إرهاب إيران وأذرعها: معالم إستراتيجية المواجهة

حزب الله.. من المقاومة البراغماتية إلى التمكين لمشروع ولاية الفقيه15 - 15

18:25

2017-10-01

دبي-الشروق العربي-«مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع دولة إسلامية وحكم الإسلام وأن يكون لبنان، ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الوليُّ الفقيه الإمام الخميني».

إن دراسة وتحليل ظاهرة سياسية معينة، تفرض الرجوع إلى الجذور والأصول وأن نعود إلى التاريخ القديم والحديث وأن نربط الأشياء بعضها ببعض، وأن نقرأ ما بين السطور، وأن نبحث عن أهداف كل فريق وخلفياته ومعتقداته، وعندها، ربما، ستتغير الكثير من الرؤى التي نعتقد بصوابها أو تتكرس الأحكام السياسية التي راكمتها سنوات الدراسة والعلم والتحقيق.

الطرح الإستراتيجي يفرض تقسيم جبهات المواجهة إلى جبهتين داخلية وخارجية

انطلاقا من هذا المعطى، واستمراراً لما يمكن أن يصطلح عليه بـ»الاستراتيجية الفكرية» لجريدة «الرياض»، واعتبارا لكون مفهوم الأمن الشامل يجعل من المواجهة الفكرية هي جزء من منظومة الدفاع والمواجهة للتهديدات التي ترخي بظلالها على الأمن القومي للمملكة العربية السعودية، بشكل خاص، والعالم العربي والإسلامي عموماً، على اعتبار أن المملكة العربية السعودية كانت، وستظل، جدار الصد الأول في وجه جميع مشاريع الهيمنة والتوسع والتي تخطط منذ عقود من أجل بسط سيطرتها الإيديولوجية والسياسية على جميع الدول العربية دون استثناء.

العمل على منع أي تنظيم سياسي أو مدني لا ينضبط مع الطرح العام للدولة

إن القناعة مترسخة عند «الرياض» بكون المشروع التوسعي، الذي تقوده إيران، لا يمكن تمريره أو تفعيله على الأرض دون إخضاع المملكة العربية السعودية كـ»مركز ثقل» للعالم الإسلامي وعاصمته الروحية والتي تهفو إليها قلوب المسلمين كل عام، لا يضاهيها ولا يدانيها في ذلك شرف. كيف وهي الخادمة الأمينة لثاني القبلتين وثالث الحرمين، ومقر الجسد الطاهر للجناب النبوي الشريف يعطر عاصمة الحبيب صلى الله عليه وسلم؟.

أمام هذا الاستهداف التاريخي، والحرب الوجودية التي يقودها المشروع الصفوي بزعامة إيران وأذنابه بالمنطقة، تولدت القناعة لدى صانع القرار السعودي، أن استراتيجية الدفاع والملاحظة وكظم الغيظ والدفع بالتي هي أحسن، ما كان لها أن تعتبر ضمانة للأمن القومي للمملكة في ظل تنامي أخطار المد الصفوي بالمنطقة، خصوصا مع سقوط العراق في يد المشروع الصفوي وكذا اليمن والجنوب اللبناني وسورية التي تبقى على بعد خطوات من الانصهار في المشروع الصفوي الإيراني.

على هذا المستوى، يبقى حزب الله الأداة العسكرية في يد إيران والمنفذ الأمين لاستراتيجية الدولة الصفوية بالمنطقة، ليتجاوز دوره الاستراتيجي الفضاء الحيوي للبنان لينطلق لتنفيذ «الخطة الخمسينية لحكماء الدولة الصفوية» في العالم. وهنا سنجل، من خلال هذه الحلقات، حجم الإرهاب والدموية التي ميزت تاريخ حزب الله في تعامله مع باقي مكونات الطيف السياسي اللبناني بل وتعدى إرهابه ليضرب العديد من الدول التي لم تخضع لأجندة إيران وإملاءاتها بداية من الكويت ووصولا إلى الأرجنتين. كما أن إرهاب حزب الله، الذي ضرب جميع دول الخليج العربي، سيُضَيّق دائرة القتل والاغتيال لتعصف بأقرب المقربين وتضرب الرجل الثاني في التنظيم.

