سقوط خرافة «تقسيم المُقسّم» وعقلية المؤامرة!

07:06

2017-10-23

وحيد عبد المجيد

لا يُسمع هذه الأيام صوت من ملأوا الدنيا ضجيجاً للتحذير من مؤامرات أميركية وكونية لتقسيم بعض البلدان العربية. رُفع خطاب المؤامرة من التداول عندما وقفت الولايات المتحدة والقوى الدولية الكبرى جميعها ضد استفتاء إقليم كردستان، ورفضت الاعتراف بنتيجته، ثم تركت أكراد العراق في مهب رياح عاصفة من كل اتجاه.

 

يتوارى الآن موقتاً خطاب المؤامرة الذي أدمن أصحابه تعليق أزمات العرب ومشاكلهم على شماعة مؤامرات تهدف إلى «تقسيم المُقسّم» و «تجزئة المُجزّأ». تخيلوا أن الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى تعمل بدأب لإعادة رسم خريطة المنطقة العربية، وأنزلوا خيالهم على واقع كان ينطق بأن سياسات أنظمة حكم استعبدت الشعوب هي التي تأخذ بلدانها إلى هاوية سحيقة.

 

لم يستوعبوا درس «الربيع العربي»، الذي يفيد بأن الاختلالات الداخلية الهائلة في بعض البلدان العربية هي التي يمكن أن تؤدي إلى تقسيمها، وليست مؤامرات كونية لم يكفوا عن التنديد بها لعقود.

 

كم يبدو بليداً ذلك العقل الذي لا تُحركه مجريات الواقع، ناهيك بأن تصدمه، حين تناقض مُسلّمات عششت فيه ليفكر ويراجع ويدرك الخطأ. وما أشدها بلادة الذهنية التآمرية التي جزم أصحابها بأن العراق سيُقسّم حتماً، وكان لديهم يقين تام بأن الغزو الأميركي في 2003 لم يحدث إلا لتنفيذ مؤامرة التقسيم. وذهب بعضهم مدى أبعد في هجاء كل من اختلف مع تصوراتهم الأسطورية، أو أثار أسئلة استنكروا أي تفكير فيها كالسؤال عما إذا كانت هناك دوافع واقعية ومصلحية حقيقية وراء ما يعتقدون أنه مؤامرات للتقسيم.

 

والحال أن الصلة وثيقة بين الخرافة والبلادة الذهنية. تحضر الخرافة حين يكون العقل بليداً مغلقاً مكتفياً بما يُحشى به، وعازفاً عن التفكير والتمييز والتقصي والمقارنة والتحليل. وتبلغ البلادة أعلى ذروة حين لا يستوعب العقل وقائع تُناقض مُسَلّمات (تُسمى عادةً ثوابت) يعيش عليها، كالمواقف التي اتخذتها قوى دولية، متهمة دوماً بالتآمر على العرب، ضد استفتاء إقليم كردستان قبل إجرائه وبعد إعلان نتيجته.

 

اتخذت الولايات المتحدة الموقف الأكثر تشدداً بعد تركيا وإيران اللتين أصاب هذا الاستفتاء حكامهما بهستيريا بلغت الآفاق. وهذا موقف لا بد يصدم عقلية المؤامرة أشد صدمة، ليس فقط لأن الولايات المتحدة المتهمة الأولى دوماً بالتآمر على العرب، لكن لأنها كانت أهم حلفاء الأكراد أيضاً. رفضت واشنطن إجراء الاستفتاء، وطالبت بإلغائه. وعندما تطرقت الاتصالات لتأجيله، أصرت على أن يكون التأجيل إلى أجل غير مسمى، وليس لمدة عام أو عامين. ولم تقدم في المقابل إلا دعوة إلى رعاية الأمم المتحدة حواراً بين بغداد وأربيل، على رغم أن وسطاء أميركيين رعوا رسمياً حوارين كهذا من دون جدوى، في 2009 عشية انسحاب قواتهم من العراق، ثم في 2014. وعندما بدأت بغداد التحضير للاستيلاء على المناطق المتنازع عليها قبل أيام، وأعلن الأميركيون حيادهم، كانوا قد انحازوا فعلياً إلى من أرسلوا قواتهم إلى كركوك، ومعها ميليشيات موالية لإيران التي يقولون إنهم شرعوا في مواجهة خطرها!

