مشكلة مبادئ أم حدود؟

11:50

2017-10-05

وحيد عبد المجيد

تتكرر كلمة الحدود كثيراً في خطاب أقطاب الحكومة العراقية وقادة إقليم كردستان على حد سواء. وربما نجدها الكلمة الأكثر تكراراً في حالة إجراء تحليل مضمون كمي منهجي لخطاب كل من الطرفين في الأسابيع السابقة على استفتاء إقليم كردستان في 25 سبتمبر الماضي، وفي الأيام التالية له.

ويعني هذا أن لمسألة الحدود أهمية مركزية في الصراع الذي تصاعد حول مستقبل إقليم كردستان، رغم أن الحكومة العراقية تبني موقفها ضد الاستفتاء على مبدأ وحدة العراق، بينما تستند قيادة إقليم كردستان على مبدأ حق تقرير المصير بعد أن فشلت، من وجهة نظرها، تجربة التعايش في إطار اتحاد فيدرالي.

وتثير أهمية مسألة الحدود على هذا النحو سؤالاً محورياً عن طبيعة أزمة إقليم كردستان، وهل هي أزمة مبادئ أم حدود (أيْ مصالح)؟ جوهر السؤال ليس جديداً في العلاقات الدولية والإقليمية التي يعرف دارسوها أن فيها مزيجاً من المبادئ والمصالح، لكنهم يعلمون أيضاً أن المصالح هي المُحدِّد الرئيس للسياسات والاتجاهات، وأن المبادئ قد تكون مُحدّداً أساسياً في بعض الحالات، لكنها تكون في الأغلب مؤثراً ثانوياً أو شكلاً يُستخدم لتجميل مواقف تمليها مصالح معينة.

ويتركز الخلاف على الحدود في عدة مناطق تقع خارج حدود إقليم كردستان سواء المحددة في اتفاق الحكم الذاتي في عهد صدام حسين، أو المتعارف عليها في إطار النظام السياسي العراقي الحالي، أو ما يُعرف بحدود 2003. وهي تشمل محافظة كركوك التي توجد فيها موارد نفطية كبيرة، وأجزاء من ثلاث محافظات أخرى هي نينوى وديالي وصلاح الدين.

ولم تنجح المفاوضات العسيرة التي أُجريت حول الدستور الحالي في حسم الخلاف على هذه المناطق. لذلك نصت المادة 140 على إجراء استفتاء فيها بحلول عام 2007. لكن أوضاع العراق لم تسمح بإجراء هذا الاستفتاء الهادف لتحديد هل تدخل المناطق المتنازع عليها ضمن إقليم كردستان، أم تتبع الحكومة المركزية، أم يُفضِّل سكانها تكوين إقليم فيدرالي آخر. ويختلف ذلك عن استفتاء 25 سبتمبر، الذي كان الاقتراع فيه على الانفصال قبل كل شيء.

ورغم إجراء الاستفتاء في هذه المناطق، تظل إشكالية الحدود مدخلاً للسعي إلى حل من خلال مفاوضات حولها، وبشأن مستقبل إقليم كردستان عموماً، حين تهدأ النفوس، ويدرك الطرفان ضرورة التوصل إلى تسوية. والمتوقع في هذه الحالة، أن تتركز المفاوضات على وضع محافظة كركوك التي يزعم الأكراد أنها تعود لهم تاريخياً قبل أن يُجري نظام صدام حسين تغييراً ديموغرافياً فيها، بينما ترفض حكومة بغداد هذا الزعم مستندة إلى أنها مدينة متعددة الأعراق تضم بين سكانها عرباً وتركماناً وأشوريين، إلى جانب الأكراد.

ولا يخفى أن معضلة كركوك الأساسية هي وجود احتياطيات نفطية كبيرة فيها تتيح إنتاجاً مستقبلياً يتجاوز المعدلات الحالية التي تصل إلى نحو 150 ألف برميل يومياً.

وإذا أُجريت هذه المفاوضات فستؤدي إلى إحدى نتيجتين، الأولى تسوية الخلافات التي أدت إلى تفاقم الأزمة، والاتفاق على بقاء إقليم كردستان جزءاً من العراق، لكن على أساس شراكة حقيقية يشكو قادة هذا الإقليم من افتقادها. ويتطلب ذلك أن تراجع القوى النافذة في حكومة بغداد منهجها في إدارة الأزمة، وتتجه إلى تصحيح الاختلالات المؤدية للتباعد، وأن تعيد قيادة الإقليم النظر في توجهاتها النازعة نحو الانفصال، وتتبنى موقفاً أكثر مرونة في العلاقة مع المركز.

لكن على القوى النافذة في بغداد أن تتحرك أولاً لتؤكد شعورها بالمسؤولية عن العراق بمختلف مناطقه. وليبدأ هذا التحرك، مثلاً، بتفاهم بين الأحزاب والتيارات التي بدأت في إدراك مدى خطورة التطرف المذهبي، وشرعت في الانفتاح على الجوار العربي والابتعاد تدريجياً عن إيران، على خوض الانتخابات البرلمانية العراقية في أوائل العام المقبل على أساس برنامج لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة الكاملة فعلاً وليس قولاً.

أما النتيجة الثانية المحتملة للمفاوضات فهي الاتفاق بين الحكومة العراقية وقيادة إقليم كردستان على برنامج زمني لانفصال حضاري يقوم على أساس الربط بين حل مشكلة المناطق المتنازع عليها، والتفاهم على توزيع عادل لعائدات نفط كركوك. وفي هذه الحالة يمكن أن تبقى كركوك تحت سيادة العراق مع إعطاء الإقليم حصة مناسبة من عائدات النفط، في إطار اتفاق شامل لتنظيم التعاون الاقتصادي.

ولا يتيسر ذلك من دون طي صفحة الماضي، وفتح صفحة جديدة يتطلع فيها الجميع إلى المستقبل.