كولومبيا... تراجيديا الفارك وكوميديا سكوبار

13:19

2017-10-15

عبد الرحمن شلقم

جمهورية كولومبيا، الشراع الأخير من سفن كريستوفر كولمبس مكتشف أميركا. الدولة التي تحمل اسمه إلى اليوم، وتحمل فوق ترابها أثقال ما أخذ وما أعطى. بلاد الدم والعبودية والثورة والأفيون. (الفقراء)، الذخيرة التي تملأ بيت النار والأصابع التي تحرك الزناد نحو الجميع. آلاف الأرواح أزهقت بهم وباسمهم.
الفارك حركة القوات المسلحة الثورية الكولمبية، ثمالة كأس المد الشيوعي الشعبوي المسلح في القارة الأسطورة سياسيا واقتصاديا وعرقيا. انطلقت سنة 1964 تحت قيادة مانويل مارولاندا على رأس مجموعة من الفلاحين، شعاره محاربة الأقلية البرجوازية التي تتحكم في السلطة والثروة في البلاد وكانت الحركة الذراع المسلحة للحزب الشيوعي الكولومبي. قال مارولاندا في بيان له: «نحن شيوعيون، ماركسيون، لينينيون بوليفاريون، نحمل السلاح من أجل تحرير الفلاحين الفقراء الذين تستعبدهم السلطة البرجوازية الظالمة. بسط سلاحه وآيديولوجيته وسط الفلاحين الفقراء، نظم من شبابهم ميليشيات خاضت المعارك المتواصلة ضد الجيش الرسمي. في سنوات قليلة تحولت الحركة إلى دولة داخل الدولة. رافق حركته دعاية واسعة داخل وخارج أميركا اللاتينية والتحق بها شباب يساري متحمس ومتطرف من بلدان مختلفة».
(جمهوريات الموز)، العنوان الملغم، كان الكبسولة الناسفة التي اختزلت سياسة التبعية اللاتينية للولايات المتحدة. المواجهة بين كوبا وأميركا عصرت الوقود فوق حطب الحرب اليسارية ضد الأنظمة الموازية، ومع اتساع الحرب في فيتنام ارتفع لهيب الثورة في أميركا اللاتينية.
الحروب الأهلية، وقودها البشر والمال والعقول المخصية. الفارك التي انطلقت باسم الدفاع عن المزارعين الفقراء ومن أجل استرداد حقوقهم، تحولت إلى عصابة مسلحة تستعمل المزارعين لإنتاج الكوكايين، وأسست شبكت واسعة عابرة للحدود لتسويقه. نشبت معارك داخل الحركة بين قيادات الثوار الذين تصارعوا في معركة الثروة، 
المخدرات... في سنوات الثمانيناث من القرن الماضي تحولت دولة الفارك إلى إمبراطورية الكوكايين التي تقاتل به وتقتل من أجله. لم يعد الحزب الشيوعي الكولومبي قادرا على تجاهل تلك الحقيقة الماثلة أمام الجميع وأعلن القطيعة بينه وبين الفارك. الكوكايين والدم والثورة خلقت مجتمعا آخر في البلاد. القتل والخطف والنزوح والجريمة لم تعد ممارسة بل تحولت إلى عقيدة تحكم سلوك الكثيرين في الحياة اليومية، 260 ألف قتيل و7 ملايين نازح وأعداد كبيرة من المخطوفين. رفعت الحكومة وتيرة المواجهة مع الفارك بدعم من الولايات المتحدة وعدد من دول أميركا اللاتينية. أصبحت الحرب مزدوجة ضد التمرد والكوكايين، لكن الحكومة الكولومبية انتهجت سياسة مزدوجة وتكثيف العمليات العسكرية ضد الحركة ومد يد السلام. قامت كوبا بدور الوسيط السري في المفاوضات بين الطرفين. فارس الحرب هو فارس السلام، خوان سانتوس وزير الدفاع الذي خطط لتوسيع العمليات العسكرية ضد الفارك، قاد عملية السلام بعد انتخابه رئيسا للجمهورية سنة 2014. وضع خطة شاملة لإنهاء الحرب وفتح صفحة للسلام. وافقت الميليشيا على إلقاء السلاح والتحول إلى حزب سياسي، «الجزرة»، أن تمنح لها 10 مقاعد في الكونغرس قبيل الانتخابات، ويحق لها الحصول على أي مقاعد أخرى عبر الصناديق، الحكومة قبلت دراسة المشروع المقدم من الفارك حول الإصلاح الاقتصادي الشامل.
حرب دموية شاملة، استمرت أكثر من نصف قرن سالت فيها الدماء، تشوهت فيها الأجسام والعقول، ازداد فيها الفقراء فقرا، رفعت حركة الفارك شعار تحريرهم وافتكاك حقوقهم، لكنهم كانوا الضحية التي ماتت أكثر من مرة بين حقول الألغام وحقول الكوكايين.
بركان الدماء في كولومبيا له فوهة واحدة، (الفقراء) لكن ماء النار لها أكثر من لون. بابلو سكوبار، إمبراطور الجريمة الأكبر في العالم بل وفي التاريخ. تفوق على كل مافيات الدنيا، جعل من الدم بحره الذي يسبح فيه نحو القوة والمال، بنى جبالا من الكوكايين، بجماجم الفقراء وأجسادهم أقام دولة فوق الدولة.