إيران «الشريفة» تعتبر إنهاك دول المنطقة أمنياً وسياسياً واقتصادياً هدفاً إستراتيجياً

«يجب أن يتمتع الخيار الإستراتيجي باستمرارية الارتباط مع الماضي، وفي الوقت ذاته يقيم جسراً مع المستقبل. ويجب على الإستراتيجية أن تستفيد من الماضي عند صياغتها، وأن تأخذ في الاعتبار التفاعلات السابقة ودروس التاريخ ضمن البيئة الإستراتيجية.»

(هاري يارغر: الإستراتيجية

ومحترفو الأمن القومي، ص 49)

إن بسط سياقات التاريخ الدموي لحزب الله، كما طرحته «الرياض»، من خلال الحلقات التأريخية والتحقيقية، لا يمكن اعتباره مُوجَّهاً، فقط، للقارئ العربي من أجل إشباع متاعه العقلي وترفه الفكري، بقدر ما هو لبنة أساسية ومنطلق لفهم السياقات الإستراتيجية والتكتيكية التي ضبطت تحرك حزب الله في منطقة الخليج بشكل الخاص، والعالم بشكل عام.

إخضاع حزب الله لمنطق الدولة اللبنانية وتجريده من سلاحه وتقوية الجيش اللبناني

إننا على يقين أن العقل العربي قادر على تقديم صورة منطقية للوسائل التي تمكن من النجاح في أي مواجهة محتملة مع التنظيم الصفوي وأذرعه العسكرية بالمنطقة، رغم كون «الحرب» تبقى، كما يطلق عليها البارون السويسري أنطوان هنري دي جوميني «مأساة غامضة» وليست بحال ما عملية حسابية. غير أن احترام المبادئ العامة التي تحكم الصراع يمكن أن تُنجح التدابير المتخذة أثناء الحرب.

هذا الطرح التاريخي، يهدف بالأساس إلى رسم السياقات التاريخية لبروز حزب الله وطرق انتشاره والوسائل والأدوات التي تم اعتمادها من أجل زعزعة استقرار أمن دول الخليج، قصد خلق حالة من «التوحش» يمكن التحكم فيها أمنياً بعد إنهاك الأنظمة الحاكمة، في طرح لا يختلف عن طرح التنظيمات التكفيرية كما نظر لذلك صاحب كتاب «إدارة التوحش» أبو بكر ناجي.

إن دراسة البيئة الإستراتيجية بمنطقة الخليج العربي تعتبر، مدخلاً أساسياً لبسط الطرح الإستراتيجي البديل، على اعتبار أن السياقات الداخلية والخارجية للمنطقة هي التي تتحكم في اختيار الإستراتيجية أو الإستراتيجيات التي يمكن تنزيلها في تناغم مع الإكراهات المختلفة التي تطرح على المستوى البعيد، بالنظر إلى كون أي إستراتيجية تهدف بالأساس إلى تحقيق الهدف السياسي البعيد المدى، والذي تتفرع عنه مجموعة من الإجراءات على المستوى الزمني القريب تدخل ضمن نطاق تدبير تكتيكات الصراع مع العدو الرئيسي «إيران» وتفرعاته التنظيمية ممثلة في تنظيمات حزب الله الإرهابي.

جماعة الحوثي تتبع نظام الملالي وتنفذ أجندة صفوية في المنطقة

ومن خلال رصدنا لتحركات حزب الله، ممثلاً في فرعه الرئيسي في لبنان، نُقر أن هذا العدو يمتلك، للأسف، إستراتيجية مدروسة لتدبير الصراع، تعتمد على رؤية واضحة للأهداف على المستوى القريب والمتوسط والبعيد خدمة للهدف السياسي الأسمى الذي وضعته إيران ممثلاً في إخضاع دول المنطقة سياسياً وعقائدياً لسلطان «الولي الفقيه»، وذلك باللجوء إلى جميع أدوات ووسائل الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية والمخابراتية الممكنة.

إننا نرى أن إكراهات الصراع مع العدو الصفوي، يفرض تعبئة شاملة من طرف الجميع (قيادة وأجهزة ومؤسسات وأفراداً)، كل يرابط على ثغر من الثغور من أجل خلق جبهة موحدة ومتراصة كمقدمة أساسية لتوجيه دفة الصراع من طرف القيادة السياسية.

