عاشوراء.. نفرح بـ«موسى» أم ننوح على «الحسين»

12:22

2017-10-03

د. ناجح إبراهيم

عاشوراء يوم عظيم أعزّ الله فيه «موسى» وأتباعه وأذل «فرعون» وجنوده، وجعلهم عبرة وعظة لكل من يحذو حذوهم «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً»، وقد سنّ الإسلام الصوم فيه فرحاً وشكراً بنصر الله لأمة مؤمنة من بنى إسرائيل، وفيه استُشهد الإمام الحسين، وبعض الشيعة يصرون على تحويل هذا العيد إلى مأتم ومناحة، فإذا بالدموع تسيل والملابس تُشق والخدود تُلطم والرؤوس تُضرب والأبدان تُجرح فى مظهر يمثل أبشع إساءة إلى الإسلام.

والغريب أن أئمة المذهب الشيعى وفقهاءه العظام القدوة للسنة والشيعة مثل جعفر الصادق أو على زين العابدين أو ابنه زيد لم يأمروا بمثل ذلك أو يفعلوه، بل إن زين العابدين بن الحسين لم يفعله ولم يأمر به، وهو أولى الناس بأبيه وأبرّهم وأوصلهم به.

إننى أناشد المراجع الشيعية الكبرى فى إيران والعراق والخليج ولبنان أن تقف موقفاً حازماً من هذه البدعة التى تشوه سمعة الإسلام عامة والشيعة خاصة، وتنسب إلى الإسلام ما ليس فيه، خصوصاً أن هذه الاحتفالات تبث على الشاشات وقنوات التواصل الاجتماعى وتقدم الإسلام كدين متخلف عن ركب الحضارة وعن العقل السديد.

فإذا كان الإسلام ينهى الأم التى مات ابنها منذ دقائق أن تلطم خدها أو تمزق ملابسها، فكيف يبيح للمسلم أن يجرح نفسه حزناً على صحابى مات منذ 15 قرناً؟

ولو كان «الحسين» يعيش بيننا اليوم، هل كان يرضيه ذلك أو يقبله ممن يزعمون محبته وهم يخالفون هديه وهدى جده الكريم، صلى الله عليه وسلم.

لقد جاء الإسلام ليُحيى فى الناس فقه الحياة، لا فقه الموت، وصُنع البسمة لا صُنع البكاء والعويل، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم، مربياً عظيماً وحكيماً، حينما رفض تحويل مأساة وهزيمة أحد إلى مناحة وأحزان دائمة أو تشاؤم من جبل أُحد، فذهب إليه وقال بقلب المحب لكل شىء «أحد جبل يحبنا ونحبه».

فهذا الرسول المحب لكل شىء يطلق صيحته الرائعة إننا نحب كل شىء فى الحياة حتى الجبل الذى شهد أكبر مآسينا، بل إنه أدخل جبل أحد فى كل شىء فيه أجر وثواب، فيقول فى بعض أحاديثه «مثل جبل أحد ذهباً»، أو «القيراط مثل جبل أحد» ليربط بين جبل أحد وكل الخيرات، فلم يذهب هناك لينوح ويبكى أو يلطم، وهذا درس لكل من يريد تعميم كل مأساة على الأمة.

لقد نشر الرسول صلى الله عليه وسلم، الحب فى الكون كله حتى لا نكره أحداً من البشر أو الحيوانات ولا الجمادات، لكن البعض يوظف ذكرى عاشوراء توظيفاً سياسياً يضر الذكرى ويضر «الحسين».

ولماذا الحزن على «الحسين»، وعدم الفرح بـ«موسى»، عليه السلام ونجاته؟!

ثم لماذا لا يحزن هؤلاء أيضاً على مثل «عمر بن الخطاب» الذى ملأ الدنيا عدلاً وزهداً وحكمة واغتاله أبولؤلؤة المجوسى؟، أو على «على بن أبى طالب»، الذى اغتاله الخوارج، أو على «حمزة» أسد الله ورسوله؟، أو على مئات الشهداء من الصحابة أو التابعين والصالحين؟!

بل لماذا لا يهتم هؤلاء بالحسن بن على، وهو الشقيق الأكبر للحسين، الذى بشّره الرسول صلى الله عليه وسلم، بالسيادة؟

إننى أخاطب عقول الذين يضربون أنفسهم فى عاشوراء: ما ذنبكم وما ذنب هذا الجيل حتى يضرب نفسه كل عام بهذه الطريقة الوحشية فأنتم لم تخذلوا «الحسين» ولم تشهدوه.. فلا تحمّلوا أنفسكم ذنباً لم تفعلوه «أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى».

يا قوم إن كان الله قد عصم سيوفنا من الانخراط فى الصراع بين الصحابة، فعلينا أن نُنزه ألسنتنا من طعنهم أو سبّهم أو تجريحهم.

الإسلام لا يريد من أتباعه أن يحولوا حياتهم إلى مناحات وبكاء، ولو أننا سنفعله مع كل مآسينا ما دخلت البسمة حياتنا ولا الفرحة بيوتنا، أما استلهام التاريخ فلا يكون بالعويل أو ضرب الرؤوس، لكن بالعبرة والدرس والذكرى، إلا لظل كل نبى ينوح على آلاف الأنبياء الذين قتلوا قبله.

إننى أناشد المراجع الشيعية أن تحذو حذو مهدى شمس الدين، المرجع الشيعى اللبنانى، الذى نهى عن هذه الأفعال فى عاشوراء ونهى عن سب الصحابة.

إن الفكر الشيعى يحتاج إلى أئمة مثله لا يخشون فى الله لومة لائم لكى يطوروه ويجددوه ويزيلوا ما لحق به من أخطاء.

إن «الحسين» لا يسره أن يرى محبيه يجرحون أنفسهم، لكن يسره أن يراهم يقتدون بخصاله النبيلة وكرمه وجوده وإحسانه للجميع.