بابلو سكوبار هو توأم الفارك غير الشقيق، عاش بداياته حيث تجمعات الفقراء الذين تعج بهم أكواخ الصفيح، يتدثرون بأسمال مهترئة، ويقتاتون على ما يلتقطونه من بقايا القمامة. رأى سكوبار في ذلك منجما هائلا يستطيع أن يصنع منه جيشا للقوة والثروة عبر تنظيم العنف المطلق، عنوانه: «استرداد حقوق الفقراء»، جنّد آلاف الفقراء في زراعة وصناعة الكوكايين، ونظم منهم جيشا هائلا عابرا للحدود لتوزيع الأطنان من الكوكايين عبر منظومة مسلحة بالبنادق والقنابل وآيديولوجيا الجريمة الدموية. حقق سكوبار رقما قياسيا لكولومبيا، أول منتج للكوكايين في العالم. بلغت ثروته الشخصية أكثر من 30 مليار دولار، كان يزن الأموال لأنه لا يجد الوقت لعدها. يورد ثمانين في المائة من المخدرات في العالم. أعلنت الدولة حربا شاملة عليه، أما الولايات المتحدة التي كانت ضحيته الثانية فقد عبأت قوة سرية وعلنية لمحاربته، لقد شن عليها حربا حقيقية هي حرب الكوكايين فاقت حرب الأفيون على الصين. تحول سكوبار إلى بطل شعبي داخل كولومبيا، حيث بنى المدارس والمساكن والمصحات للفقراء، ذاك من أجل التحفيز الدائم للمنجم.
بالمال والقوة استطاع أن ينهك الدولة التي تخوض مواجهة عنيفة وطويلة مع ميليشيا الفارك. أسس دولة فوق الدولة، قتل 3 مرشحين للرئاسة ووزيرا للعدل وعددا من الصحافيين، وفي الوقت نفسه تمكن من أن يقضم شيئا من السلطة، وأصبح عضوا في مجلس النواب وخطط للترشح لرئاسة الدولة.
أخضع الحكومة في تسوية مساومة، قضت بوضعه في السجن لكنه سجن قطاع خاص. بناه بنفسه وبماله وتتولى حراسته كتيبة من رجاله.
كولومبيا بين الفارك وسكوبار كانت حلبة لمصارعة الثيران، حيث يقوم الفارك بدور الخيالة الذين يغرسون السهام في جسد الثور، وبعد أن يرهقه النزف يتقدم المصارع (سكوبار) ليغرس السيف في رقبة الثور.
كولومبيا، أرض التراجيديا والكوميديا. المشترك بين الغابتين هو شجر الدم. عبر تاريخها هامت بين موروث عرقي وثقافي واجتماعي مضطرب. الفقر أنتج شرائح اليأس والغضب، تغلغلت الآيديولوجيات اليسارية فكان الحقد الطبقي المسلح، لم تتوقف الحروب الأهلية تحت عناوين مختلفة.
الروائي الفيلسوف المتمرد غابرييل غارسيا ماركيز الكولومبي مولدا وتكوينا، كان هو الجيش الآخر الذي حارب بجيش الحروف المجنزرة. الكاتب الصعلوك المتشرد الذي طاف بلدان أميركا اللاتينية. أعجب بتشي جيفارا، ارتبط بصداقة مع كاسترو. منع من دخول أميركا، رفع عنه الحظر الرئيس بيل كلينتون الذي كان معجبا به. حاز جائزة نوبل للأدب. كانت كولومبيا تسرى في كل حروفه. استهل روايته «مائة عام من العزلة» بمطلع قال فيه: «كان على الكولونيل أورليانو أن يتذكر بعد طول السنين وهو يواجه فريق الرماة بالرصاص، عصر ذلك اليوم البعيد عندما صحبه أبوه لاكتشاف الثلج. في ذلك العهد كانت ماكاندو قرية مؤلفة من عشرين بيتا من الطوب النيئ، بنيت على ضفة نهر صاف. تبدو في قاعه أحجار مصقولة أشبه في بياضها وضخامتها ببيض حيوانات ما قبل التاريخ، وكانت الدنيا غضة إلى حد أن كثيرا من الأشياء كانت تنقصها المسميات فيستعان على وصفها بالإشارة، وفي كل عام كان تفد على القرية في شهر مارس (آذار) أسرة من الغجر المهلهلين تنصب خيامها خارج القرية، وبين لعلعة المزامير ودق الطبول المدوية تأخذ في عرض كثير من الاختراعات». ماكاندو هي أخدود كولومبيا.
الرواية تفيض بالدم والموت والحب والرصاص والكنوز السحرية.
لقد لعب جده دورا في حرب الألف يوم الأهلية وحدثه عنها طويلا. الحب في زمن الكوليرا، رواية الأمل والموعظة.
مات ماركيز قبل أن يرى حروف أعماله تتحول إلى مسيرة الأمل في السلام والحياة. قال ماركيز إن الإنسانية كالجيوش في المعركة، تقدمها مرتبط بسرعة أبطأ أفرادها.