على هذا المستوى، يفرض الطرح الإستراتيجي، تقسيم جبهات المواجهة إلى جبهتين: داخلية وخارجية، بالنظر إلى اختلاف السياقات والآليات التي يمكن اعتمادها على كل جبهة. وهنا يقول هاري يارغر في كتابه «الإستراتيجية ومحترفو الأمن القومي: «تتألف البيئة الإستراتيجية من سياق داخلي وآخر خارجي، وظروف وعلاقات وتوجهات وقضايا وتهديدات وفرص وتفاعلات ونتائج تؤثر في نجاح الدولة وعلاقتها مع العالم المادي ومع الدول والأطراف الأخرى» (ص55).

إستراتيجية المواجهة في الداخل

تتميز البيئة الإستراتيجية الداخلية بالسيادة الكاملة للدولة والتي تعطيها كامل الحق والصلاحية في استعمال جميع الوسائل المشروعة من أجل الحفاظ على الأمن القومي وضمان السير العادي لمؤسسات الدولة.

هذا المعطى «الفيبيري» (نسبة إلى ماكس فيبر)، يعطي لدول المنطقة الحق في مواجهة التيارات السياسية والدينية التي تتبنى الطرح السياسي «للولي الفقيه»، وتحاول نهج تكتيك المهادنة والتقية السياسية في أفق إنضاج الشروط الذاتية والموضوعية للانقلاب على السلطة الشرعية، في طرح خبيث لا يختلف عن الطرح الإخواني الذي أصلت له «الرياض» في حلقات سابقة.

استئصال التنظيمات الموالية لإيران

على هذا المستوى، يقول كارل فون كلاوزفيتز: «لو أريد إجبار العدو على الخضوع فلا بد من وضعه في موقف أسوء حتى من التضحيات التي نطالبه بتقديمها، وأن لا تكون مصاعب هذا الموقف الذي نضعه فيه عارضة أو مؤقتة بطبيعة الحال، أو ألا تبدو كذلك على الأقل. وإلا فسوف لن يستسلم العدو، بل سينتظر لحين تحسن الظروف أو الموقف». (من كتاب عن الحرب ص 105).

في هذا السياق، نرى أنه لا يكفي مجرد مراقبة تحركات الأشخاص والتنظيمات الموالية لإيران داخل دول الخليج، حيث يصعب، بل ويستحيل، احتواؤها وإخضاعها للطرح الوطني بالأساليب الكلاسيكية للاحتواء. ولقد عاينا، في الحلقات السابقة، تحركات التنظيمات والأشخاص الموالية لإيران في كل من البحرين والكويت، بفضل الهامش الواسع من حرية التحرك، استغلته في عملية الاستقطاب والانتشار، حتى وصلت الوقاحة ببعضهم للتعبير عن ولائه المطلق لإيران (عبدالحميد دشتي في الكويت وعبد الأمير الجمري بالبحرين)، مما دفع هذه الدول إلى فرض المنطق الأمني كحل وحيد وفعال لاستئصال التواجد الطائفي بها.

إن دول الخليج مطالبة بالعمل على منع أي تنظيم سياسي أو مدني، لا ينضبط للطرح السياسي والمذهبي للدولة حسب اختياراتها السياسية والفقهية، كما يتوجب عليها مواصلة العمل على تجريم سلوك كل من تبث في حقه موالاته للمشروع السياسي والديني لمنظومة ولاية الفقيه، مع مواصلة تمتيع المكون الشيعي العروبي، الذي عبر بإخلاص عن ولائه المطلق للوطن، بكامل حقوقه وحريته في ممارسة شعائره وطقوسه مثله، في ذلك، مثل باقي المواطنين دون تمييز أو استثناء.

تجفيف منابع الدعم والتمويل

على هذا المستوى، يبقى أي نشاط أو تحرك مشبوه رهيناً بالدعم المالي لهذه التنظيمات من طرف النظام الإيراني. من هنا يفرض هذا المعطى العمل على تجفيف جميع منابع الدعم والتمويل من خلال تقوية التنسيق بين المؤسسات الرقابية المالية لدول الخليج وتتبع حركة رؤوس الأموال والحسابات البنكية المشبوهة وكذا المشروعات التجارية المرتبطة بها.

