كاتالونيا والعجز الديمقراطى الأوروبى

09:32

2017-10-04

د. حسن أبوطالب

لم تخرج تصريحات أوروبية قوية ضد ما قام به البوليس الإسبانى لوقف «مهزلة» الاستفتاء على الاستقلال الذى دعت إليه ونظمته سلطات إقليم كاتالونيا المتطلع إلى الانفصال. ورغم أن الصور ولقطات الفيديو أثبتت عنف عناصر الشرطة ضد الكاتالونيين فى العديد من مراكز التصويت التى أُغلقت قسراً وطُرد منها المصوتون، وبعضهم كانت الدماء تسيل على وجوههم وصدورهم، فلم تخرج بيانات إدانة أو لوم أو حتى عتاب، بل على العكس من ذلك، كانت الإشارات والتلميحات تصب فى جانب أن الاتحاد الأوروبى لن يعترف باستقلال كاتالونيا لأنه غير دستورى ولم يُنظم بالتوافق مع السلطة المركزية فى مدريد.

الرؤية الأوروبية الداعمة للسلطات المركزية الإسبانية أساسها احترام الدستور الصادر سنة 1978، وفى سبيل ذلك فمن المقبول والمسموح أن يكون هناك «عنف رسمى» ما دام مرتبطاً بتنفيذ الدستور وتطبيق قرارات المحاكم الدستورية العليا فى بلد أوروبى. وكانت المحكمة الدستورية الإسبانية قد أصدرت حكماً بعدم شرعية الاستفتاء دستورياً وطالبت سلطات مدريد المركزية باتخاذ الأساليب القانونية لوقفه. ومثل هذا التفسير الشكلى/القانونى لا يخفى الأسباب الأخرى الجيوسياسية التى تدفع غالبية الأوروبيين إلى رفض انفصال إقليم ما فى دولة أوروبية، ذلك أن تأثير العدوى هنا وارد بقوة، وكثير من البلدان الأوروبية لديها مثل ما لدى إسبانيا من هويات فرعية ترى أنها أحق بأن تكون دولة مستقلة عبر الأساليب الديمقراطية وتطبيق الحقوق والحريات الواردة فى معاهدات حقوق الإنسان.

هنا تبرز إشكالية فكرية وسياسية من طراز رفيع، فالديمقراطية كنظام حكم تقوم دعائمه أساساً على الحرية والمشاركة السياسية دون قيود بغرض الوصول إلى حالة تجانس مجتمعى يُقر بالتعدد بأشكاله المختلفة الدينى والقومى والعرقى، ولكنه تعدد يذوب فى إطار العملية الديمقراطية ويحتمى بها فى آن واحد. وفى حالة كاتالونيا الإسبانية يبدو الأمر مختلفاً، فالأساليب الديمقراطية، ومنها حق التصويت وحق الاستفتاء على أمر مصيرى، استُخدمت بطريقة منفردة وبدون اتفاق مع الحكومة المركزية ليس لتعميق التجانس الديمقراطى التعددى، بل من أجل تأكيد القيود والخصوصيات والهويات الفرعية، ومن ثم ضرب التماسك المجتمعى والنظام العام فى إسبانيا ككل.

مؤيدو الاستقلال يرون أن إقليمهم ناجح اقتصادياً، وأنه يسهم بنحو 25 من جملة إنتاج إسبانيا، ولكنه لا يحصل على مزايا وعوائد تناسب هذا القدر من الإنتاج، وأن لديه خصوصية تاريخية حيث ضُم قسراً إلى المملكة الإسبانية قبل عشرة قرون، ولديه إمكانات سياحية هائلة وعناصر جذب للاستثمارات الخارجية، ولديه لغة وثقافة خاصة، وكلها تصب فى الاستقلال وقيام دولة ناجحة. غير أن ما يغيب عن هذا المنطق الشكلى هو أن قيام دولة وحصولها على الاعتراف الخارجى لا يتعلق بما لديها من مزايا وهويات مميزة، أو رغبة فى إعادة التاريخ إلى الوراء عشرة قرون مرة واحدة، وإنما بحسابات جيواستراتيجية معقدة ومصالح دول كبرى وتيارات سياسية تتحكم فى أداء المؤسسات الدولية ذات الصلة بنشوء دولة ما. وربما تخرج دولة فى أوروبا أو غيرها وتنتصر لاستقلال كاتالونيا، لكنه انتصار زائف ولن يقدم أو يؤخر، لا سيما أن الخوف من تشظى الدول أصبح قضية ذات طابع عالمى وليس إقليمياً فقط.

