أين ذهبت روح أكتوبر؟

11:56

2017-10-08

د.محمود خليل

ثمة لحظات تاريخية معينة يحب المصريون وصفها بعبارات «لحظات عودة الروح». هذه العبارة ظهرت فى القاموس المصرى على يد الكاتب الراحل توفيق الحكيم، عندما ألف مسرحية «عودة الروح»، ليصف بها الحالة التى سيطرت على المصريين خلال ثورة 1919. المرة الثانية التى استُخدمت فيها العبارة كانت عام 1973 بعد انتصار أكتوبر، فقد تمكن المصريون من تحقيق نصر فى ظروف محلية وإقليمية ودولية غير مواتية بالمرة، وسجل التاريخ لأبناء وشباب هذا الشعب بطولات تصل إلى حد الإعجاز، ولما لم يجد المحللون تفسيراً واقعياً لها قالوا إنها «الروح القتالية»، أو بالعبارة التى كان يستخدمها «السادات»، رحمه الله، «روح أكتوبر». مع كل احتفال لذكرى أكتوبر يسأل المصريون أنفسهم: أين ذهبت هذه الروح؟. هل ظهرت فى لحظة خاطفة ولامعة خلال الحدث العظيم ثم اختفت وتلاشت؟. على مدار 44 عاماً لم نزل نطرح هذا السؤال، كلما حار بنا العقل فى أوضاعنا وما آلت إليه.

بعد نصر أكتوبر بسنتين بادر الرئيس السادات إلى الحديث عن تمكين جيل أكتوبر، ومنحه الفرصة لقيادة السفينة، وجاءت الترجمة العملية لهذا التوجه فى القرار الذى اتخذه «السادات» بتعيين اللواء طيار محمد حسنى مبارك نائباً لرئيس الجمهورية، ليكون أول قيادة تشغل هذا الموقع بعيداً عن ضباط ثورة يوليو. يبدو أن الرئيس وقتها أراد أن يميز بين مرحلتين؛ مرحلة يوليو 1952، وأكتوبر 1973، وهى إرادة تعبر عن رغبة فى تغيير مصدر شرعية الحكم، ليصبح أساسه الانتماء إلى أكتوبر وليس إلى يوليو.

تمكين جيل أكتوبر تم على مستوى القيادة، لكن الأمر اختلف على مستوى الشعب. «السادات» كان صاحب قرار العبور، وهو واحد من ألمع وأشجع القرارات التى اتخذها الرجل، لكن الشعب كان صانع النصر. ولو كنا نتحدث عن «روح خاصة» انتابت الأمة فى لحظة معينة، فالمؤكد أن مادة وموضوع تلك الروح هو الشعب الذى تفوق على نفسه، وقفز على معاناته، ولم يأبه لضعف الإمكانيات التى فى يده، وفعل المستحيل، وأتى بنصر سجله التاريخ. هذا الشعب لم يُمنح الفرصة لكى يعبر عن نفسه، ويسهم فى تحقيق انتصارات فى مجالات أخرى، مستلهماً ومستمسكاً بروح أكتوبر. ولا أريد أن أبالغ فى هذا المقام وأقول إنه كان لدى الناس إحساس بعد 1973 بأنهم صنعوا النصر، لكن آخرين هم الذين استفادوا بنتائجه.

مكّن الرئيس السادات لأكتوبر باختيار حسنى مبارك، استثناءً من كل قادة الحرب الكبار، نائباً لرئيس الجمهورية، لكنه لم يوفر الفرصة للمواطن العادى لكى يكون له دور فى إدارة بلده، وصناعة القرار فيه، كانت الجماعات الإسلامية أكثر المستفيدين -على المستوى الشعبى- من فكرة إفساح المجال للقوى السياسية لكى تعبر عن نفسها بعد الحرب، وترك الرئيس بسطاء المصريين لقمة سائغة لهم، حتى يسحب البساط من تحت أقدام الناصريين واليساريين فى الشارع. وأغلب الإسلاميين يسفهون من نصر أكتوبر، ولا يجدون له قيمة طالما لم يتحقق تحت رايتهم، وبعد أن اغتالوا «السادات»، رحمه الله، تناغموا بدرجة أكبر مع حسنى مبارك، واتفق كلاهما على قتل الروح التى عادت إلى المصريين بعد نصر أكتوبر، وعلى ليلاه أخذ يغنى كل طرف منهما!.