تقوية الشعور الوطني العام

إن من أهم العناصر «المعنوية» التي يجب التركيز عليها في فترات الأزمة هو تقوية الشعور الوطني المتدفق، والذي يمكن تكريسه وتقويته عبر مجموعة من الآليات التي تملكها الدولة.

وفي هذا الصدد، تُشكل «العناصر المعنوية الرئيسية»، حسب كلاوزفيتز: «مهارة القائد وخبرة وشجاعة القطعات وروحها الوطنية» (ص 258). ولا يخفى على صانع القرار السياسي أن «الروح الوطنية» تبقى هي المحرك الرئيسي والمحفز في أوقات الحرب، حيث تلعب دوراً حاسماً في توحيد الجبهة الداخلية، والتي أثبتت الأحداث، التي تطرقت لها الحلقات، أن اختراقها كان من العوامل الرئيسية التي ساعدت إيران على زعزعة، ولو نسبياً، الاستقرار في بعض دول المنطقة.

ويمكن القول: إن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والعلماء والدعاة والفنانين، يمكن أن يلعبوا دوراً مساعداً مهماً على هذا المستوى من خلال الاستمرار في التذكير بقدسية وفخر الانتماء للوطن وإحياء شعلة الحماس للدفاع عن الطرح الوطني، مع العمل على إحياء شعورهم الداخلي ودورهم في إسناد عضد القيادة لمواجهة المد الصفوي بالمنطقة.

نظرية الاقتراب غير المباشر

على المستوى الخارجي، يبدو أن دول الخليج تبقى في مواجهة نوعين من التهديدات الأمنية المباشرة: الإرهاب الذي تقوده التنظيمات التكفيرية كداعش والقاعدة والإخوان المسلمين، وكذا التهديد الأمني الذي تمثله إيران وتنظيمات حزب الله من خلال استهدافاتها المتكررة للأمن القومي الخليجي وآخرها ما تم اكتشافه في الكويت فيما أطلق عليه إعلامياً بـ (خلية العبدلي).

على هذا المستوى، تقوم الإستراتيجية التي نحن بصدد التأصيل لها، في الجانب المتعلق بتكتيكات إدارة الصراع، على نظرية الاقتراب غير المباشر وتفادي المواجهة المباشرة التي من الممكن أن تكون لها تكلفة ليست دول الخليج مضطرة لتحملها، ونطرح بالمقابل نظرية جد مهمة أصل لها المنظر الإستراتيجي بازل ليدل هارت من خلال كتابه المرجعي حول «الإستراتيجية، الاقتراب غير المباشر».

هذه الإستراتيجية تقوم على أساس «التوسع بتسديد ضربات قوية إلى أضعف النقاط في دفاع العدو، وإيجاد الوسائل الناجعة لتحطيم معنوياته، والتنسيق بين السياسة والدبلوماسية والتحرك على الأرض».

من خلال هذا التعريف، سنحاول بسط طرحنا الإستراتيجي في مواجهة إيران، ثم تنظيمات حزب الله والتنظيمات العسكرية الموالية لها بالمنطقة.

مواجهة إيران وفق إستراتيجية الاقتراب غير المباشر

تعتمد هذه الإستراتيجية على توريط الخصم في معارك جانبية تستنزف موارده وترهق معنوياته وتنال من صلابته وتماسكه، فكل ذلك يضعف من إمكانات الخصم العسكرية وقدراته في معارك المواجهة الرئيسية.

في هذا السياق، تقدم لنا كل من القضية الأحوازية مفاتيح إستراتيجية يمكن استغلالها من أجل إنهاك إيران سياسياً وأمنياً، من خلال الاستمرار في دعم المكون العربي السني في الجنوب الإيراني ذات الأغلبية العربية السنية والتي تتواجد على تماس مباشر مع دول الخليج العربي والتي يمكن أن تشكل «حزاماً أمنياً» في مواجهة الاختراقات الإيرانية المتكررة والتي عانت منها العديد من الدول وعلى رأسها البحرين والكويت، كما ستمكن المطالبة باستقلال الأحواز، ضمنيا، من تسهيل استرجاع الجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى.