النزوع إلى الاستقلال استناداً إلى سمات فرعية خاصة، حتى ولو لم تتوافر كافة عناصر الدولة القابلة للحياة، هو امتداد لنزعة الشعوبية السياسية الآخذة فى الازدهار فى العديد من البلدان الغربية، والتى جسدت نفسها فى انتخاب الرئيس ترامب فى الولايات المتحدة نهاية العام الماضى، والذى استندت مقولاته الانتخابية على استعادة التفوق الأمريكى المطلق، والنزوع إلى القوة المادية والمعنوية لفرض المصالح الأمريكية على حساب حقوق الآخرين وعدم احترام الالتزامات القانونية تجاه العالم. أما آخرها فهى نتائج الانتخابات الألمانية التى تضمنت فوز حزب البديل اليمينى ودخوله البرلمان لأول مرة، وفى هذا الصدد أشارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الفائزة فى الانتخابات بنسبة أقل من فوزها السابق إلى أن تمدد الحزب اليمينى يعود إلى حالة اللايقين التى تسود المجتمع بسبب الهجرة الخارجية. والمفارقة هنا أن الاقتصاد الألمانى القوى، وهو عنصر حاسم فى اختيارات الناخبين ونظرياً كان يعطى فوزاً أكبر لحزب ميركل، لم يساعد على احتواء حالة اللايقين والتى يمكن تفسيرها فى أسباب أخرى؛ جزء منها يتعلق بالخوف على الهوية الذاتية وفقدان منظومة القيم السائدة فى المجتمع، وجزء منها يتعلق بالتطرف السياسى المتصاعد فى العديد من المجتمعات الأوروبية.

تفشِّى حالة اللايقين والخوف من المستقبل لأسباب اجتماعية وسياسية مختلفة، وانتشار النزعات الشعوبية التى تركز على النزعات الفرعية والتطرف القومى لم يعودا حكراً على المجتمعات غير الديمقراطية، بل أصبحا من خصائص نظم ديمقراطية بعضها عريق وبعضها حديث العهد، وكأن الديمقراطية كأسلوب حكم لم يعد النموذج المرتجى، أو بالأحرى لم يصل إلى مرحلة أن يحل مشكلاته من خلال أساليبه الذاتية. وهو ما يدعم مقولات صينية ترفض أن يكون هناك نظام حكم واحد فى كل بلدان العالم، وترى أن تعدد نظم الحكم يسهم فى توفير الأمان للمجتمعات، ومن خلال المقارنة تستطيع الدول المختلفة أن تبدع نظامها الذاتى الذى يحقق لها التجانس والاستقرار والتطور الذاتى دون إكراه خارجى.

ومنذ فترة تزيد على العقدين ظهرت دعوات لمفكرين كبار تنادى بإصلاح الديمقراطية فى الغرب، والخروج من حالة العجز الديمقراطى، والذى تم تفسيره فى ثلاثة معان، أولها عجز مؤسسات الاتحاد الأوروبى عن أن تكون مؤسسات ديمقراطية تحقق تطلعات المواطنين الأوروبيين، وغلبة النزعة البيروقراطية على أداء تلك المؤسسات، مما يجعل الأوروبيين غير مطمئنين لمستقبل الاتحاد ومن ثم مستقبل أوطانهم، والثانى هو قصور الآليات الديمقراطية عن معالجة الظواهر المناهضة للتعددية وانتشار العنف فى مواجهة الآخر المختلف، والثالث توظيف الآليات الديمقراطية نفسها لنشر الأفكار والسلوكيات المتطرفة الدينية والسياسية والإباحية على نطاق واسع، وبما يُضر المجتمع ضرراً بالغاً.

فى حالة إقليم كاتالونيا الإسبانى تتجسد حالة العجز الديمقراطى الأوروبى بمعانيها الثلاثة، وسوف يترتب عليها الكثير من النتائج فى كافة المنظومة الأوروبية فى المدى المنظور. وبقدر ما أن المشكلة تُعد إسبانية، فإنها فى واقع الأمر مشكلة أوروبية بالدرجة الأولى، وعليه سنرى إما المزيد من دعوات الانفصال، أو إعلاء نموذج الدولة القوية التى تحمى نفسها وبقاءها حتى ولو ضحت قليلاً بالحريات التى يُساء استخدامها من قبَل البعض وتهدد الجميع.