غياب التنسيق الاستخباراتي يعرّض أوروبا لـ57 هجوما داعشيا (2-5)

18:00

2017-10-25

دبي-الشروق العربي-على الرغم من الشعار الذي رفعته دولة الخلافة المزعومة في العراق والشام «داعش» والذي يقول إنها «باقية وتتمدد»، إلا أن ثلاث سنوات فقط كشفت أنه شعار فارغ، إذ سرعان ما انهزمت في الموصل العراقية، والرقة السورية اللتين تسيطر عليهما منذ عام 2014، وكانتا أهم وأبرز معاقلها.
وعلى أن الهزيمة المتوقعة تحققت عمليا في الأيام الأخيرة فقط، إلا أن الساسة والمعنيين بالأمن دوليا كانوا ينشغلون منذ أكثر من عام كامل، بالسؤال العريض:
«ماذا بعد هزيمة داعش؟»، ويحاولون وضع سيناريوهات بعد الهزيمة، مؤمنين بأهمية فرض الأمن بعد التحرير والحكم والسياسة.
«الوطن» حملت جملة من الأسئلة التي تندرج تحت العنوان الكبير «ماذا بعد هزيمة داعش»، وطرحتها على عدد من المعنيين والباحثين والخبراء، مستطلعة تصوراتهم ووجهات نظرهم المتعلقة بالأمر.

انتشار دولي
يرى رئيس مؤسسة كويليام الدولية للأبحاث المتخصصة في محاربة الإرهاب والتطرف نعمان عثمان أن «داعش متواجد ومنتشر في عدة دول، حتى قبل هجوم التحالف الدولي على مركز التنظيم في سورية والعراق، حيث ينتشر في شمال إفريقيا وإفريقيا (منطقة الساحل والصحراء) والصومال وأفغانستان، وأخيرا اليمن والفلبين، إضافة لشبكة دولية في أوروبا».
ويؤكد أن «الاستراتيجية الأميركية في إدارة الحرب ضد داعش في سورية والعراق سيكون لها أثرها في مصير عناصر التنظيم، حيث تعتمد هذه الاستراتيجية على تدمير كيان دولة داعش، وطرد التنظيم من مراكز سيطرته في سورية والعراق، وهذا هدف عسكري قريب وقابل للإنـجاز، لكن تبقى إشكالية القوة البشرية للتنظيم التي بدأت في الانتشار خارج مناطق القتال والمواجهة، فالتفكير الأميركي في هذه المسألة يقول إن هذه الإشكالية أمنية وليست عسكرية، بمعنى أنها ليست من مهام البنتاجون، وحسب مصادرنا فإنهم يتوقعون خروج مجموعة كبيرة من عناصر التنظيم إلى تركيا لمجرد الاختباء والبقاء على قيد الحياة، وكل من لديه مبلغ بسيط من المال سيتمكن من تأمين جواز سفر وتذكرة سفر والمغادرة، لكن التنظيم سيفقد فاعليته وقدرته التي تمكن من بنائها سابقا».


ذوبان في المحيط
وحول مصير أسر عناصر داعش وكيفية التعامل معهم، يقول عثمان «قليلات جدا من نساء عناصر داعش شاركن في القتال مع أزواجهن وأصبحن جزءا من الكادر العسكري للتنظيم، وأغلبهن قتل، أما الغالبية العظمى من النساء فإما تنتهي الأمور بأسرهن بعد هزيمة التنظيم، ويتركن لاحقا وحدهن في المدن التي كان يسيطر عليها التنظيم، أو يتمكن من الخروج إلى أماكن أخرى آمنة، وهناك يذبن في المحيط الاجتماعي».
وحول دور المؤسسات المدنية في التعامل مع نساء وأطفال داعش، يقول «حتى الآن ليس هناك أثر واضح أو فاعل لمؤسسات المجتمع المدني في هذا الجانب، فالمسألة ما زالت أمنية بامتياز، وتحتاج إلى تعامل ورؤية أمنية أولا».


