في الثقافة الأميركية

11:19

2017-10-07

مصطفى زين

يُمثّل الرئيس دونالد ترامب الثقافة الأهلية الأميركية السائدة. ثقافة الكاوبوي التي ما زالت حية على المستوى الشعبي والرسمي. فيها من العنصرية ما يجعلها تبرر المجازر إذا كانت لمصلحة الزعيم وسيادته في محيطه. لذا يبدو مفكر مثل تشومسكي منبوذاً على المستوى الرسمي ومهمشاً في الإعلام (كانت الصحف الكبرى ترفض نشر ما يكتبه خلال الحرب على العراق)، فآراؤه لا تتوافق مع توجهات «الإستبليشمنت» ولا مع البروباغندا الهادفة إلى تكوين رأي عام يؤيد الغزو، فيما أصبح فيلسوف مثل ليو شتراوس ذا تأثير كبير في أصحاب القرار، وهو أستاذ المحافظين الجدد الذين تولوا مناصب رفيعة المستوى، ونظّروا للحروب التي خاضتها إدارتا رونالد ريغان وجورج بوش الأب والإبن، مبررين تدمير بلدان، مثل العراق، بالمحافظة على مصالح واشنطن، غير آبهين بالمآسي التي يسببونها للشعوب الأخرى. هي ثقافة إبادة الهنود الحمر التي ما زالت حية في الوجدان الجمعي، وعلى المستوى القانوني والرسمي، وثقافة العنصرية التي مثلها صاموئيل هانتنغتون.

آخر تجليات هذه الثقافة كان في المجزرة التي ارتكبها رجل أبيض عندما فتح النار على أميركيين، كل ذنبهم أنهم كانوا يحضرون احتفالاً موسيقياً، فقتل وجرح عشرات منهم. قد يكون الرجل معتوهاً أو مجنوناً أو مريضاً نفسياً، ولا يقتصر وجود أمثاله على المجتمع الأميركي وحده. لكن أن يدافع كثيرون عن فعلته ويمتنع المسؤولون عن اتهامه بالإرهاب، على رغم هول المجزرة، فهنا المسألة. والأخطر أن ينتقل النقاش حول منع بيع السلاح من دون رقابة إلى المؤسسات الرسمية، خصوصاً الكونغرس الذي تحول غالبيته دون اتخاذ قرار يحظره على المواطنين، أو يضع شروطاً صارمة لامتلاكه (55 مليون أميركي يقتنون بنادق ورشاشات للدفاع عن النفس)، ما يؤكد تجذر ثقافة الخوف من الغير، حتى لو كان جاراً، أو زميلاً في العمل أو خادماً في مطعم.

لأن ترامب يمثل هذه الثقافة خير تمثيل، ألغى الكثير من المراسيم الرئاسية التي اتخذها أوباما، منها التأمين الصحي، ووقف بيع الأسلحة إلى المشتبه في أنهم مرضى نفسيون أو يمكن أن يشكلوا خطراً على المجتمع. الرئيس شبه الأمي الناجح في تجارة العقارات، كان وفياً لأصحابه، فخلال حملته الانتخابية تعهد للوبي السلاح (NRA) إلغاء ما قررته الإدارة السابقة، مقابل «التبرع» لحملته تلك بـ30 مليون دولار، ونفذ وعده. ولم يكن ذلك غريباً، فالرجل وقف خلال تلك الحملة دفاعاً عن تجار السلاح وصرخ بأعلى صوته أنه مستعد لإطلاق النار في أكثر شوارع نيويورك اكتظاظاً وقتل أي شخص من دون أن يخسر صوتاً واحداً في الانتخابات.

لا تقتصر ثقافة السلاح وتجارته في أميركا على الداخل، بل تنعكس على العلاقات الخارجية مع الدول والجماعات المتمردة أو «الثائرة». وليست حكراً على توجهات ترامب. فليس من حرب أهلية إلا ويعتمد أحد الأفرقاء المتحاربين على دعم واشنطن لهدم ما أمكن وإعادة إعماره. والعراق خير شاهد.