وقد يهاجمنا البعض بالقول: إن هذا الطرح يُشكل «تدخلاً» في الشؤون الداخلية للدول ومحاولة استهداف وحدتها الترابية وتقسيم كيانها السياسي. هذا «الاتهام» قد يكون صحيحاً وسليماً من الناحية السياسية ومنضبطاً لمقتضيات القانون الدولي، لو كانت إيران نفسها كانت إيران دولة منضبطة لمقتضيات القانون الدولي ومحترمة لسيادة دول الجوار، ولو لم تكن تعمل ليل نهار لضرب استقرار وأمن دول المنطقة.

إن إيران «الشريفة» تعتبر إنهاك دول المنطقة أمنياً وسياسياً واقتصادياً، يدخل ضمن المحددات الإستراتيجية لها والتي ترقى إلى مستوى الهدف السياسي الأعلى لزعماء الدولة الصفوية. هذه الحرب «الوجودية» التي تقودها إيران ضد دول المنطقة، تفرض على هذه الأخيرة، استنفار جميع أدوات الرد التي تضمن الحفاظ على الأمن القومي لدول الخليج العربي ضمن التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وعدم استثناء جميع الخيارات الممكنة ضمن منظومة الاقتراب غير المباشر التي نحن بصدد التأصيل لها.

إن الشعب الأحوازي، مدعوماً بالبلوش السنة، يمكن أن يشكل قوة ضاربة في عمق الاحتلال الإيراني، الذي أخضع المنطقة بتواطئ مع بريطانيا سنة 1920م. وعليه فإن دول الخليج العربي مدعوة لتبني القضية الأحوازية وفضح التجاوزات والجرائم الإيرانية بالمنطقة، مع المطالبة بحكم ذاتي للأحواز في أفق الاستقلال الشامل من القبضة الاستعمارية الإيرانية.

إن من شأن هذا التحرك التكتيكي على المستويين السياسي والمؤسساتي، وضع إيران في موضع المدافع وجعله تحت الضغط المستمر وإزعاجه بصورة مستمرة ومتواصلة ليبقى في حالة استنفار دائم يجعله يركز على بيئته الإستراتيجية الداخلية مما سيدفع به إلى البحث الدائم عن توافقات وتنازلات، خصوصاً وأن تجربة الصراع مع إيران تبين أن هذا العدو لا يصمد أمام الضغط المتواصل والتهديدات التي تستهدف مجاله الحيوي.

دول الخليج وحزب الله: حتمية الاستئصال

لقد رأينا كيف نجحت إيران في زرع خلايا تنظيمية لحزب الله في جميع دول الخليج، ورغم نجاح دول المنطقة في تحييد هذا التنظيم والنجاح في ردعه، فإن التجربة التاريخية تفيد بوجود خلايا نائمة تنتظر الفرصة المناسبة لإعادة تجميع قواعدها وأجنحتها قصد توجيه ضربات جديدة.

على هذا المستوى، يمكن الحديث عن تكتيكات المواجهة لتنظيمين إرهابيين تابعين سياسياً وعقدياً لإيران، وهما حزب الله «اللبناني» و»جماعة الحوثي» في اليمن.

تقوية الجيش اللبناني: مقدمة لفرض منطق الدولة

إن التكريس الميداني لنظرية الاقتراب غير المباشر في مواجهة المخطط الصفوي بالمنطقة، يمر عبر كسر إحدى أهم أجنحة النظام الصفوي بالمنطقة، والعمل على إخضاع حزب الله لمنطق الدولة اللبنانية، من خلال الضغط في اتجاه تجريد مليشيا حزب الله من سلاحها الذي يعتبر قوتها الضاربة وأداة ضغط لفرض الخارطة السياسية التي تخدم الطرح الإستراتيجي للحزب ولإيران في المنطقة.

هذا الطرح يعتبر جد منطقي بل ومطلب مشروع بالنظر إلى جميع المقتضيات الدولية التي ترفض تواجد «سلاحين» على مستوى نفس الدولة، خصوصاً وأن حزب الله لا ينكر السيادة اللبنانية ويقر بخضوعه، ولو تقية، للنظام السياسي اللبناني.

