المظلومية تعيد داعش إلى تكتيكات الخلايا العنقودية في العراق وسورية (1-5)

18:12

2017-10-24

دبي-الشروق العربي-بدا أن الشعار الذي رفعته دولة الخلافة المزعومة في العراق والشام «داعش» بأنها «باقية وتتمدد»، لم يكن أكثر من فقاعة صابون سرعان ما أطلقت الفراغ من جوفها، واندحرت تحت ضربات مدوية، أخرجت التنظيم من الموصل العراقية، والرقة السورية اللتين سيطر عليهما منذ عام 2014، وكانتا أهم وأبرز معاقله.

وفي وقت يحتفل كثيرون باندحار هذا التنظيم الذي لم يجلب سوى الدمار وفقدان الأمن، كان الساسة والمعنيون بالأمن دوليا ينشغلون منذ أكثر من عام كامل، بالسؤال العريض:
«ماذا بعد هزيمة داعش؟»، ويحاولون وضع سيناريوهات عدة تتعلق فيما بعد الهزيمة، مؤمنين بأهمية فرض الأمن بعد التحرير والحكم والسياسة.


أسئلة
حملت «الوطن» 6 أسئلة تدور في الإطار ذاته، وطرحتها على عدد من الخبراء والمهتمين بمحاربة الإرهاب والتطرف، والباحثين في الحركات والجماعات الإسلامية، واستطلعت آراءهم حيالها، إذ أكد الباحث التونسي في الجماعات الإرهابية المختص بشؤون الحركات الإسلامية هادي يحمد لـ»الوطن»، أن داعش يعود إلى تكتيكه القديم بعد خساراته المتتالية إلى ما يسميه «أراضي الخلافة».
وردا على سؤال إلى أين سيتجه داعش بعد تطهير مواقعه الحالية؟، قال يحمد: «من الواضح أن داعش بعد خسارته الموصل التي تعد في المخيل الداعشي عاصمة «أراضي الخلافة» سيعود إلى تكتيكه القديم، وهو تكتيك الخلايا العنقودية في صحراء الأنبار والمدن العراقية، كما أن تفتته في المجال السوري بعد خسارة الرقة، سيضعه أمام إعادة متوقعة لجغرافيته في مستواه الأول، وهذا يؤكد -بما لا يدعو للشك- أنه سيستمر ويظل قائما تحت عنوان «مظلومية المِحنة» أي الدولة في حالة امتحان وتمحيص. 
النتيجة بعيدة الأمد فيما يتعلق بـ»داعش»، إننا أمام تنظيم سيستمر في الوجود طالما كانت أسباب وجوده قائمة، ونعني التمييز الطائفي «شيعة وسنة»، وطالما تواصل الانفلات الأمني والعسكري في سورية، بمعنى أن سقوط الموصل والرقة لا يعني بالضرورة انتهاء تنظيم داعش.

جيل فرانكنشتاين
أما كيف ستتعامل الدول مع «داعش» بعد السقوط، وما مصير أسرهم؟، فيقول يحمد «تعامل تنظيم داعش مع الوضع في الموصل قبل تحريرها منه، على أنه وضع دائم، لهذا فإن تركة داعش ستكون ثقيلة ليس على المقاتلين فقط، بل وحتى على أسرهم، ومن المهم التذكير أن عشرات الأسر خيّرت بالانشقاق حتى قبل سقوط الموصل، نتيجة لخلافة مقولة العذر بالجهل التي نخرت التنظيم «صراع الحازمية التكفيرية والبنعلية التكفيرية داخل التنظيم».
والأكيد أننا اليوم أمام جيل من الأطفال والعوائل من إنتاج «دولة داعش» بما يعنيه ذلك من إنتاج جيل يكفّر ويرفض وجود الآخر، بل يشرع قتله وذبحه. فهل تستطيع منظمات المجتمع المدني إنقاذ هؤلاء وإدماجهم من جديد في المجتمع؟!، سؤال يحتاج إلى إجابة عملية، خصوصا أن تجربة معتقلي جوانتانامو مثلا أثبتت محدوديتها وعودة المعتقلين إلى الإرهاب والعنف من جديد.
لن أتردد في تسمية الجيل الذي تربى في حواضن داعش «نساء وأطفال» بجيل فرانكنشتاين الذي تربى على الذبح والقتل.. ما العمل مع هؤلاء؟!، أعتقد أن إعادتهم إلى الحياة المدنية مهمة صعبة جدا.

