"قطار الرصاصة" والتعاون الهندي- الياباني

19:12

2017-10-01

ذكر الرحمن

عززت الهند واليابان علاقاتهما بشكل كبير منذ تسلم رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" السلطة قبل ثلاث سنوات. ولا زالت هذه العلاقات تنمو بشكل أسرع على خلفية عدم ثقتهما المشتركة بالصين. وليس من المفاجئ بعد ذلك أن تعمل الدولتان على توسيع آفاق التعاون بينهما أثناء الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" إلى الهند الأسبوع الماضي. وتتضمن استراتيجية التعاون بين البلدين قطاعات متنوعة مثل الاتفاقية الدفاعية التي وقعها الطرفان والتي تشتمل على إجراء مناورات عسكرية جوية وبرية مشتركة في منطقة المحيط الهادي- الهندي، وبما يؤشر لزيادة قناعتهما بتقارب المصالح على خلفية السلوك الاستفزازي للصين.

وتركز الاهتمام الأساسي لـ"شينزو آبي" على الشأن الاقتصادي، وكان المحور الأهم بالنسبة لرئيسي الوزراء يتعلق بالرغبة المشتركة لدفع عجلة النمو الاقتصادي في بلديهما. وخلال الزيارة، أطلق "مودي" و"آبي" أول مشروع لإنشاء القطار السريع الهندي أو "قطار الرصاصة" في احتفال حاشد. ويبلغ طول خط القطارالجديد 508 كيلومترات، ويمتد من عاصمة ولاية جوجارات مسقط رأس "مودي "وحتى العاصمة المالية للهند بومباي. وتُقدر تكاليف المشروع الذي سيشهد مبادرة نقل اليابان تكنولوجيا "شينكانسن" اليابانية إلى الهند للمرة الأولى، بنحو 15 مليار دولار، وتأمل الحكومة الهندية أن ينتهي العمل فيه عام 2022.

وفي الوقت الذي سيخفض فيه القطار الجديد زمن قطع المسافة بين المدينتين من سبع إلى ثلاث ساعات، إلا أن الغالبية العظمى من الهنود لا يرون فيه مؤشراً للتطور لأن بلداً مثل الهند يشغّل أكثر من 10 آلاف قطار كل يوم لنقل ما يزيد عن 23 مليون مسافر، أو ما يعادل عدد سكان أستراليا، لا يبدو فيه أن قطاراً سريعاً واحداً ينقل بضعة آلاف من الركاب يومياً يمكن أن يغيّر واقع النقل بشكل كبير. وهم يرون أن"قطار الرصاصة"، وبعيداً عن أنه يعدّ مؤشراً على العلاقات الطيبة بين الهند واليابان، إلا أنه لا يمثل في الحقيقة أكثر من مشروع استعراضي يعبّر عن الغرور الاقتصادي، وبما أن تكاليفه الباهظة لا تتفق مع المسافة القصيرة التي يقطعها، فإن العديد من المحللين يعتقدون أنه لا يمثل استثماراً ذكياً للمصادر المالية المتواضعة للهند. وكان من الأفضل أن تركز الحكومة الهندية اهتمامها بشكل أكبر على تطوير البنى التحتية وعوامل الأمن والسلامة لشبكات القطارات التي يستخدمها العدد الأكبر من المسافرين الهنود كل يوم. وكل عام، وحيث تتسبب حوادث القطارات بموت عشرات السكان وجرح المئات.

واليابان هي التي أغرت الهند بشراء تكنولوجيا القطار السريع وحيث صرح خبراء يابانيون بأن"قطار الرصاصة" الياباني هو النظام الأسرع والأكثر أماناً في العالم. وظلّت تحاول إقناع الهند بشرائه منذ الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الياباني الأسبق "جونيشيرو كويزومي" إلى الهند عام 2005. وفي الوقت ذاته، لم تكن الحكومة الهندية مقتنعة باستثمار مثل هذا المبلغ الضخم في هذا المشروع، خاصة بعد تجربته في تايوان التي أنفقت عليه 18 مليار دولار، ولكنه منّي بخسائر فادحة. إلا أن حكومة "مودي" قررت تنفيذ المشروع بدعوى أنه سوف يؤمن فرص العمل لآلاف الهنود، كما أن اليابان قدمت تسهيلات كبيرة فيما يتعلق بزمن تسديد القرض الذي يغطي تكاليف تنفيذه. ويضاف إلى ذلك أن الهند ترى في المشروع مبادرة مهمة لزيادة التقارب مع اليابان في زمن التحديات الصينية في المنطقة. خاصة وأن لها حدوداً يسودها التوتر مع الصين فيما تتنازع اليابان والصين السيادة على بعض المواقع البحرية.

وتأتي زيارة"آبي" للهند على خلفية مواجهات وحالات توتر شهدتها "هضبة بوكلام" التي تقع على الحدود الهندية -الصينية. وأعلنت اليابان عن وقوفها إلى جانب الهند في مشكلة النزاع الحدودي.

ويمكن تلخيص الرسالة التي حملها "آبي" خلال زيارته للهند بأنه، مع تغير الحسابات في آسيا بعد بروز الصين، بدأ التحالف الثلاثي الذي يضم اليابان والولايات المتحدة والهند، يتخذ شكله الواضح. وهو يسعى إلى إقامة علاقات أمنية متينة مع الهند. وأشار إلى أن مناورات "مالبار" البحرية الثلاثية الأطراف، التي تشترك فيها الهند والولايات المتحدة واليابان ساهمت في تدعيم أواصر التعاون بين الدول الثلاث.

وليس هناك ثمة من شك في أن طوكيو هي الرابح الأكبر من مشروع "قطار الرصاصة"، الذي يكلف مليارات الدولارات. وبقيت الحكومة اليابانية لعدة سنوات، وهي تحاول إقناع الولايات المتحدة بشراء نسخة منه، ولكنها لم تحقق حتى الآن إلا القليل من النجاح في هذا المسعى. والآن، وبعد أن وافقت الهند على اعتماد المشروع، فسوف يساهم ذلك من دون شك في تعميق وتدعيم أواصر التعاون بين البلدين.