أكتوبر المجيد (3)

11:48

2017-10-05

د. محمود خليل

ثقافة الهزيمة التى وُلدت مع نكسة 1967 أفلحت فى كسر ثقافة النصر الذى بزغ نوره فى أكتوبر المجيد. تفسير هذه الحالة ليس بالأمر السهل ولا اليسير، فقد أسهمت فى تكريسها مجموعة من العوامل المتداخلة والمعقدة، ولعبت فيها القيادة دوراً لا يقل أهمية عن الدور الذى لعبه كل من النخبة والشعب. الرئيس السادات، كما حدثتك، كان يمتلك تصوراً محدداً لحل مشكلة الأرض المحتلة، تلخصها عبارة «الحرب التى تؤدى إلى السلام». وبهدف تهيئة المشهد لقبول الفكرة كان على الرئيس أن يخطو عدة خطوات تتصادم مع الميراث الناصرى، مثل التوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحرير الاقتصاد من الدعم، وحل الاتحاد الاشتراكى، وإعادة الأحزاب. كل ذلك كان تمهيداً للمفاجأة الكبرى التى طرحها السادات، عندما قرر الذهاب إلى إسرائيل ومد يد السلام إليها.

ظهر معارضون أشداء لخطوة السلام مع إسرائيل، ويصح القول بأن أغلبهم كان مدفوعاً فى معارضته بحسابات سياسية معينة تستهدف مناكفة القيادة، لكن كثيراً من البسطاء تقبلوا الأمر وشجعوا السادات عليه، بدا الأمر طبيعياً، فهؤلاء هم أول من يدفع ثمن الهزائم وأول من يتصدر مشاهد التضحية بالدماء ساعة النصر. المصريون خرجوا من سنوات الحرب (1948- 1973) بأوجاع عديدة وجراحات عميقة، وليس من الحكمة أن تلوم المجهد حين يطلب الراحة، لم تكن خطوة السلام تشكل مشكلة بالنسبة لأغلبية المصريين، المشكلة الحقيقية ارتبطت بالأوجاع المعيشية التى عاشها الشعب، وولّدت لديه إحساساً عميقاً بالغضب من «السادات»، ذلك الغضب الذى عبر الناس عنه فى مظاهرات 18 و19 يناير 1977. الرسالة التى حملها المصريون حينئذ أنهم يرفضون أن يدفع الفقراء من دمائهم ثمن النصر، ليفوز الأغنياء بحصاده، وكان رد «السادات» على الرسالة هو الحديث عن «تركة الحقد» التى تركها له جمال عبدالناصر، يقصد حقد الفقراء على الأغنياء، ونقمة الأغنياء على الفقراء بسبب قيام عبدالناصر بتأميم أموالهم لصالح من يحتاج.

لم يكن الفقراء يحقدون، كما ظن السادات، لكنهم كانوا يبحثون عن حقوق، حقوق دفعوا ثمنها من أبنائهم الذين حصدت الحرب أرواحهم، مشكلتهم تحددت فقط فى ذلك الخطاب الذى يجد جذوره فى عصر عبدالناصر، والذى يذهب إلى أن «كل غنى لا بد أن يكون لصاً وسارقاً لفقير»، وقد أوجد عصر السادات المعادلة المقابلة التى ذهب فيها الأغنياء إلى أن «الفقراء عالة» تستوجب التخلص من أعبائها. معادلتان خلقتا مناخاً غير صحى بالمرة، كان من الطبيعى أن تتراجع فيه قيمة النصر الكبير والأيام المجيدة أمام ثقافة الهزيمة التى كانت الظروف تمكن لها.

كانت أحداث يناير 1977 -بعد النصر بأربع سنوات فقط- بياناً عملياً على الحالة السائدة فى الشارع المصرى، وفى العام نفسه طرح «السادات» مبادرته للسلام، وزار إسرائيل، وبدأ رحلة استكمال تصوره لحل مشكلة استرداد الأرض، ونجح فى ذلك، وشرع يقدم للناس رسالة جديدة يقرن فيها بين «السلام والرخاء». كان المصريون فى شوق للخروج من المعادلة المعيشية التى تمسك بخناقهم، وتقديرى أن «السادات» -رحمه الله- كان لديه تصور معين لبناء الدولة عقب الانتهاء من معركة استرداد الأرض، لكن مياهاً كثيرة جرت فى النهر، أدت إلى تحولات جسيمة فى الأحداث، كان على رأسها حادث المنصة الشهير.