حمى الانفصال

09:35

2017-10-04

د. عماد جاد

فجأة انتشرت ظاهرة إجراء استفتاءات داخل أقاليم فى أنحاء العالم المختلفة لإعلان الانفصال عن الدولة الأم وتأسيس دولة مستقلة، هذه الظاهرة ضربت العالم من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، والأسباب مختلفة ومتنوعة، فهناك من أراد الانفصال لمجرد اعتراضه على نتائج انتخابات جرت على المستوى القومى، مثل حال ولاية كاليفورنيا، تلك الولاية الديمقراطية التى غضبت من هزيمة المرشحة الديمقراطية هيلارى كلينتون وفوز المرشح الجمهورى دونالد ترامب، صحيح أن هذه الولاية الغنية تطرح الفكرة من حين إلى آخر، ولكن لا يوجد سبب حقيقى لطلب الانفصال، فلا توجد أسباب من عوامل الانقسام الأولى من لغة وعرق ودين وطائفة تميز سكان كاليفورنيا وتدعوهم إلى طلب الانفصال، كما لا يوجد تمييز بصفة عامة ضد الولاية من جانب الحكومة المركزية، فالنظام الأمريكى فى الحكم قائم على أسس ديمقراطية حقيقية.

تصاعدت الأحداث مؤخراً، حيث أجرى أكراد العراق استفتاء للانفصال عن العراق وتأسيس دولة مستقلة، مستغلين التمييز العرقى والمعاناة التاريخية فى المناطق الأربع التى اقتسمت إقليم كردستان، وهى العراق وسوريا وإيران وتركيا، ولأن حكومة العراق فقدت السيطرة على الإقليم منذ نهاية حرب الخليج الثانية فقد بنى الأكراد لبنات الاستقلال تدريجياً وأصبح الإقليم مستقلاً فعلياً له دستور وحكومة وبرلمان وقوات مسلحة ونشيد وعلم. وإذا كان القانون الدولى يعرّف الدولة بأنها أرض وشعب وحكومة ذات سيادة معترف بها دولياً، فإن الإقليم يمتلك كل ذلك عدا الاعتراف الدولى بالحكومة، وتصورى أنها مسألة وقت.

من العراق إلى أقصى الغرب الأوروبى إلى مملكة إسبانيا، حيث أقدمت سلطات إقليم كتالونيا على إجراء استفتاء فى الأول من أكتوبر الحالى للانفصال عن إسبانيا دون مرتكزات موضوعية سوى العامل الجغرافى، فلا توجد اختلافات عرقية أو لغوية أو دينية تقف وراء مطلب الانفصال، لذلك اعتُبر شأناً إسبانياً داخلياً وقمعت السلطات الإسبانية هذا التوجه، وأتصور أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد فكرة تلح على أشخاص وحركة محدودة لا عمق شعبى لها. وفى نفس اليوم طالبت حركة نيجيرية بانفصال إقليم «بيافرا» الواقع جنوب غرب البلاد، وهو إقليم تقطنه غالبية متميزة عرقياً ودينياً، وسبق أن حاولت الانفصال إبان حصول نيجيريا على استقلالها، وقد عاد مطلب الانفصال ليطرح نفسه بشدة بعد ظهور الجماعات الإرهابية المسلحة التى تقاتل لتطبيق الشريعة ومنها جماعة «بوكو حرام» التى تستهدف السكان المسيحيين. ومن هنا نجد أسساً موضوعية لحالة إقليم بيافرا فى نيجيريا، وما لم تتدخل الحكومة بقوة وتزيل السياسات التمييزية وتواجه بحسم الجماعات الإرهابية وتحترم الدستور الاتحادى فإن الإقليم سوف يتحين اللحظة المناسبة للانفصال. وفى نفس اليوم أيضاً، الأول من أكتوبر، خرجت تظاهرات فى المنطقة الناطقة بالإنجليزية فى جمهورية الكاميرون تطالب بانفصال الإقليم، وكان اختيار الأول من أكتوبر لأنه تاريخ إعادة توحيد شطرَى الكاميرون الناطقين بالفرنسية والإنجليزية، وقد جرى استخدام القوة فى الحالتين النيجيرية والكاميرونية من أجل وأد الاتجاهات الانفصالية فى البلدين. ويبدو واضحاً أن هناك حمى تجتاح العالم تحقيقاً لأحلام الانفصال والاستقلال، بعضها يرتكز إلى أسس موضوعية من عوامل الانقسام الأولى مصحوبة بسياسات تمييزية مثل حالة الأكراد، وبعضها لأفكار شيفونية، وهناك الطموحات السياسية الشخصية، ولا حل لهذه الظاهرة الخطيرة إلا بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التى تتعامل مع مواطنيها وفق الدستور والقانون ولا تميز بينهم من الناحية المبدئية لأسباب من لغة وعرق ودين أو طبقة اجتماعية أو اعتبارات جغرافية، فالحل هو دولة لكل مواطنيها.