تفكيك الألغام
عن دور المجتمع المدني في إعادة الداعشيين إلى الجادة، وتصحيح مفاهيمهم؟!، وماذا عن الذين انضموا إلى «داعش» ثم عادوا إلى بلدانهم؟، يقول يحمد «الأمر ممكن، لكن بشروط عدة، منها اعتماد إستراتيجية حقيقية لدحض كل مقولات «الدولة الإسلامية»، وكل الإرث الثقافي والفقهي الذي اعتمدت عليه.
الأمر يتطلب جرأة فكرية وكسرا للمحرمات، أي اجتهادا فقهيا إسلاميا لا أعتقد أنه موجود اليوم. أكيد أن هناك إمكانات عدة للعمل، وما تجارب «المراجعات» في مصر أو «المناصحة» في السعودية إلا نماذج لإمكان تفكيك الألغام من الفكر التكفيري». 
أما بالنسبة للداعشيين الذين عادوا إلى بلدانهم، فيقول يحمد «هناك دول عدة معنية بهذا السؤال، أولها ربما تونس ومنها ليبيا ودول آسيا الوسطى «طاجيكستان وتركمانستان» باعتبارهما من الدول التي صدرت أكثر عدد من المقاتلين الأجانب إلى «داعش»
في هذا الملف، من الواضح أن التعامل الأمني يبقى طريقة قريبة الأمد، أي استجواب كل العائدين وإخضاعهم لجلسات مساءلة وعدالة، للتثبت من ارتكابهم جرائم أو دعواتهم لارتكاب جرائم، لكن الأمر الأهم برأيي هو إخضاع من أبدى منهم استعداده للمراجعة والندم إلى دورات تجريب وتقييم، لبحث إمكان إدماجه في المجتمع من جديد. الأخطر هو غلق الباب بالكلية أمام هؤلاء، وسد كل الطرق أمام «توبتهم»، لأنهم سينخرطون مجددا في العنف متى وجدوا الوسيلة.

تجفيف المنابع
أما كيف نحمي المجتمع من آثر ومخاطر الداعشيين، فيقول يحمد «هناك حلان لا بديل عنهما، الأول: أمني قريب الأمد، يتعاطى مع خطورة هؤلاء طبقا للمعطى الآني والتهديدات التي يمثلونها على الدول واستقرارها، والثاني: وهو الأهم، وهو بعيد الأمد، فيتمثل في مراجعة كل المنظومات التعليمية والثقافية والدينية، بما يمنع من التأويلات الدينية المتطرفة والعنيفة من التسرب.
هذا الأمر يتطلب خطة وطنية شاملة لتجفيف منابع التطرّف الديني، وهذا لا يمكن إنجازه دون اقتناع السلطة الرسمية، وبحثها عن كل منابع العنف في القراءات الدينية، والتصدي للرؤية الإخوانية في المناهج التربوية، والتي تؤدي بالضرورة إلى أيديولوجيا «داعش» في منتهاها.
نحن أمام سلسلة متصلة تؤدي بالضرورة إلى اعتماد العنف لتركيز دولة داعش، منطلقها كتابات سيد قطب الإخوانية التكفيرية «معلم في الطريق نموذجا» ومنتهاها عقيدة الذبح لتركي بن علي «أحد شرعيي داعش». إذًا العمل الحقيقي برأي تربوي ثقافي ديني يهتم أساسا بمحاربة عقيدة التكفير في منابعها، وهذا مجهود لا يمكن أن تقوم به إلا الدول.
وحول المدى المتوقع للتعاون المعلوماتي والاستخباراتي بين الدول، قال «هذا سؤال تقني، وهو يندرج في التعاون العالمي في مقاومة التطرّف وهو قائم فعلا، وأعتقد أن محاربة الظاهرة تأتي من القضاء على منابعها الثقافية والدينية».

