهيم القذافى، وزير إلإعلام السابق.

«حفتر» يدرك صعوبة التحالف مع «سيف» بما يمتلكه من طموح سياسى، واعتماد على قبيلة حكمت مؤسسات الدولة لأربعة عقود، لكن رهانه على نضج السنين، وحكمة التجارب، وضيق الاختيارات السياسية؛ لأن المذكور مطلوب لحكومة طرابلس لتنفيذ حكم إعدام «يوليو 2015»، بتهمة قتل المتظاهرين وسوء استخدام السلطة، حكم استهدف إنهاء دوره السياسى، دون اعتبار لقواعد العدل، الأمم المتحدة وصفت محاكمته بالافتقاد للمعايير الدولية للنزاهة.. مطلوب للجنائية الدولية منذ «يونيو 2011» بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والقمع الوحشى للمعارضين، لذلك فهو لا يمتلك حرية الظهور أو التنقل بالداخل، ولا يستطيع السفر للخارج، بل مُجبر على الاختباء.. كما لا يستطيع التحالف مع الإخوان، لأنه يدرك دورهم فى إسقاط القذافى، منكرين دوره فى إطلاق سراح الإسلاميين من السجون، ومتجاهلين علاقته الخاصة جداً مع القيادى الإخوانى على الصلابى.

«سيف» يدرك تأثير ما يُفرَض عليه من قيود، لكنه يحاول القفز عليها بتأسيس تنظيمات يعمل من خلالها أهمها «الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا، القيادة الشعبية الاجتماعية..»، بالإضافة للاعتماد على «جبهة النضال الوطنى»، التى أسسها أحمد قذاف الدم.. فشل فى إطلاق قناة تليفزيونية من القاهرة أو تونس، فاتجه لإعادة بث قناة «الليبية» من داخل البلاد.. أقطاب النظام السابق عقدوا بمجرد خروجهم من السجن اجتماعاً بفندق المهارى بطرابلس ضم 1600 من ممثلى قبائل المقارحة، وأولاد سليمان، والقذاذفة، والنوايل، والرحيبات، فى مؤشر على أن مصالحة «حفتر» مع القذاذفة ربما كانت مدخلاً لمصالحة مع القبائل الموالية للنظام السابق، مما لا يُحَسِّن المناخ السياسى فحسب، بل يشكل ضغطاً على قبائل مصراتة، ويحد من تعنتهم، وقد ينتهى بمصالحة وطنية شاملة.

الإفراج عن أبناء القذافى إجراء حكيم، يجنب ليبيا مرارة التجربة العراقية، حل حزب البعث وتسريح الجيش وفر لـ«داعش» قاعدة واسعة من الكوادر التى مكنتها من اجتياح ثلث أراضى الدولة، الحس الوطنى لدى قبائل سرت جعل التورط مع «داعش» مجرد حالات فردية، مما يسر لقوات «البنيان المرصوص» طردها، والمصالحة تغلق الطريق أمام احتمال عودتها، لكن.. على الجميع الحذر من محاولات الوقيعة، الصحفية الإيطالية «فينيسيا توماسينى» أشارت لتعرض «سيف» لمحاولتى اغتيال بتدبير من «حفتر» لإبعاده عن المشهد السياسى، متغافلة حقيقة أن «حفتر» لو أراد إبعاده ما أفرج عنه، ويتناقلون تصريحات عن «حفتر» بأن «سيف لا مستقبل سياسياً له، لأنه احترق سياسياً»، متجاهلين تأكيداته بأنه «مواطن عادى، وليس لدينا مأخذ شخصى ضده، بل بالعكس أهلاً وسهلاً به إذا أراد أن يؤدى أى دور سياسى».. فلينتبه الجميع.. ليبيا يراد لها الفوضى، كمدخل لأعاصير تعصف بمصر، وبالمنطقة.. هى لحظة لنكران الذات، وتغليب صالح الأوطان.. فهل نحن رجالها؟!