ملاك أكتوبر....؟!

11:40

2017-10-10

عبدالمنعم سعيد

الذكرى الرابعة والأربعون لحرب أكتوبر هلت علينا كما هى العادة محملة دائما بالجديد، فكما هو الحال فى كل الوقائع التاريخية الكبرى، فإنها تظل مفتوحة على كشف أسرار وحجب، وطالما أن المعركة لا تزال مستمرة بشكل أو بآخر، فإن المعلومات تظل جزءا من القتال حتى ولو كانت كل المدافع صامتة. ودون الدخول فى كثير من التفاصيل فإن الحرب كانت جزءا مهما من ذاكرة جيل كامل من المصريين عاشوا محنة هزيمة ١٩٦٧ وعبروا معها من خلال حرب الاستنزاف إلى حرب أكتوبر، ولاتزال حاكمة لتجربتهم كجنود أو كدارسين وكتاب. كان شرفا كبيرا أن أكون جزءا من هذا الجيل كجندى (وصلت إلى رتبة رقيب)، وأيضا عندما اخترتها موضوعا للدكتوراة، ومن بعدها باتت جزءا مهما من موضوعاتى الأكاديمية كتبا ومحاضرات وتدريس. وهذا العام لمع فى سماء الحرب الطبعة الإنجليزية من كتاب «الملاك» الذى ألفه باللغة العبرية منذ سنوات الكاتب الإسرائيلى «يورى بارـ جوزيف»، وبات معروفا أنها سوف تتحول إلى فيلم سينمائى يحسم من وجهة النظر الإسرائيلية أن الدكتور أشرف مروان كان جاسوسا إسرائيليا فى قلب السلطة المصرية، وليس كما ادعى رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلى إيلى زاعيرا أنه كان عنصرا من المخابرات المصرية تم زرعه فى طريق إسرائيل، إلى كثير من الأحداث الملتبسة منذ صيف عام ١٩٧٠ وحتى عام ١٩٧٨. فى الصفحات الأخيرة من الكتاب، وفى فصل «الملاك الساقط»، ورد اسمى فى السياق التالى: إن منتجى برنامج ٦٠ دقيقة (برنامج أمريكى شهير تبثه شبكة CBS) والذين أعدوا فقرة عن مروان، حاولوا لأسابيع أن يجدوا إجابة على أسئلة تتعلق بعمله بالموساد دون جدوى. قبل ذلك، وفى تساؤلات مبكرة، فإن الرسميين المصريين قدموا إعادات لطبعات مختلفة من نظرية عنصر المخابرات الذى خدع الإسرائيليين، ولكنهم لم يكونوا على استعداد أن يقولوا شيئا أمام الكاميرا لأسباب السرية. فى النهاية، فإن الموقف المصرى قدمه أمام الكاميرا د. عبدالمنعم سعيد، مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، والذى ادعى أن مروان كان محورا مركزيا من الجهد المصرى لخداع الإسرائيليين، وبدونها لم يكن أمام الجيش المصرى فرصة لهزيمة جيش الدفاع الإسرائيلى. ولم يقدم، على أية حال، أدلة على هذا الادعاء. إن تعليقات سعيد التى أذيعت فى مايو ٢٠٠٩ كانت أقرب التعبيرات للخط الرسمى المصرى منذ أعلن (الرئيس) مبارك «أنه لم يكن جاسوسا لأى وكالة».

ما لم يذكره المؤلف، وربما ما لم يعرفه هو أن تسجيلى مع الشبكة الأمريكية جرى فى واحدة من قاعات مكتبة جامعة هارفارد الأمريكية فى سبتمبر ٢٠٠٨ ولمدة ٨٠ دقيقة عرضت فيها كل مبرراتى لوجهة النظر هذه، ولكن ما أذيع منها لم يزد على ٩٠ ثانية، وفقط لا غير، كانت وحدها فى مواجهة عدد غير قليل من المتبنين لوجهة النظر التى تجعله عميلا إسرائيليا والذى شغلت من الوقت أكثر من نصف ساعة. مدى أمانة الشبكة التليفزيونية الأمريكية ليس موضوعنا، وإنما النقاش الذى يجرى فى مصر حول الموضوع، وآخره ما تم بين زميلين عزيزين هما الأستاذ عبدالله السناوى والدكتور إبراهيم البحراوى. والحقيقة فإن قراءتى مرة أخرى للكتاب فى طبعته الجديدة كاملا جعلتنى أكثر اقتناعا بوجهة نظرى التى أبديتها منذ سنوات وهى أقرب لوجهة نظر الدكتور وأبعد من وجهة نظر الأستاذ، بل وأزيد عليها أن الكتاب ليس بالضرورة من وضع مؤلفه، بل إنه على الأرجح من وضع «الموساد» نفسه الذى يبدو فى الكتاب وكأنه يلعب وحده فى ميدان حرب خسرها، والذى لا يزال حائرا بعد أربعة وأربعين عاما من الحرب عما إذا كانت إسرائيل قد تعرضت لخداع قاتل أم لا. إن الدفع بأن السلطات المصرية، والمقصود بها المخابرات العامة، لم تقدم تفاصيل ودلائل كافية على وجهة نظرها، ليس حجة فى سياق أى عمل مخابراتى لأن النشر من عدمه هو جزء من العملية ذاتها، ومن الطبيعى إذا كان القلق قادما من الطرف الآخر فإنه لا توجد منفعة عملياتية فى إراحته من القلق. فالقول «دعهم يخمنون» جزء أساسى من عالم الخداع تكتيكيا كان أو استراتيجيا، ورسميا فإن الموقف المصرى أن أشرف مروان كان بطلا وطنيا مصريا كان له مبرراته التى يعرفها الإسرائيليون جيدا والمتعلقة بتزويد الجيش المصرى بأسلحة غربية ذات كفاءات عالية كان فى المقدمة منها صفقة «الميراج» والتى لم تكن كل الصفقات، ولعبت دورا مهما خلال حرب أكتوبر. هذا السجل المعروف عن مروان ذائع وشائع، ولكن إبرام الصفقات الجوهرية لحرب مقبلة كان يحتاج مهارات رجل كان موظفا فى مهام أكثر خطورة وتعقيدا.

