حرب أكتوبر.. نهاية جيل من السياسيين

19:54

2017-10-10

د. عماد جاد

ما إن تم وقف إطلاق النار حتى بدأت المعارك السياسية تندلع فى إسرائيل، ولم تخلُ من أبعاد عرقية، فقد سعت النخبة السياسية من الأصول الغربية «الأشكنازية» إلى تحميل رئيس الأركان دافيد بن اليعازر ذى الأصل الشرقى «السفاردى» مسئولية الهزيمة، وهو ما تحقق من خلال لجنة التحقيق «لجنة أجرانات»، وكانت الحرب بمثابة نقطة التحول فى نهاية الحياة السياسية لجيل من السياسيين على رأسهم رئيسة الوزراء العمالية جولدا مائير التى سرعان ما خرجت من الحياة السياسية، وأدى نجاح السادات فى استثمار نتائج حرب أكتوبر فى نهاية الحياة السياسية للجيل المقابل من حزب تكتل الليكود، فإذا كانت الحرب نفسها وما أسفرت عنها من هزيمة عسكرية قد أنهت حياة جيل من السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، أمثال جولدا مائير وأبا إيبان، فإن نجاح السادات فى استثمار نتائج الحرب سياسياً وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل فى 26 مارس 1979، قد أنهى حياة بعض الآباء المؤسسين للدولة وعلى رأسهم من وقع معاهدة السلام مع السادات وهو مناحم بيجن. والحكاية ببساطة أن سيناء تحتل فى التاريخ اليهودى والعقيدة مكانة متقدمة للغاية مقارنة بأجزاء من أرض فلسطين، فليس كل أرض فلسطين مقدسة لدى اليهود، فهناك أجزاء مقدسة للغاية مثل القدس الشرقية، مدينة الخليل حيث قبر أبو الأنبياء إبراهيم، هذا بينما كل شبه جزيرة سيناء يحظى بقداسة لدى اليهود، ففى سيناء كان التيه أربعة عقود ومات كل من غادر مصر ومنهم موسى فى الطريق ما عدا شخص واحد فقط، وفى سيناء يوجد جبل التجلى الذى تجلى عليه الرب الإله لموسى وفيها شجرة العليقة التى أضرمت فيها نيران الروح المقدس. ومن الناحية الاقتصادية والاستراتيجية فإن مساحة شبه جزيرة سيناء تعادل مرتين ونصف مرة مساحة فلسطين التاريخية (63 ألف كيلومتر مربع مقابل نحو 25 ألف كيلومتر مربع)، إضافة إلى الموقع الاستراتيجى والثراء من حيث المعادن والسياحة ويكفى أن نتذكر مقولة وزير الدفاع الإسرائيلى موشيه دايان الذى كان يقول «شرم الشيخ بدون سلام مع مصر، أهم من سلام مع مصر بدون شرم الشيخ».

وقلنا إن الرئيس السادات طرق على الحديد وهو ساخن فاستغل حالة الترنح وفقدان اليقين وغياب الإحساس بالأمن فى المجتمع الإسرائيلى وطرح مبادرته التى تلقفها الزعيم الليكودى اليمينى المتطرف مناحم بيجن وتجاوب معها محاولاً سحب السادات ومصر خارج الصف العربى والوصول إلى حل وسط بشأن سيناء وهو ما فشل فيه فشلاً ذريعاً حيث تعامل السادات والفريق المفاوض بذكاء شديد الأمر الذى انتهى إلى اتفاق استعادت مصر بموجبه كافة أرض سيناء واستردت الكيلومتر مربع الأخير ممثلاً فى طابا بالتحكيم الدولى.

أتذكر أن الأجواء فى الكنيست الإسرائيلى إبان مناقشة معاهدة السلام لإقرارها كانت مشحونة بالتوتر والصراخ والعويل، بل إن زعيمة حزب «هتحيا» اليمينى المتطرف قامت بتمزيق المعاهدة قائلة إنها لا تساوى ثمن الحبر الذى كتبت به، وكيف نترك سيناء بالكامل مقابل حفنة من الأوراق، ونظراً للصدمة التى كانت تلف المجتمع الإسرائيلى لاسيما مع الإعلان عن خسائر الجيش الإسرائيلى البشرية ومن المعدات، فقد أقر الكنيست الاتفاقية ومن ثم جرى التصديق عليها ودخلت حيز التنفيذ. وعندما اختلى بيجن بنفسه أصيب باكتئاب شديد، فقد حصل من مصر على مجموعة أوراق تنص على علاقات دبلوماسية واعتراف قانونى، ولا شىء أكثر من ذلك بينما حصل السادات فى المقابل على سيناء كاملة، أصيب بيجن بالاكتئاب الشديد لاسيما بعد وفاة زوجته فقرر اعتزال الحياة السياسية وقرر الذهاب بعيداً عن الأضواء معلناً اعتزال الحياة السياسية ومات كمداً، وبذلك أنهت حرب أكتوبر حياة جيل من العسكريين وتكفلت نتائجها السياسية بإنهاء حياة جيل من السياسيين الذين شعروا بأن السادات خدعهم وضحك عليهم، منحهم أوراق معاهدة سلام وحصل منهم على شبه جزيرة سيناء كاملة فى تطبيق نموذجى لمقولة إن الحرب هى استمرار للسياسة بوسائل أخرى.