من بوابة غزة إلى مبادرة ترامب

19:22

2017-10-26

جيهان فوزى

بدا طريق غزة معبداً لتسوية إقليمية تستعد لها الولايات المتحدة الأمريكية، بعد اتفاق المصالحة السياسية التى توصلت إليها حركتا فتح وحماس فى القاهرة، وجار الحوار على كيفية تطبيقها، فتحت المصالحة شهية الإدارة الأمريكية لإتمام الصفقة التى أعدتها وعُرفت إعلامياً بصفقة القرن، وقد عبر عنها موظف كبير فى البيت الأبيض «مصر ساعدتنا بفتح الباب من غزة، وهو الباب الذى كان مغلقاً لسنوات ولم يكن موجوداً أصلاً قبل أسابيع، هى فرصة نادرة لأن وضع الإسرائيليين والفلسطينيين سيكون أفضل إذا تمكنا من الحصول على شىء من هذه الخطوة»، ما يعنى اعترافاً ضمنياً بدعم إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للوساطة المصرية للمصالحة الفلسطينية وتصميمها على استنفاذ محاولات إعادة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة.

ثمة اعتقاد فى البيت الأبيض بأن ما حدث فرصة نادرة وإيجابية على الرغم من موقف الإدارة الأمريكية من ضرورة نزع سلاح حماس، وإن كان الأمر ليس سهلاً ولن يتحقق صباح الغد، فدعم البيت الأبيض لجهود مصر وإتاحة الفرصة للمصالحة تأتى لرغبة ترامب فى تعزيز ودفع مبادرة السلام بين إسرائيل والفلسطينيين فى الأشهر المقبلة عن طريق إحياء المفاوضات والتوصل إلى اتفاق تكون غزة فيه تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، ما يضطر الفصائل لنزع أسلحتهم، واللقاءات المكثفة التى جرت مؤخراً بين مسئولين من البيت الأبيض وكبار مسئولى المخابرات المصرية عن جهود المصالحة ومن ثم إجراء محادثات مع إسرائيل والسلطة تحدد اهتمام واشنطن وتوجهها للمرحلة المقبلة فى ضوء الاتصالات المصرية الفلسطينية الإسرائيلية وبعض المسئولين الإقليميين.

ولم تكن اللقاءات السرية التى تحتضنها العاصمة البريطانية لندن واستقبالها لوفود سياسية رفيعة المستوى بسرية تامة، بمعزل عما يجرى تجهيزاً لإعلان «صفقة القرن» المنتظرة وفتح باب المفاوضات لإحياء مشروع التسوية من جديد بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، بعد فشل استمر لأكثر من 22 عاماً، خاصة أن لقاءات لندن تتم برعاية مصرية وإشراف أمريكى وبحضور وفود رفيعة من السلطة وإسرائيل، فتحت خلالها ملفات شائكة سياسية وأمنية واقتصادية لوضع خطوط عريضة لاتفاق شامل سيتم الإعلان عنه مع انطلاق الصفقة التى يجهزها ترامب.

استضافت العاصمة البريطانية خلال هذا الشهر لقاءين سريين لوفود عربية وفلسطينية وإسرائيلية وأمريكية فى أحد الفنادق الشهيرة بلندن بعيداً عن كاميرات وسائل الإعلام، وتمت بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية ومصر وموافقة السلطة الفلسطينية بناء على وعود قُدمت للسلطة بإمكانية تحقيق إنجاز سياسى ضمن الصفقة المنتظرة التى سيعلن عنها الرئيس الأمريكى خلال شهور قليلة، أما الدور المصرى فينشط لتقريب وجهات النظر بين السلطة وإسرائيل لتذليل العقبات بانطلاق مفاوضات جديدة ربما نهاية العام الحالى، وكان لقاء تفاوضى سرى قد جرى بين السلطة وإسرائيل فى شهر أبريل الماضى فى لندن، كشفت عنه الصحف البريطانية، برعاية المركز البريطانى الإسرائيلى للاتصال والأبحاث «بيكوم» رغم التصريحات المتكررة لمسئولى السلطة بأن الرئيس عباس أغلق باب المفاوضات مع إسرائيل حتى تستجيب لشروطه، كما أن لقاء رباعياً سيعقد نهاية الشهر الحالى فى لندن لوضع اللمسات الأخيرة على صفقة القرن المنتظرة وتحديد موعد رسمى لانطلاق جولة مفاوضات جديدة بين السلطة وإسرائيل برعاية أمريكية ومصرية دون أى شروط مسبقة.

اللقاءات السرية فى لندن تعيدنا بالذاكرة إلى الاتفاقيات التى جرت بين إسرائيل والفلسطينيين وأنجبت اتفاقية أوسلو عام 1993، التى لم يعلن عن بنودها حتى التوقيع عليها واتسمت بالسرية والكتمان وكان مهندسها أبومازن نفسه، فمنذ التوقيع على أوسلو وحتى اللحظة لم يتحقق أى بند من بنودها على أرض الواقع بل أثرت سلباً على مجمل القضية الفلسطينية، وكان الانقسام أحد تداعياتها الخطيرة وما زال الشعب الفلسطينى يدفع ثمنها حتى الآن، فماذا ستجلب عليه صفقة القرن التى يجهز لها الرئيس الأمريكى ترامب؟

تسعى الإدارة الأمريكية من خلال الصفقة إلى تقديم مقترح لترتيب أوراق منطقة الشرق الأوسط بأسرها تنتهى بجلب الدول العربية إلى طاولة المفاوضات من أجل تطبيع عربى شامل مع إسرائيل بموجب مبادرة ترامب، فبعد أشهر من مداولات وزيارات قام بها الرئيس الأمريكى إلى منطقة الشرق الأوسط وإجرائه مشاورات هناك تم الكشف عن المزيد من التفاصيل حول خطة ترامب للسلام لحل الصراع الإسرائيلى الفلسطينى، وكل ما تم تأكيده أن الخطة الأمريكية ستكون مختلفة تماماً عما طُرح فى السابق منذ بيل كلينتون وجورج بوش وحتى إدارة أوباما!! ويفترض أن يقدم ترامب مبادرته من منطلق أن الرئيس أبومازن طرف جاد فى المعادلة ومهتم بالتوصل إلى اتفاق، حتى وإن كان الإسرائيليون لا يرغبون بسماع ذلك، علماً بأن الإدارة الأمريكية لم ولن تتخلى عن الاحتياجات الأمنية لإسرائيل التى يتحدث عنها نتنياهو باستمرار.

إن استجابة الرئيس عباس تماماً لإنجاح الجهود الأمريكية الجديدة وتنازله عن كل الشروط التى وضعها فى مقابل عودة سلطته لمربع المفاوضات مع إسرائيل من جديد بعد توقف استمر لأكثر من ثلاث سنوات، بمثابة صفعة للفصائل الفلسطينية، فاللقاءات السرية مخالفة للتوافق الفلسطينى الداخلى ولهاث خلف السراب بما سينتج عنها صفقات خطيرة تطبخ من قبل الإدارة الأمريكية أقلها نزع سلاح المقاومة، وتستهدف بالأساس تصفية القضية لمصلحة إسرائيل وتقديم طوق نجاة لها من العقاب والمساءلة، فبدلاً من محاسبة قادة إسرائيل وتقديم ملفاتهم إلى المحاكم الجنائية والدولية ستكون هذه اللقاءات ذريعة بأن فى إسرائيل من يسعى للسلام العادل على حساب المصلحة الوطنية العليا للفلسطينيين وقضيتهم.