الخروج من النفق

11:54

2017-10-08

د. عماد جاد

تتلاحق القرارات الملكية السعودية للخروج من نفق السلفية والانفتاح على العالم، ومن منطلق قوة وتمكن، مع غياب للمعارضة من جانب رجال الدين المتشددين، فالذين كانوا يدافعون بكل قوة عن جماعات الأمر بالمعروف، وكانوا يقمعون المرأة ويبحثون عن مبررات دينية لسلب المرأة حقوقها، وقفوا صامتين أمام القرارات الملكية الإصلاحية ومنهم من سار خطوات أكبر ليعلن أن قرارات ولى الأمر واجبة الطاعة. اتخذ الملك قراراً تاريخياً بمنح المرأة السعودية حق قيادة السيارة، وهو حق ناضلت المرأة السعودية طويلاً كى تناله، ودفعت ثمناً غالياً عندما حاولت ممارسته، وتصدى رجال الدين المتشددون بكل قوة لهذا المطلب وغيره من المطالب التحررية للمرأة، ومنهم من حاول البحث عن مبررات علمية لمنع المرأة من قيادة السيارة، منهم من تحدث عن تأثير القيادة على حوض المرأة ومن ثم التأثير على الخصوبة والإنجاب، ثم جاء قرار السماح للمرأة بدخول ملاعب كرة القدم والمشاركة فى الاحتفالات الوطنية، ثم قرار السماح للطالبات بدخول الجامعات بالهاتف المحمول، وجاء بعد ذلك قرار السماح ببث الأغانى العاطفية على الإذاعة والتليفزيون السعودى والبدء ببث أغانى السيدة أم كلثوم، وعندما زار العاهل السعودى الملك سلمان روسيا الاتحادية مطلع أكتوبر الحالى طلب من الجانب الروسى أن تقدم فرقة الباليه الشهيرة «البولوشوى» عروضها فى المملكة. تتلاحق القرارات الإصلاحية دون أن يصدر عن رجال الدين المتشددين ما يفيد رفض أو معارضة هذه الخطوات الإصلاحية الجريئة، غير المتوقعة وغير المتصورة فى فترة زمنية قصيرة للغاية، الأمر الذى يشير بوضوح إلى حالة من الانفتاح غير المسبوق من قبَل السلطات السعودية والتلهف من قبَل المجتمع السعودى لدخول مرحلة التحديث والعصرنة. يأتى ذلك فى وقت يحاول فيه التيار السلفى فى مصر والمدعوم من الوهابية السعودية، جر مصر إلى نفق السلفية والطائفية الذى تخرج منه السعودية نفسها، فمصدر السلفية الوهابية يتخلص تدريجياً من سطوتها وسيطرتها ويجتهد فى اللحاق بركب المدنية الحديثة وتعويض ما فاته، فإن الفرع المصرى للوهابية السعودية يحاول دفع مصر لدخول نفق السلفية الوهابية ويفرض زمامه على المجتمع المصرى الذى تضرب حضارته بجذورها فى أعماق التاريخ، ولا يزال مجتمعنا المصرى يدفع ثمناً باهظاً لسطوة الوهابية والخلط بين الدين والدولة، الدين والسياسة وتديين المجال العام فى البلاد على النحو الذى أوصلنا إلى 25 يناير وسيطرة جماعة الإخوان على السلطة ومحاولات تحويل مصر إلى دولة دينية تخضع لحكم المرشد على غرار حكم الإمام والملالى فى إيران.

فى تقديرى أن التجربة السعودية تقول بوضوح إن زمن قمع الشعوب وإجبارها على السير وفق أهواء رجال الدين انتهى، وإن التحالف غير المقدس بين رجال الدين ورجال السياسة أسفر عن الإضرار بالدين والسياسة معاً، وإن محاولات كبت الحريات فى زمن السماوات المفتوحة ومواقع التواصل الاجتماعى ترتب ردود فعل شديدة الوطأة، لا سيما من قبَل الأجيال الجديدة التى كادت أن تكفر بالقيم الدينية وتعلن قطاعات منها الإلحاد وأخرى تلتحق بحركات وظواهر دولية فى غاية الخطورة على أمن مجتمعاتنا واستقرارها.

خلاصة القول: لا مستقبل لحركات قمع الشعوب وكبتها، ولا تطور وتحضر فى ظل خلط الدين بالسياسة وسياسات تديين للمجال العام، لا بد من بناء دولة القانون، دولة كل مواطنيها.