 

ولا تختلف مواقف الدول الغربية الكبرى عن الموقف الأميركي الذي يفترض أن يكون المسمار الأخير في نعش خرافات مؤامرات التقسيم لو أن الذهنية التي تُروّج الخرافات أقل انغلاقاً. ولعلها مفارقة أن موقف روسيا، التي لم تُتهم في الخطاب الخرافي العربي بأنها تتآمر للتقسيم، يبدو أقل تشدداً من الموقف الأميركي– الغربي. فقد تجنبت انتقاد الاستفتاء، بل ورد في بعض التصريحات الصادرة عن حكومتها أنه شأن داخلي لكنها لا تعترف بنتيجته.

 

وتعود الأهمية الخاصة جداً لمواقف القوى الدولية الكبرى تجاه الاستفتاء إلى كونه أول اختبار عملي حقيقي لأسطورة «تقسيم المُقسّم» وعقلية المؤامرة والخرافات المرتبطة بها. وقد سقطت الأسطورة وذهنيتها بجدارة في هذا الاختبار الذي يتعذر التشكيك بدلالته، بخلاف الأفكار والرؤى التي طرحت في سياق المجادلات حول تلك الأسطورة. أسفر هذا الاختبار عن إثبات أن أحداً في العالم لا يتآمر لتقسيم البلدان العربية، وأن القوى الدولية الكبرى لا تجد مصلحة فيه، بل على العكس تبدو أهم هذه القوى مستعدة لإنكار مبدأ حق تقرير المصير إذا أدى إلى انفصال أي جزء من البلدان القابلة للتقسيم، كالعراق وسورية وليبيا.

 

وفضلاً عن عدم وجود مصالح تدفع أياً من القوى الكبرى للسعي إلى مثل هذا التقسيم، يعاني النظام العالمي اضطراباً في هيكله، وارتباكاً في قمته، واختلالات في تفاعلاته. وفي حال كهذه تتعذر التحولات الاستراتيجية، والجيوسياسية، الكبيرة، لعدم قدرة النظام العالمي على استيعاب آثارها وهضم تداعياتها.

 

كذلك اقترن رسم الخريطة الحالية في الشرق الأوسط بالتغيرات التي أسفرت عنها الحرب العالمية الأولى. وارتبطت إعادة رسم خريطة أوروبا في نهاية الحرب العالمية الثانية ببزوغ نظام عالمي بقيادة ثنائية، إذ اقتسم الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة النفوذ فيها. كما أُعيد رسم خريطة شرق أوروبا ووسطها في نهاية الحرب الباردة الدولية. ودلالة تلك الخبرات أن حدوث تحولات كبرى في النظام العالمي يخلق مصالح جديدة، ربما يتطلب بعضها مراجعة خريطة منطقة أو أخرى. لكنْ لا يتوفر أي من ذلك في النظام العالمي الراهن، الذي ما كاد يتبلور بقيادة أحادية، حتى دبت فيه تغيرات لم تكتمل بعد، فأصابه اضطراب واضح لكل من يتأمل تفاعلاته. ولذلك لم يستطع أن يهضم بعد تداعيات تغيير خريطة شرق أوروبا ووسطها، في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا. ولا يزال بعض هذه التداعيات مصدراً لتوتر دولي، كما هي الحال في أزمة أوكرانيا، أو عدم استقرار كما في صربيا، والبوسنة، وكوسوفا.

 

والحال أن النظام العالمي ليس مستعداً لاستيعاب تحولات دراماتيكية في خريطة الشرق الأوسط. ولذا يبدو طبيعياً أن تقف القوى الدولية الكبرى مجتمعة ضد أية محاولة لإجراء تغيير فيها، حتى إذا كانت مجرد استفتاء لا يؤدي إلى انفصال كردستان فورياً أو تلقائياً. وكان هذا كله واضحاً منذ عقود. ولكن عقلنا الخرافي أبى أن يستوعبه، وقد يحتاج إلى مزيد من الوقت لإدراك أن أسطورة «تقسيم المُقسّم» ليست إلا بعض ما صنعته عقلية المؤامرة.