المعضلة الإسرائيلية فيما يتعلق بموضوع أشرف مروان أن إسرائيل لا تريد الاعتراف بحقيقة أن العبقرية المصرية فى خطة الخداع الاستراتيجى فى الحرب قامت على أساس أخطاء هيكلية فى التفكير الاستراتيجى الإسرائيلى نفسه والتى تلاعبت بها الخطة المصرية بوسائل متعددة كان واحدا منها ليس فقط أشرف مروان، وإنما أيضا رفعت الجمال (المعروف برأفت الهجان) الذى عمل لصالح المخابرات المصرية خلال نفس الفترة. الخطأ الهيكلى فى التفكير الإسرائيلى جاء من حقيقة أن إسرائيل عرفت بالفعل بموعد الحرب من ملك عربى فى لقاء تم مع جولدا مائير قبل أيام من نشوب الحرب، وفى العاشرة من مساء الخامس من أكتوبر بتوقيت لندن ١٩٧٣ أخبرها مروان بموعد الحرب فى اليوم التالى مع تحديد ساعتها بالسادسة مساء وليس الثانية بعد الظهر كما حدث فعلا. ومع تلك المعرفة فإن إسرائيل لم تبدأ التعبئة العامة ولا استدعاء الاحتياطى إلا فى التاسعة من صباح ٦ أكتوبر رغم اعتراضات موشى ديان وزير الدفاع الذى كان لايزال غير مقتنع أن مصر سوف تخوض الحرب، وكانت وجهة نظره أن إعلان التعبئة ربما يثير شكوكا أن إسرائيل هى التى بدأت الحرب إذا حدثت، وأن الأفضل هو أن تدع إسرائيل مصر تفعلها ثم يجرى تدميرها بعد ذلك. وكانت الخطة المصرية مركبة من تفاصيل كثيرة باتت معروفة، ولكن فى قلبها كلها أن أفضل خطط الخداع تحدث عندما يظن الخصم أن ما يأتى إليه من معلومات هو من الجودة بحيث يصعب تصديقه أو كما يقال باللغة الإنجليزية So good to be true، فعندئذ فإن المرجح أن ما جاء لابد وأن يكون غير حقيقى!. فى الكتاب وفى السجل الإسرائيلى العام لم يكن هناك تقدير ملائم للحجم الكبير من التغيير الذى جرى على القوات المسلحة المصرية خلال السنوات التى تلت هزيمة يونيو، ولم يجر- ربما لحسن الحظ ـ تقييم جدى لمعركة رأس العش أو لغرق المدمرة إيلات بصاروخ بحرى مصرى، ولا حرب الاستنزاف كلها، ولا التغييرات التى جرت للبنية البشرية للقوات المسلحة ولا لطبيعة تسليحها لكى تلائم استراتيجية «الحرب المحدودة» وتأثيراتها الاستراتيجية غير المحدودة والتى تحرر الأرض كلها فى النهاية. وربما لا يقل عن ذلك أهمية أن إسرائيل، ربما نظرا لعقدة التفوق التى تضخمت لديها بعد حرب يونيو، ظلت تنظر نظرة دونية للجندى المصرى، ولا تتفهم طريقة عمل المجتمع المصرى، فلم يكن فى الواقع العملى لكل الحركة المستمرة والنشطة لأشرف مروان إلا أن تكون تحت الإشراف الكامل للمخابرات المصرية. الطريف أن إسرائيل فسرت قيادة سائق السفارة المصرية لعربة توصيل مروان إلى مكان الاجتماع كدليل على مهارته وليس لأن السائق جاء لتأمينه. وأنه فيما بات معروفا «بعملية روما»، لم يكن من الممكن أن يتم نقل صواريخ مضادة للطائرات فى حقيبة إلى روما على طائرات مصر للطيران، ومن خلال مطار القاهرة الدولى، كدليل على قدراته الفذة، وليس لأن ذلك تم بمعرفة المخابرات المصرية وتحت نظرها وإعطائه الفرصة للدخول والخروج من العاصمة الإيطالية، وإعطاء الأمان والثقة فى مروان لدى الموساد. لقد تصور الإسرائيليون أنهم وحدهم لديهم علاقات مع المخابرات الإيطالية، ورغم معرفتهم أن رجلنا كان أيضا على صلة بشبكات مخابراتية متعددة، فإنهم لم يقدروا أن كل ذلك كان جزءا من شبكة مصرية عميقة لتأمين العمليات المصرية المقبلة لم يكن بوسع مروان الوصول إليها دون تسهيلات السلطات المعنية.

إن حرب أكتوبر ١٩٧٣ سوف تظل دائما فخرا لجيل كامل، وسوف تتكشف فصول منها كل عام، وسوف يتحدث المصريون عن تفاصيلها عندما يجدون ضرورة لذلك، وليس تحت إلحاح الإسرائيليين. فلكل قول زمانه ومكانه، وتحية لكل أبطال الحرب، الشهداء منهم والأحياء.