صناعة الفرحة وفتح طاقات الأمل

11:43

2017-10-10

عبد اللطيف المناوي

«حاجة تفرحنا»، «الناس محتاجة أمل ولحظة سعادة»، «هذه أول مرة يخرج فيها ملايين المصريين منذ سنوات ليحتفلوا لا ليتظاهروا»، هذه ‏التعبيرات وغيرها مما يشبهها سمعناها كثيرا الساعات الماضية، حالة الفرحة الحقيقية التى عاشها كل المصريين الساعات الأخيرة هى إعلان عن الرغبة فى الحياة والبحث عن أمل فى غد قادم أفضل.

لا ينبغى التعامل مع هذه اللحظة باعتبارها مسكناً للوضع الصعب الذى يواجه البلد ويعايشه الناس، ولكن ينبغى استخدامها للبناء ‏عليها من أجل المستقبل.

لحظات الفرح التى سكنت كل المصريين بعد التأهل لكأس العالم يمكن أن تكون منطلقاً لتغيير أو استعادة لحالة كنّا قد وصلنا لها كمصريين ولكن بدا وكأنها تآكلت مع ما مرت به البلد. لكن صورة الأمس أعطت أملاً فى إمكانية الاستعادة، بل الرغبة فيها. من بين أكثر الصور تعبيرا عن عن هذا الأمل فى استعادة الحالة الإيجابية للمصريين هى تلك الصورة التى حكتها لى عائلة صديقة خرجت لتشارك فى احتفالات الشارع وكيف أن أبناءهم شعروا لأول مرة بأنهم ينتمون لهذا البلد، شعروا أنهم مصريون وبفخر. عندما خرجوا ‏والتحموا بآلاف الناس فى الشارع يحملون أعلام بلادهم، ويهتفون جميعا لبلدهم. عندما اقتربت منهم الشرطة شعر الأطفال بخوف واحتموا بأمهم وأبيهم خوفا من أن يتعرضوا للاعتداء. ولكنهم ‏اكتشفوا أن رجال الشرطة أتوا ليحتفلوا معهم ويحملون الأعلام معهم، ولتنظيمهم وحمايتهم. قد تكون هذه صورة عادية ولا تستحق الذكر، ولكن إذا ما ذكرت أن عمر الأطفال يتراوح بين العاشرة والثانية عشرة، وأنهم أسرة مصرية مسيحية هنا يمكن أن نضع يدنا على مغزى القصة وأهمية دلالاتها.

الأم تقول لى إنها لحظات لم يشعر فيها الأطفال إلا بأنهم أهل هذا البلد لا فروق اجتماعية ولا دينية ولكنهم جميعا أبناء هذا البلد.

يجب أن نعترف بأن هناك تغييرات حقيقية حدثت فى هذا البلد منذ عام 2011، ليست فقط تغييرات سياسية أو اقتصادية ولكن هناك تغييرات فى التركيبة الاجتماعية والتركيبة النفسية لنا نحن المصريين. هذا الاعتراف هو الأساس لإيجاد مخرج وحل لما تعانى منه الدولة والمجتمع فى مصر. عانينا نحن المصريين فى الفترة الأخيرة، ومازلنا، من ظروف أدت إلى خلق حالة هى مزيج من الفوضى وانهيارات فى عديد من أجزاء البناء القيمى للمجتمع، وامتزج هذا بحالة من اتسام الوجوه بمزيج من الغضب والإحباط والحزن والإجهاد. ثبت أن الخروج من هذه الحالة لا يكون إلا فى صناعة الفرح، والاستمرار فيها. هذه الصناعة متعددة الاتجاهات، قد تكون كرة القدم هى أسرعها، وهو ما نجح فيه الفريق القومى المصرى لكرة القدم.. مرة أخرى اكتشف المصريون طعم الفرح، لكن هذا أمر ارتبط ويرتبط دائما بأقدام لاعبين وكرة مستديرة. لذلك فإن هذا وحده لا يكفى. المطلوب التخطيط نحو استمرار صناعة مساحات فرحة حقيقية للناس. هذه المساحات يمكن أن نجدها فى تطوير المستوى المعيشى وفى خلق أمل فى المستقبل. الأمل هو الدافع للإنسان ‏ليستمر فى العطاء وليتحمل الصعوبات التى يواجهها فى حياته. وصناعة الأمل هنا تعتمد بالأساس على قدرة الدولة ونظامها فى التواصل لإقناع الناس بأن غدا أفضل، وهذا الإقناع يجب أن يكون مبنيا على أسس علمية وحقائق‏ وإنجازات ملموسة على أرض الوطن. أعلم أن هناك توجهاً لدى الدولة فى ألا تفصح عن كل ما تفعل، وأنا هنا أختلف مع هذا التوجه لأن الناس فى حاجة لأن تعرف لكى تؤمن بأن غداً أفضل. الاقتناع والإيمان بالأمل يكون راسخاً وإيجابياً عندما يكون مبنياً على حقائق مرئية وملموسة، ‏ولا يمكن أن يعيش على غيبيات لا يراها.

المجهول بالنسبة لأى إنسان طبيعى ليس أملا حقيقيا يمكن البناء عليه بإيجابية.

مبروك لنا جميعا الصعود إلى النهائيات، والأمل يظل باقياً فى البناء على لحظات الفرح لصنع المزيد منها ولاستعادة بلدنا التى عرفناها.