السياسة الأميركية تجاه باكستان

21:53

2017-10-21

ذكر الرحمن

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى السلطة، استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعض الكلمات الصارمة بحق باكستان. وكانت تصريحاته الأولى تشير إلى أنه قد يكون هناك تحول جذري في السياسة الأميركية مع خلال اتخاذ موقف متشدد تجاه باكستان، بسبب الغضب إزاء الإجراءات الضعيفة التي تتخذها إسلام آباد ضد تفكيك البنية التحتية الإرهابية التي تؤدي إلى عدم الاستقرار في أفغانستان.

وفي شهر أغسطس من هذا العام، أعلن ترامب سياسة إدارته تجاه جنوب آسيا، ووصف الهند، وهي منافس رئيسي لباكستان، بأنها شريك مهم في الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار في أفغانستان. وكانت الإدارات الأميركية السابقة تسترضي باكستان، لأنها كانت تعرف جيداً نفوذها على «طالبان» وتريد من الهند أن تلعب دوراً محدوداً في أفغانستان. بيد أن ترامب استمر في اتهام باكستان بإيواء الجماعات المتمردة رغم حصولها على مليارات الدولارات من الولايات المتحدة باسم مكافحة الجماعات الإرهابية. وقد تم تفسير ذلك على نطاق واسع على أنه تغيير جذري في نهج واشنطن، حيث حذرت إدارة ترامب باكستان من أن المساعدات الأميركية لن تكون متاحة، وأنه من الممكن خفض وضع إسلام آباد كحليف رئيسي من غير الناتو.

لكن الآن يبدو أن هناك تحولا طفيفاً عن الموقف الأولي الصارم، لاسيما بعد الجهود التي بذلتها إسلام آباد للإفراج عن زوجين أميركيين كنديين هما «جوشوا بويل» و«كاتلين كوليمان» وأبنائهما الثلاثة من براثن «طالبان». فقد قامت قوات الأمن الباكستانية، التي حصلت على معلومات من الاستخبارات الأميركية، بإنقاذ الأسرة بعد أن نقلهم الخاطفون من أفغانستان إلى الأراضي الباكستانية. وقد وصف ترامب هذا العمل بأنه علامة على أن باكستان ترضخ لضغوط الولايات المتحدة.

وكتب الرئيس الأميركي في تغريدة له على تويتر: «لقد بدأنا في تطوير علاقة أفضل بكثير مع باكستان وقادتها». وأضاف: «أريد أن أشكر قادة باكستان على ما يقومون به على العديد من الجبهات». وقال أيضاً إن باكستان «بدأت في احترام الولايات المتحدة» وأنه رغم أن باكستان «استفادت كثيراً من بلادنا على مدى سنوات عديدة، لكن الآن بدأ يتضح أن لدينا علاقة حقيقية».

ويعكس التغيير في لغة ترامب ولهجته الحقائق الواقعية فيما يتعلق بالأميركيين وهم يحاولون تحقيق الاستقرار في أفغانستان. ويبدو أن إنقاذ الرهائن أثبت لواشنطن أن هناك دولة واحدة تستطيع مساعدتها في أفغانستان، حتى وإن كان ذلك بمقدار ضئيل، وهذه الدولة هي باكستان. وما من شك في أن باكستان هي الدولة الوحيدة التي لديها نفوذ على جماعات «طالبان» المختلفة، لأنها تتقاسم روابط عرقية وثقافية مع الشعب الأفغاني، خاصة البشتون. ويبدو أن ترامب قبل هذا الأمر الواقع بأنه يحتاج إلى باكستان إذا كان يريد تحقيق النجاح في أفغانستان.

وفي إشارة أخرى على الرجوع إلى السياسة الأصلية، أكد وزير الدفاع «جيمس ماتيس» خلال جلسة استماع أمام الكونجرس الأسبوع الماضي، على العمل بشكل وثيق مع باكستان. وبينما يبدو أن الجهود التي بذلتها باكستان للإفراج عن الأسرة الأميركية الكندية قد قللت هذه الحالة من عدم الثقة، إلا أن هذا لا يزال مثالاً صغيراً جداً للتعاون بين البلدين. ومن المعروف أن الرئيس ترامب ينفذ أعماله بنمط إتمام الصفقات. ومعروف أيضاً أنه يصعب التنبؤ ببعض مواقفه. لذا فمن الممكن أن يخرج علينا يوماً ما بإعلان مفاجئ بأن باكستان لا تفي بالتزاماتها في الاتفاق.

ولا تزال العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان محفوفة بالتوتر. وتعتقد السلطات الأميركية أن المساجد والمدارس القرآنية المقامة عبر الحدود مع أفغانستان وداخل باكستان قد ساعدت جماعة «طالبان» ليس فقط على الحفاظ على نشاطها الإرهابي، بل أيضاً زيادته. وكانت واشنطن تدفع إسلام آباد منذ فترة طويلة لبذل مزيد من الجهد لتفكيك الملاذات الآمنة للمسلحين، بينما تؤكد السلطات الباكستانية على أنها تفعل كل ما بوسعها. ولم تنس الولايات المتحدة بعد أن ابن لادن قد وجد ملاذاً له على الأراضي الباكستانية، وأن هذا ربما يعود إلى دعم عناصر من الجيش ووكالات المخابرات.

وفي عام 2012، وصفت الولايات المتحدة شبكة حقاني، التي كانت وراء العديد من الهجمات داخل أفغانستان والتي تتخذ من باكستان مقراً لها، بأنها منظمة إرهابية. وفي ذلك الوقت كان أحد كبار مسؤوليها العسكريين قد لاحظ أنها كانت «ذراع حقيقي» لوكالة التجسس الباكستانية. وترى واشنطن أيضاً أن جماعة «طالبان» أحرزت نجاحات في أفغانستان وأنها كانت قادرة على إعادة تنظيم صفوفها بسبب الملاذات الآمنة في المناطق الحدودية داخل باكستان. كما أن باكستان بدورها لم تنس العمل أحادي الجانب الذي قامت به الولايات المتحدة على أراضيها فيما يتعلق بالعملية ضد ابن لادن. وبالتالي، لا يزال عدم الثقة قائماً بين البلدين.

وفي الوقت الراهن، فإن الأولوية بالنسبة للولايات المتحدة تتمثل في تحقيق الاستقرار في أفغانستان، حيث قررت البقاء. وهذا يعني أن هذه الأولوية ستفوق بالتأكيد كل الاعتبارات الأخرى عندما يتعلق الأمر بباكستان. لذلك، يبقى أن نرى كيف ستتطور العلاقة بين البلدين في عهد إدارة ترامب الحالية.