الصحراء الكبرى... آمال فوق الرمال

21:56

2017-10-21

عبد الرحمن شلقم

في عام 1974 وأنا شاب حديث التخرج في قسم الصحافة بآداب القاهرة، قمت بجولة طويلة في بلدان غرب أفريقيا ووسطها. النيجر، مالي، السنغال، ساحل العاج، ليبيريا، غانا، غينيا، برفقة اثنين من الصحافيين، أحدهما ليبي والآخر تونسي. كانت تجربة فريدة، قابلنا خلالها عدداً من الزعماء السياسيين والمفكرين ومشايخ الطرق الصوفية. ذاك جيل ما بعد الاستقلال.
شدني الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور بهدوئه وسعة معرفته بالأدب والفلسفة والتاريخ والدين الإسلامي وهو المسيحي العتيد. أما الأستاذ المؤرخ والفيلسوف السنغالي أنتا ديوب فهو مكتبة شاملة جامعة، له رؤية عميقة في التاريخ والمستقبل الأفريقي. الشخصية الأخرى التي تأسرك بحكمتها وعلمها هو ببو هاما رئيس البرلمان في النيجر. أما الرئيس الغيني الراحل أحمد سيكوتوري فهو الزعيم الثوري الحالم، رافقناه في سيارته التي قادها بنفسه، ودعانا إلى الغداء بمنزله. رسم الخرائط السياسية للدنيا، لونها بمسحة حلمه وآيديولوجيته. تلك مرحلة قرأها رموزها بعيون التاريخ وأحلام القلوب وأمل القادم. المشترك بينهم هو وحدة المصير الأفريقي. الماضي ربط أفريقيا في سلسلة واحدة - الاستعمار والعبودية والتبعية - الخلاص كما يرونه هو الوحدة في صناعة القادم. بعد تلك المرحلة عصفت بالقارة الأفريقية ريح الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية. تكسرت حروف التاريخ، وغابت سطور الحلم والأمل. خطّت أصابع العنف والدم واقعا جديدا تجاوز الموروث بكل ما فيه، وطفح على وجه الواقع ألمُ هزّ التاريخ وزلزل الحلم.
أفريقيا، قارة في سكون المكان وتموج الزمان. هي قارات في قارة، أمم تحوم حول ذاتها. قارة الأنهار والأدغال والصحراء. لوحة طبيعية مركبة ألوانها من الأرض والتاريخ والبشر..

