ولطالما اشتكى مسافرون بين سوريا ولبنان من سوء حالة الطرق. فقد وصف مصرفي إيرلندي، في منتصف القرن التاسع عشر، الطريق من بيروت إلى دمشق بأنه "طريق بائس خاص بالبغال".

رحلة خطرة
وكانت الرحلة الخطرة تمر عبر طرق جبلية وعرة، وتستغرق أربعة أيام، إلا في فصل الشتاء حيث تغطي الجبال ثلوج وأوحال. وكان ثمة خطر التعرض لهجمات قطاع الطرق. وتقول المجلة إن البغال لم تعد وسيلة نقل، لكن وضع الطرق لا يزال سيئاً. وأدت فوضى سياسية، وضعف الاستثمارات وتدفق قرابة 1,5 مليون لاجئ سوري، إلى استنفاذ موارد، ومفاقمة المشكلة. فهل في إحياء السكة الحديد حل لتلك المشكلة؟.

طول مترو لبنان
وتشير "إيكونوميست" إلى أن مصير سكة الحديد اللبنانية كان دوماً مرتبط بالأوضاع في البلاد. فالسكة بناها كونت فرنسي، عندما كانت بيروت تحكم من العثمانيين، وافتتح أول خط في عام 1895، قاطعاً الرحلة نحو دمشق في 9 ساعات. وعندها انتعشت السياحة والتجارة وصناعة النبيذ الوليدة التي أسسها مهندس طرق فرنسي. وعندما فجرت عصابة من المخربين أقساماً من سكة الحديد التركية، خلال الحرب العالمية الأولى، أنتج مصنع سكة الحديد اللبنانية قطع الغيار اللازمة لإصلاح السكة المخربة. وعشية الحرب العالمية الثانية، كان من الممكن السفر من بيروت إلى لندن. وفي عزها، كانت سكة الحديد اللبنانية تمتد لمسافة 408 كيلومترات، وهو ما يساوي طول مترو لندن حالياً. 

بقايا متناثرة
وتلفت المجلة لتناثر ما تبقى من السكة القديمة عبر الأراضي اللبنانية، إذ لا يُرى منها سوى عربات صدئة ومحطات قديمة، وخطوط حديدية تعلوها أزهار برية. وقد دمرت السكة تدريجياً خلال الحرب الأهلية التي اكتسحت البلاد في عام 1975، واستمرت لمدة 15 سنة. فقد فجرت ميليشيات السكك، وقصفها الجيش الإسرائيلي. واقتلعت قوات أمنية سورية أجزاءً من الخط لبيعها كخردة معدنية إلى باكستان.

حديث قديم

وتشير المجلة إلى أن الحديث عن استعادة الخطوط الحديدية مجدها السابق ليس جديداً في لبنان. فقد وضعت دراسات مولتها الحكومة منذ تسعينات القرن الماضي، وقيل إن ربط مدن الساحل اللبناني بسوريا يحقق مكاسب اقتصادية. 

وتشير أحدث دراسة، مولها بنك الاستثمار الأوروبي، إلى أن خطاً يصل بيروت بميناء طرابلس سيحقق عائدات تغطي نفقات التشغيل، ويعوض بعضاً من كلفة بنائه، وتقدر بـ 3 مليارات دولار.

ولا شك في أن قاطرة شحن تنتقل عبر السكة الحديدة من طرابلس نحو مدنية حمص، ومن ثم إذا أمكن عبر الشرق الأوسط، ستكون كلفتها أقل بكثير، وستنعش النشاط التجاري. كما تعمل مجموعة من الشركات الإيطالية على فتح نفق عبر الجبال لإعادة فتح طريق بيروت دمشق.

حماسة مؤجلة
ولكن على رغم الحماسة لإعادة تشغيل القطارات اللبنانية، لن يحصل شيء قبل أن تنتهي الحرب في سوريا المجاورة. وكما تقول ريا الحسن، وزيرة مال سابقة: "لا أحد يرغب بوضع أمواله ما لم يكن واثقاً مما سيجري في سوريا". وحالياً، تضع شركات خليجية وصينية أعينها على استثمارات تهدف لتأمين بعض من 200 مليار دولار لازمة لإعادة بناء سوريا. وقد يتشجع هؤلاء في حال تشغيل خط حديدي ينطلق من موانئ لبنانية نحو مدن سورية متعطشة للإسمنت. 

لكن حتى في حال انتهت الحرب السورية، فسوف يستغرق العمل لسنوات من أجل بناء خط حديد جديد في لبنان.