منظمة هشة
يرى عضو لجنة المناصحة، الأكاديمي الدكتور علي العفنان، أن هناك حاضنات لـ»داعش» في العراق وسورية، نتيجة وجود منظومة أمنية هشة، ويقول «تحتفل التنظيمات الإرهابية بأي اختلال أمني في أي بقعة من العالم، لأنها تبحث عن أماكن تأويها، وعن مواقع تدريب، ولذا يجب أن يتكاتف العالم لتطوير وتقوية المنظومة الأمنية للحد من توغل تلك المنظمات.
وعن كيفية تعامل الدول مع «داعش» بعد الهزيمة، قال «يتعلق الأمر برؤية كل دولة، وقناعتها ومدى صدقها في مواجهة التطرف، وأتصور أنه لا مناص إلا بالتعاون مع كل الدول، خصوصا والتنظيم أصبح عالميا، ويضم عناصر من كل الجنسيات، وإن كان ذلك بتفاوت، والدول مطالبة بالإسهام في موضوع إعادة تأهيل أبنائها، لأن عدم معالجة ذلك سيبقى مدعاة لوجود وتكاثر تلك التنظيمات.
الفوضى تساعد في نمو تلك التنظيمات، فقبل أحداث العراق وسورية كان عددها محدودا ومحصورا، واليوم أصبح لدينا عدد من الرايات، وتلك معضلة إذا لم يتنبه إليها العالم أو يضع إستراتيجية لها.

مراعاة الضحايا
وعن مصير أسر «داعش»، وكيفية التعامل معها، يقول العفنان «هناك ضحايا ليس لهم ذنب، مثل الأطفال والنساء المغلوبين على أمرهم أحيانا، ولا بد من مراعاة الجوانب الإنسانية، وتجربة المملكة في هذا الأمر رائدة في إعادة التأهيل، وأصبحت أنموذجا يقتدى به عالميا.
وحول دور مؤسسات المجتمع المدني في هذا الإطار، يقول «المسؤولية مشتركة على مستوى الدول، وكذلك على مستوى المؤسسات في الدولة الواحدة، لم يعد هناك جدوى مما يتصور البعض بالارتباط بهيئة أو جهة أو خطاب معين، يجب إسهام كافة مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، فنحن نتعامل مع ظاهرة لم تعد مسبباتها خافية بالنسبة للمختصين، والأمر يحتاج إلى صدق في موضوع المعالجات، وفي سورية كانت «داعش» تحت نظر النظام، ولم تتم مواجهتها إلا بعد تشكيل التحالف، وتلك مشكلة من ناحية رعاية بعض الدول لتلك التنظيمات، ولدينا في السعودية -ولله الحمد- معالجات فكرية وتجربة ناجحة تم تبنيها من جانب بعض الدول لتطبيق تلك التجربة المميزة، وتجربتنا أصبحت محل تطبيق ونجاح في كثير من الدول، ونسبة النجاح في مخرجات مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية تجاوزت 82 %، إنما الجزء الباقي 18% أخلوا بما تعهدوا به، ولم تتجاوز نسبة من عادوا منهم للوقوع في الجريمة الـ1.9 %.

استهداف الصغار
عن كيفية حماية المجتمع من الدواعش وأخطارهم، يقول العفنان «يجب أن تكون المعالجات مجتمعية، وكذلك الوقاية، ولا بد من إسهام الإعلام والتعليم والمؤسسات والهيئات والجمعيات في القطاعين الحكومي والخاص، فالظاهرة ليست سهله، خصوصا أن تلك التنظيمات تستهدف الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة، وتلك من أدبيات وإستراتيجيات أرباب هذا الفكر، إذ يتم التركيز على أعمار تراوح بين 15 و25 عاما، وليست هناك صعوبة في مواجهة الظاهرة وحماية أبنائنا من تلك التنظيمات، والمملكة رائدة في هذا المجال، والنتيجة واضحة.

نجاح سعودي
حول التعاون المعلوماتي والاستخباراتي بين الدول فيما يتعلق بـ»داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى، يقول العفنان «هناك مصداقية وجهود يتم الإعلان عنها، وهي تهدف إلى تحقيق السلم العام، لأن أثر الأحداث الإرهابية شامل، ولا بد من العمل بين دول العالم للقضاء على هذه الظاهرة، ومواجهتها بصرامة وقوة».
والإرهاب لا يعرف دولة أو منطقة أو جنسية، بل يستهدف الجميع، وواجب على الجميع التصدي له عبر تبادل المعلومات، ولدينا في المملكة مستوى أمني على درجة عالية، وقد تم إحباط عمليات إرهابية عدة بكل كفاءة واقتدار، والسعودية لا تتهاون في التعاون المعلوماتي مع كل الدول، وقد نجحت عبر معلوماتها وتعاونها الدولي في منع كثير من الأحداث الإرهابية قبل وقوعها.