أنماط مختلفة
وحول كيفية تعامل الدول مع عناصر داعش، وكيف تحمي نفسها ومجتمعاتها من خطرهم، يقول عثمان «ما زال الموضوع حتى الآن محل جدل ونقاش، ونشير إلى أن هناك أنماطا وأساليب مختلفة في التعامل معهم من دولة لأخرى، فمثلا في أوروبا يخضع الجدل حول المسألة لعاملين، هما القانوني الذي يفتقر حتى اللحظة لوجود مواد صريحة يمكن من خلالها تجريم عائلات الدواعش، وبالتالي تحويلهم للمحاكم لمواجهة القضاء، والثاني هو حقوق الإنسان الذي يؤثر بقوة على السياسات والساسة وصناع القرار في أوروبا، أما في الدول العربية فالعادات والتقاليد تتحفظ على اعتقال النساء في قضايا أمنية دون وجود فعل مادي ملموس يشكل جريمة، ولذلك نلاحظ نوعا من التساهل وغض الطرف في حالة وجود إمكانية لعودة النساء والعائلات إلى بلادهن والاندماج مع أسرهن ومجتمعاتهن ضمن سياق أمني يختلف من بلد عربي لآخر.
وتبقى الإشكالية الكبرى في الأطفال القصر الذين تم تجنيدهم ضمن الكادر العسكري للتنظيم وتم إجبار عدد منهم على المشاركة في القتال وارتكاب العنف.
وفيما يتعلق بحماية الوطن والمجتمع من خطر داعش، يقول «هنا نواجه تحديا كبيرا وخطيرا، فالعامل الأمني في هذه الحالة لا يتجاوز 25% في أحسن الأحوال، وباقي الـ75% تحديات فكرية وثقافية وتربوية وسياسات، وهذه هي معركة الجيل القادم لأن داعش نجح في أن يتحول من مجرد تنظيم يرتكز في نشاطه على حاضنة تنظيمية أيديولوجية إلى تنظيم يستند إلى حواضن اجتماعية تتجاوز الإطار التنظيمي للهيكل الداعشي.
وعن التعاون المعلوماتي والاستخباراتي بين الدول، يقول «قد تندهش إن قلت إن التعاون الأمني بين الأجهزة الأمنية للدول المختلفة المعنية بمواجهة الظاهرة لا يرقى لمستوى التحدي، وهناك حالات واضحة لا تقبل التشكيك تؤكد على وجود استغلال وتوظيف من بعض الأجهزة الأمنية للإرهاب الداعشي لخدمة بعض أغراض سياستها الخارجية، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى هناك انقسام واضح بين الشمال والجنوب على المستوى الأمني، وأقصد أجهزة مخابرات الدول الغربية التي تسيطر على الأجندة الدولية لمكافحة الإرهاب، وتعمل على منع وصوله إلى أراضيها، وبين أجهزة مخابرات الدول العربية التي تواجه الظاهرة على أراضيها وتشتبك معها بشكل يومي ومستمر، وكثيرا ما يتم توجيه الاتهامات لدول الجنوب العربية بممارسة التعذيب وتلفيق الأدلة والتوظيف السياسي للتخلص من خصوم سياسيين وخنق الحريات بحجة مكافحة الإرهاب، وفي الوقت نفسه هناك اتهامات لدول الشمال الغربية بعدم التعاون في تسليم المتهمين وتقديم المعلومات وحماية المتطرفين وتوفير الملاذ الآمن لهم تحت حجج حقوق الإنسان وحرية التعبير.. كل هذا أسهم في خلق مناخ غير صحي بين الأجهزة يعيق عملية تبادل المعلومات بشكل قوي وفاعل للقضاء على الإرهابيين والإرهاب الدولي».

مساحات كبيرة
يرى الباحث في الحركات الإسلامية بمركز الدراسات بالجامعة الأردنية الدكتور حسن أبو هبة أنه على الرغم من هزيمة داعش في الموصل والرقة، إلا أنه لا يزال يسيطر على مساحات ليست قليلة في العراق وسورية، وبالتالي سيتحول إلى نهجه التقليدي وسيرته الأولى كمنظمة إرهابية وليس كدولة، معتمدا على شن هجمات حرب استنزاف وتكتيكات حرب العصابات، والدواعش يهتمون بالمناطق الأكثر رخاوة أمنيا، الحافلة بإشكالات وفراغ أمني وفوضى.
ويحتاج داعش في المناطق التي يصلها إلى مخصصات وموارد هائلة للسيطرة، ويتمدد في تلك المناطق التي تمتاز بصعوبة التضاريس أو سعة المساحة، ولديه قدرة على التخفي، وقد شاهدناه يحاول التأسيس في شرق آسيا الفلبين وجزيرة مندوان، ويخوض هناك معارك منذ شهرين، وكذلك في أفغانستان بمنطقة قندهار، وكذلك في مصر ولاية سيناء، وفي ليبيا بعد طرده من سرت اتجه إلى المناطق الصحراوية في الجنوب الشرقي، وكذلك غرب إفريقيا في شمال شرق نيجيريا، وهو ما يؤكد اختياره مناطق المشاكل والفوضى ذات التضاريس الخاصة.

