«إحنا بتوع الأتوبيس»

20:14

2017-10-03

عبداللطيف المناوي

كنت حريصا دائما على ألا أشاهد نوعية من الأفلام، التى تدين فترة حكم جمال عبدالناصر، خاصة تلك الأفلام التى تدعى أنها تكشف ما كان يمارس فى المعتقلات والسجون المصرية مثل «الكرنك» و«إحنا بتوع الأتوبيس»، وغيرها من الأفلام، كان السبب فى تجنبى رؤية تلك الأفلام عائدا إلى رغبتى فى عدم مواجهة إدانة عصر بكامله، بسبب تجاوزات حدثت فيه، وأيضا كان اقتناعى بأن هذه الأفلام تضخم الأمور، وتصور الوقائع بأكبر من حجمها. لكن يبدو أن للعمر فعله مع الإنسان، فما كان يعتقده مبررا فى مرحلة عمرية معينة، يكتشف فيما بعد أن أى تبرير لا يمكن أن يقف متماسكا أمام تجاوزات فى حق الإنسان فى أن يعيش كريما، ولا يوجد هدف مهما سما يبرر امتهان إنسان، ودهس كرامته وإنسانيته.

منذ فترة قصيرة شاهدت برنامجا وثائقيا، كان عن أحد المعتقلات فى الصحراء الغربية. أكثر ما استوقفنى فى هذا العمل كان تلك اللحظات من الغضب والصمت التى انتابت أحد المعتقلين السابقين، عندما كان يروى العذابات التى عاناها فى المعتقل، عندما عاش عاما ونصف العام فى عزلة كاملة، لم يتكلم فيها مع بشر، ولم يكن يدخل عليه سوى السجان، يخرج فى اليوم لأقل من دقيقتين ليفرغ الدلو الذى يقضى فيه حاجته، ومرة كل شهر ليغسل ملابسه. أخذ يصف صنوف العذاب التى تعرض لها، وعندما وصل إلى النقطة التى يصف فيها كيف كانوا يعطونه نصف شفرة مرة كل شهر ليحلق بها رأسه بيده، فيجرح نفسه هنا ينفجر المعتقل السابق غاضبا: «لماذا لا يأتى واحد آخر ليحلق لى رأسى، بدلا من أن أجرح نفسى وأنا أحلق؟» ولا يتمالك نفسه، يستجمع لحظات القهر جميعها لتتلخص فى ذلك الموقف الصغير.

كما قلت. يبدو أنه العمر الذى يجعلنا نكتشف قدسية الحفاظ على إنسانية الإنسان، كلنا مررنا بمرحلة الحماس للفكرة أو العقيدةـ سياسية كانت أو دينيةـ وغرقنا فى تفاصيل ما اعتقدنا فيه، وآمنا به حتى الدرجة التى أعمتنا أحيانا، وفى مراحل سنية معينة عن أى سلبيات لما نؤمن به، ورأينا، أو رأيت وقتها، أن من اختار ممارسة لعبة السياسة، عليه أن يقبل بقوانينها حتى لو حملت فى طياتها فى كثير من الأحيان تجاوزا لأى قيم إنسانية، أو إهدارا لحقوق إنسان آخر، طالما أنه قبل أن يلعب اللعبة، وبالتالى إذا فاز له السيطرة، وإذا خسر له تبعات الخاسر والأضعف.

إنه منطق أن المنتصر، له حق فرض شروطه على الخاسر. هذا المنطق كان له حضور فى أذهاننا وقت الاندفاع والحماس غير المحسوب، ولكن النظرة المختلفة للأمور بعد تجارب الحياة المختلفة، وبعد نضج العقل والشعور نكتشف خطأ ما اندفعنا فيه من تبرير لمواقف نظم وحكام ضد معارضيهم، عندما انتهكوا حقوقهم وإنسانيتهم. ببساطة، لا يوجد سبب واحد على وجه الأرض يبرر انتهاك إنسانية إنسان، ولا يوجد مبدأ سياسى أو عقيدى جدير بالاستمرار والاعتقاد فيه إن سمح بمثل هذا الانتهاك، ولا يوجد نظام سياسى جدير بالاستمرار إن وجد فى انتهاك حقوق ناسه أسلوبا أو وسيلة للاستمرار.

أذكر ذلك المشهد من تلك الكوميديا السوداء التى شاهدتها أخيرا بعد ذلك العمر «إحنا بتوع الأتوبيس»، عندما يصرخ عادل إمام وعبدالمنعم إبراهيم، بأنه لا علاقة لهما بالسياسة، وأنهما بتوع الأتوبيس المعتقلين بالخطأ، وأذكر وجه المعتقل المغربى الغاضب، لأنهم لم يأتوا له بمن يحلق له رأسه، بعد كل هذا العذاب الذى عايشه.

أذكر تلك المشاهد وغيرها، ويزداد يقينى أنه لا حق لإنسان، أياً كان، أن ينتهك إنسانية إنسان آخر.