دول الساحل والصحراء الكبرى الأفريقية، بلدان عاشت سنوات تحت الاستعمار الفرنسي، حارب كثير من أبنائها مع القوات الفرنسية في الحرب العالمية الثانية، وهي تشاد، النيجر، مالي، بوركينا فاسو. لا غابات بها ولا مياه إلا نهر النيجر وشاري. الصحراء في هذه البلدان ليست رمالا تمتد من الأفق إلى ما يقابله، لكنها وجود حي يقاسم البشر كيانهم وتكوينهم. تاريخ هذه البلدان كانت الرمال جزءا منه في حبره وأوراقه. الجغرافيا والطبيعة تصنع الناس والتاريخ. هذه البلدان لها كيانات وتكوينات تميزها اجتماعيا واقتصاديا وتاريخيا وجغرافيا عن غيرها من الدول الأفريقية. هي دول مغلقة لا شواطئ لها أو كما يقال (حبيسة).
بعد بداية استقلال هذه الدول أصبح لها عملة هي فرانك السيفا، واعتبرت منطقة اقتصادية واحدة.
هذه الدول الأفريقية الحبيسة التي تمتد من وسط القارة إلى غربها، تمثل حلقة خاصة في الكيان الجغرافي والتاريخي والاجتماعي الأفريقي، تختلف عن أطراف القارة الأخرى، شرقها وجنوبها وشمالها. هي مكون مهم في منظومة الفرانكفونية ليس بجانبها اللغوي والثقافي فقط، ولكن هناك رابطة خاصة تشد هذه البلدان إلى فرنسا، ويصدق عليها - إلى حد كبير - ما سماه الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سينغور «الحبل السري» الذي يربط بلدانا أفريقية مع فرنسا. المستعمر السابق (فرنسا) التي رحلت سياسيا من فوق الأرض، بقيت هناك في أكثر من صيغة، لها قواعد عسكرية في عدد من هذه البلدان، لها أيضا استثمارات اقتصادية ولها تعاون إقليمي معها.
في أواخر القرن الماضي تأسس تجمع دول الساحل والصحراء بهندسة ليبية، ضم هذا التجمع دولا عدة ووضعت برامج سياسية واقتصادية وثقافية. هناك من كرر رؤية اقتصادية تعود إلى تاريخ طرق القوافل القديمة التي ربطت بلدان شمال أفريقيا بجنوب الصحراء، برزت فكرة بناء سكة حديدية تمتد من الجزائر إلى نيجيريا، وطريق برية من شمال ليبيا إلى وسط القارة عبر الصحراء. لم تنحسر الأفكار والخطط التي تندفع في كل وقت ومن كل اتجاه نحو هذه المنطقة البكر حيث تتوفر الأيدي العاملة الرخيصة، ومواد أولية متنوعة بغض النظر عن حجمها وكذلك المنتجات الزراعية خاصة القطن. الانقلابات العسكرية التي حلّت كضربات القدر على هذه الدول، والحروب الأهلية، وحكات التمرد العرقي والقبلي ربكت إيقاع الأحلام، وأجهضت الخطط الاستثمارية.
لم تخف كثير من الدول والشركات الأجنبية تطلعها إلى إقامة المشروعات في مختلف الدول الأفريقية وعلى رأسها الصين التي ضخت المليارات في مشروعات صناعية وزراعية كبيرة ومتوسطة وصغيرة، وكان لدول الساحل والصحراء نصيبها المحدود من هذه المشروعات بسبب غياب الاستقرار السياسي والأمن الذي يتطلبه النشاط الاستثماري.
كان الأمل كبيرا أن يُصار إلى مشروع مارشال اقتصادي في هذه الدول، على غرار ما قامت به الولايات المتحدة من ضخ المليارات للنهوض باقتصادات الدول الأوروبية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن انتشار تنظيمات العنف الإرهابي بهذه الدول خاصة تنظيم بوكو حرام والجماعة المقاتلة وتوسع تنظيم داعش وما شهدته بوركينا فاسو ومالي من تفجيرات عشوائية، وكذلك المواجهات المستمرة في شمال مالي، كل ذلك يحرق فرص توجه رأس المال الآسيوي والأوروبي نحو هذه البلدان. المعادلة التي تتسق وتتغير هي العلاقة بين الفقر والعنف، التنمية والسلام.
كلما زاد الفقر زادت خصوبة الحاضنة الاجتماعية للعنف، وكلما زاد العنف تراجعت فرص الاستثمار التي تخلق فرص العمل، وتقضي على تدفق الشباب نحو الجماعات الإرهابية.
بعد سنوات من الانقلابات العسكرية التي شهدتها هذه الدول، حدث قدر من الاستقرار السياسي وبداية مرحلة من التداول السلمي النسبي للسلطة، وتراجع تدخل الجيوش في العمل السياسي، لكن تقارير المنظمات الدولية ما زالت تقلل من الشفافية والحوكمة فيها، إلا أن الآمال في تحقيق بدايات للتطوير الاقتصادي ما زالت لها أنفاس ترتفع وتنخفض. فرنسا تُصر على توسيع مواجهتها للمجموعات المتطرفة في المنطقة وكذلك الولايات المتحدة، والجزائر تقود العمل السياسي من أجل إيجاد حلول سلمية للنزاعات العرقية والجهوية، دون التخلي عن العمل الأمني المشترك مع هذه البلدان للخروج من متاهة العنف، لكن النشاط الموازي القادر على تحقيق الاستقرار والأمن هو التنمية مثلما حدث في جمهورية رواندا، التي نجحت في أن تكون على رأس الدول الأفريقية في الحوكمة والتنمية، بعد العنف الدموي العرقي، في حين ما زالت جمهورية بورندي تتقلب في أتون الفوضى الدامية. الساحل والصحراء قد يكونا شريط الغد الذي يقدم حالة أفريقية تفتح صفحة تجربة جديدة من الأمن والتنمية والاستقرار في القارة.