الخروج من «دولة السادات»

19:46

2017-10-18

د. عماد جاد

عادة ما نتحسر كمصريين مدنيين نسعى لبناء دولة مدنية حديثة، عندما نشاهد صور وتسجيلات لحفلات وأيضاً أفلام الخمسينات والستينات وأوائل السبعينات، فقد كان المجتمع المصرى حلقة من حلقات المجتمعات المتوسطية، جزء من حضارة البحر الأبيض المتوسط، شماله تحديداً، وكان المجتمع المصرى خليطاً متنوعاً متعدداً، ويحتضن مئات الآلاف من الأجانب من مختلف الجنسيات، جاءوا للعمل فى مصر ثم استقروا فيها، وكان لمصر ميراث من نظام ملكى شبه دستورى خلال الحقبة الليبرالية التى عاشتها مصر فى الفترة من 1923 وحتى يوليو 1952، وتعد فترة حكم جمال عبدالناصر من 1954 وحتى 1970 فترة انتقالية تعرضت فيها مصر لتغيرات جذرية، لكن ميراث المجتمع المصرى كان قوياً على النحو الذى استوعب هذه التغيرات إلى حد ما، وإن بدأت مصر تفقد فى عهده بعضاً من سماتها، على رأسها التنوع والتعدد بخروج اليهود ثم مغادرة الأجانب.

جاء «السادات» فاقداً لكاريزما «عبدالناصر» وراغباً فى بناء تحالف جديد، فكان التحالف مع الإسلاميين، وكان بدء تديين المجال العام فى مصر واستخدام مكثف للغة والمظاهر الدينية وإطلاق المشايخ لسب المسيحية على المنابر وفى وسائل الإعلام، ثم كانت الهجرة إلى بلاد النفط بعد حرب أكتوبر 1973، والدفع بملايين المصريين إلى الهجرة للعمل فى الخليج فكانت بداية اكتساح الثقافة الوهابية المتشددة المنغلقة الأحادية للثقافة المصرية المنفتحة المتعددة المتنوعة، وعاد المصريون إلى بلدهم بعد سنوات من العمل فى الخليج بثقافة مغايرة تماماً لما تربوا عليها وبرز نشاط التيار السلفى الذى لا يعدو فى غالبيته أن يكون بمثابة فروع لتيارات خليجية لاسيما سعودية، ومن ثم بدأت سياسات التمييز الممنهج والحديث عن أولوية الرابطة الدينية على حساب الوطنية.

قُتل «السادات» على يد التيار الذى تحالف معه، رحل ولم ترحل سياساته. فقد استمرت دولة السادات الطائفية تمسك بتلابيب المجتمع المصرى والدولة المصرية طوال العقود الثلاثة التى حكم فيها «مبارك»، سقط «مبارك» واستمرت دولة السادات تعمل بكل كفاءة، وكدنا نصل إلى محطتها الأخيرة المتوقعة بقيام الدولة الدينية بعد 25 يناير، وتحديداً فى سنة حكم المرشد والجماعة، إلا أن الشعب المصرى انتفض دفاعاً عن هويته وأطاح بحكم المرشد والجماعة، لكن دون الإطاحة بدولة السادات، وفك هذه الدولة المعششة فى قلب مؤسساتها. ما نشهده اليوم من سياسات تمييز دينى وطائفى، وممارسات طائفية بغيضة، وتواطؤ لمساعدة المجرمين الذين يرتكبون جرائم دينية على الهروب من العدالة وعدم تطبيق القانون، هو نتاج استمرار دولة السادات الطائفية فى العمل، التى تشبعت خلالها مؤسسات الدولة المصرية بروح التعصب والتمييز التى انتشرت فى جميع مناحى الحياة فى مصر، وسيطرت على أدوات التنشئة المتنوعة.

إذا أردنا بناء دولة مدنية بجد، لا بد من وقف حياة دولة السادات والخروج منها بوضع أسس دولة مدنية حديثة تنهض على المساواة، وحكم القانون والعدل.