الثعلب..!

13:38

2017-10-06

عباس الطرابيلي

رغم مرور 47 عاماً بالتمام والكمال منذ اختار جمال عبدالناصر رفيقه فى رحلة الضباط الأحرار، أنور السادات، ليكون نائباً له.. ويصبح بالتالى المرشح الأول للجلوس على كرسى رئيس الجمهورية.. رغم كل هذه السنوات مازال أغلب المصريين يختلفون حول أسباب ترجيح عبدالناصر لأنور السادات، رغم وجود رفاق آخرين له، سواء من كانوا فى السلطة مثل حسين الشافعى، أو من ترك موقعه.. ولكن ظل فى دائرة المستشارين الأقرب للرئيس وأبرزهم عبداللطيف بغدادى وزكريا محيى الدين.

وبعيداً عن أسباب كانت تدعو للسخرية أحياناً، فإن عبدالناصر حسم بنفسه قضية الخلافة عندما رد على المتسائلين قائلاً: لأنه الثعلب.. وهذا ما قالته لى - خلال حفل العيد الوطنى السعودى - السيدة منى عبدالناصر، ولما قلت لها، فى حضور العزيز والكاتب اللامع محمد أمين، رئيس مجلس الأمناء لـ«المصرى اليوم»: «لأنه ثعلب فى السياسة»؟ ردت بحزم: بل ثعلب فى كل شىء.. وقد كان السادات كذلك، ليس فقط لأنه الوحيد الذى صمد بجانب عبدالناصر.. ولكن لأن الأيام والأحداث التى مرت بالرئيس السادات - فى كل المجالات - تؤكد ذلك.. لأنه بالفعل ابن بلد حقيقى.. وفلاح قرارى، عاش واختلط بكل الفئات، ولم يعش فى برج معزول أو عاجى مثل بعض قادة 23 يوليو من كبار العائلات وملاك الأراضى، إذ عاش واختلط مع المثقفين وعرف أسرارهم ومفاتيحهم.. وهم بالطبع غير فئة الأفندية الذين اشتكى منهم السادات.. وخالط الثوار كما خالط المتآمرين - وربما كانت قضية اغتيال أمين عثمان نموذجاً - وعمل عتالاً وعامل بناء ومد مواسير الصرف.. وأيضاً كاتباً صحفياً.

وهذا المخزون الحياتى شديد الثراء هو الذى جعله - فى رأيى- يتحمل كل السخرية التى قوبلت بها تصريحاته، وبالذات عن الحرب وقرب الحرب وتأجيل الحرب.. بل ويضحك معنا على النكات التى كانت تطوله.. ولكنها أبداً لم تنل منه، أبرزها نكتة أو مقولة: رئيس أكلنا المش «عبدالناصر» ورئيس لا بيهش ولا بينش «السادات».. واستطاع بسبب قدراته هذه أن يعبر «فترة» أن يحكم بعد رئيس كان يملأ الدنيا صخباً.. وكان الكل يتساءل عما يفعل حاكم كان فى الظل ثم يأتى بعد حاكم جبار سيطر على الناس.

ولكنه الثعلب.. وتأكدت صفته هذه التى أطلقها عليه عبدالناصر بعد أن أصبح رئيساً.. ويكفى أن «تغدى» بمجموعة المؤامرة عليه «مراكز القوى» قبل أن يتعشوا به، وكانت هى البداية لبروز زعيم حقيقى أراه أفضل حكام مصر منذ عصر محمد على باشا.. ذلكم هو محمد أنور السادات.

وأرى أيضاً أن أبرز ما يؤكد لنا أن السادات كان الحاكم الذى تنتظره البلاد.. قيادته لمعركة تحرير سيناء.. وكنت أرى أن عبدالناصر نفسه سوف يفكر تريليون مرة قبل أن يقرر محاربة إسرائيل لتحرير سيناء، ولكن السادات فعلها. وبحنكة عظيمة.

** ومعركة خداع إسرائيل وتعامله مع الأشقاء العرب يؤكدان أنه كان يمتلك عقل وتجارب «المصرى» منذ عصور الفراعنة الأول.. ربما يكون مثل المصرى الذى قاد معركة تحرير مصر من الهكسوس.. أو الذى وصل بحدود مصر إلى بلاد كردستان الحالية.. أو الذى أنشأ دولة عظمى أجبرت العالم كله على احترامها.

** وليست فقط تحريكه لعملية السلام بعد أن كاد اليهود يجمدون نتائج حرب التحرير ومبادرته غير التقليدية لزيارة القدس.. والحديث داخل الكنيست.. وهى عملية أو حركة لا يملكها إلا ثعلب حقيقى.. أو حظيرة ثعالب وسط فكر متعفن.

** تجىء كل هذه الأفكار بمناسبة قراره.. وعبور قوات مصر خط بارليف وتحقيق النصر خلال ست ساعات.. ومادمنا نحاول نوعاً من الإصلاح الاقتصادى الآن فإن من ذكاء ودهاء الثعلب «أنور السادات» قراره احتواء آثار قرارات القيسونى بزيادة بعض الأسعار.. فالعقل يقول بالتراجع إلى أن تمر العاصفة.. رحمك الله يا ثعلب مصر العظيم فى ذكرى معركة التحرير وأيضاً ذكرى رحيلك.. فقد خسرتك مصر بالفعل.