 قصور
فيما يتعلق بدور مؤسسات المجتمع المدني في التعامل مع الدواعش، يقول أبو هبة «لها دور مهم، ففي الغرب المجتمع المدني ضخم وكبير، وموازٍ للمجتمع السياسي، ولكن في العالم العربي لا يتوفر المجتمع المدني على موارد وأشخاص مؤهلين.
في أوروبا هناك برامج ناجحة مثل أوربس في الدنمارك، وبرنامج حياة في ألمانيا، وبرنامج امنع في بريطانيا، تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني بالتعاون مع الجهات الرسمية، وفي العالم العربي هناك معضلة لأن العلاقة بين الأنظمة وتلك المؤسسات ليست صحية دائما، كثير من الدول العربية تعامل المؤسسات المدنية وكأنها مناهضة وهذا خطأ فادح».

 ضعف اقتصادي
عن كيفية حماية الوطن والمجتمع من خطر الدواعش يرى أبو هبة «الأمر يحتاج جهودا جبارة، أولها خلق بيئة سياسية واقتصادية صحية، ولأن الوطن العربي يعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة، فالأمر يتطلب مجهودا كبيرا وخططا للتنمية، وكل المناطق التي انتشر فيها التنظيم هي مناطق تعاني من التهميش الاقتصادي والسياسي، وبالتالي لإعادة الاستقرار ينبغي على كل دولة إيجاد خطة استراتيجية حسب ظروفها.
دول الخليج لا تعاني من مشكلة مالية، هناك نوع من الوفرة، وبالتالي عليها التخطيط لإعادة التوجيه ومواجهة الدعاية، ولكن في دول تعاني وضعا سياسيا منقسما مثل سورية والعراق لا بد من بناء تنمية مستدامة، ولا بد لكل دولة حسب طبيعتها أن تتعامل وفق الظروف الملائمة، وكلما كان هناك ضعف اقتصادي كانت العرضة لخطر داعش أشد».
فيما يتعلق بالتعاون الدولي على مستوى المعلومات والاستخبارات، يقول أبو هبة «رغم وجود مؤتمرات دولية عدة، وعلى الرغم من إنشاء وحدات استخباراتية مشتركة، إلا أن التعاون الاستخباراتي الأمني ليس كافيا، وينبغي تفعيله باتفاقيات ملزمة بتبادل المعلومات، هناك أنانية في التبادل المعلوماتي الاستخباراتي لو لم تكن موجودة لتجنبنا كثيرا من الهجمات التي حدثت على المستوى الأوروبي مثلا.
هناك تحفظ بالمعلومات، ولذا شهدنا في أوروبا على مدى 3 سنوات أكثر من 57 هجوما، كثيرا منها كان يمكن تجنبه لو كان هناك نوع من التنسيق الاستخباراتي الأمني، وفي أوروبا أكثر من 70% من منفذي العمليات الإرهابية لهم سجل جنائي، ولو تم تبادل المعلومات بشأنهم بشكل شفاف لتقلص عدد العمليات الإرهابية.
وفي العالم العربي يبدو الأمر أقرب للمسألة الشخصية، فليس هناك بناء مؤسسي داخل إطار الجامعة العربية، وليس هناك وحدة مركزية تتعلق بالجانب المعلوماتي والأمني والاستخباراتي، علما بأن وجودها سيمنع كثيرا من العمليات».
 

مقاربة أمنية
ويؤكد أبو هبة أن تعامل الدول مع داعش ما زال يركز على المقاربة العسكرية الأمنية، هناك تحالف دولي مشكل من سبتمبر 2014 برعاية الولايات المتحدة الأميركية، وهناك دول تعتمد على ملاحقات ومداهمات، وقد أنشأت بعض المراكز لمواجهة ومكافحة الإرهاب مثلما هو في السعودية، حيث تجري عمليات ملاحقة الدعاية والأيديولوجيا من جهة، وحرمان التنظيم من عمليات الاستقطاب والتجنيد، ولذا من وجهة نظري لا بد على العرب من أن يفعّلوا المقاربات الناعمة أكثر.

 معضلة الأطفال
عن مصير أسر عناصر داعش وكيفية التعامل معهم، يقول أبو هبة «هذه من التحديات الكبيرة، ففي العراق تابعنا مثلا اعتقال أكثر من 1000 طفل متهمين بأنهم من أشبال الخلافة، وتلك مشكلة معضلة، لأن هؤلاء ليس لديهم قضايا، وبالتالي سنة أو سنتان أو خمس وسيخرجون ويشكلون قوة، لذا لا بد من التعامل معهم باستراتيجية حذرة تركز على إعادة توجيههم وتأهيلهم.
كما أن التعامل مع النساء يجب أن يكون حذرا وعبر برامج لا تستند فقط إلى المقاربة والعدالة الجنائية وتحويلهن إلى السجون، بل لا بد أن يترافق ذلك مع إعادة توجيه ودمج، حتى لا يخرجن من السجن بعد سنوات، ويكن أكثر تمرسا وتشبعا بالأيديولوجيا المتطرفة».
- 1000 طفل تم اعتقالهم في العراق لانضمامهم لأشبال داعش