إن مفتاح نزع سلاح حزب الله، يمر عبر تقوية الجيش اللبناني وتزويده بالقدرات العسكرية واللوجيستية التي تمكنه من التفوق العسكري على الترسانة العسكرية التي سخرتها إيران لحزبها اللقيط بلبنان، مع العمل على مراقبة جميع المنافذ المؤدية إلى لبنان ومنع أي سلاح جديد يمكن أن يحصل عليه من إيران عن طريق سورية. هذا المعطى من شأنه إعادة ترتيب موازين القوى في الداخل اللبناني وفرض هيبة الدولة ومنطق الجيش الوطني في مواجهة الطرح العسكري والسياسي الذي يسعى من ورائه حزب الله للهيمنة التامة على الدولة اللبنانية ومفاصلها.

مواجهة جماعة الحوثي: البحث عن مركز ثقل العدو

تعتبر الحرب التي تقودها قوات الشرعية، مدعومة بقوات التحالف العربي، من المواجهات الاستثنائية المعلنة ضد تنظيم عقدي تابع للنظام الإيراني ممثلاً في جماعة الحوثي باليمن. ودون الرجوع إلى الحيثيات العسكرية والسياسية التي مكنت الحوثيين من السيطرة على المشهد السياسي باليمن، فإن منطق المواجهة والصراع يفرض تبنياً تكتيكاً في مواجهة مليشيا الحوثي.

إن دراسة الحالة اليمنية وخارطة المناطق التي تخضع لنفوذ أنصار الحوثي، تجعلنا نسجل الملاحظات التالية:

  • تركز سيطرة الحوثيين على الجانب الغربي من اليمن مع الاستفادة من فتحة «حيوية» على البحر الأحمر وخليج عدن

  • السيطرة على أغلب حقول النفط والغاز بالجنوب الغربي للبلاد

  • السيطرة على بعض الموانئ القريبة من مضيق باب المندب والذي يشكل نقطة صراع إستراتيجية بين مليشيا الحوثي مدعومة بإيران وقوات التحالف العربي.

  • وجود بعض الجزر المقابلة للسواحل الإثيوبية والإيريتيرية والتي تستغلها إيران لتدريب عناصر حزب الله ومليشيا الحوثي، وكذا إيصال السلاح والمواد التموينية عن طريق البحر الأحمر.

  • وجود محافظات تحت سيطرة الحوثيين على الحدود مع السعودية ونخص بالذكر محافظة صعدة ومحافظة حجة.

نخلص إذاً إلى أن تكتيكات الاشتباك ضد مليشيا الحوثي يجب أن تنطلق من هذا التشخيص الميداني لما يصطلح عليه في علم العسكرية بـ «مسرح العمليات». وهنا نستحضر إحدى المرتكزات الإستراتيجية للمنظر الإستراتيجي جوميني حيث يقول: «على المهاجم القيام بالمناورة بحيث يتمكن من أن يشتبك بالجزء الأكبر من قواته ضد أجزاء صغيرة فقط من قوات العدو في كل مرة ليسحقها». (الدراسة ص 336) انطلاقاً من هذا المعطى، يمكن أن نقترح إمكانية تفادي الهجوم على أكثر من جبهة، والوقوف عند حدود المناطق التي وصلت إليها قوات التحالف العربي مع التحول إلى وضع «الدفاعي الإيجابي»، وانتظار الفرصة لإطلاق هجوم إستراتيجي على نقطة محددة من النقاط الحساسة للعدو. كما تقترح الخطة رصد بعض النقاط الحاسمة التي تشكل مراكز ثقل العدو، ومن ثم حشد أكبر قدر من القوة والنيران ضدها والقضاء عليها نهائياً ومن ثم المرور إلى النقاط الحساسة الأخرى بالتتابع، مع تفادي اتساع خط العمليات، والذي يؤدي إلى تشتيت الجهد وكشف خطوط الإمداد والمواصلات والانسحاب.

إن هذه الإستراتيجية تفترض أن يتم وضع تكتيكات محددة للسيطرة على مضيق باب المندب والضغط على إثيوبيا وإيريتريا من أجل قطع الطريق على استغلال إيران لمياهها الإقليمية وجزرها كمنطلقات وتحصينات لدعم مليشيا الحوثي.

كانت هذه إذاً بعض معالم الأطروحة الإستراتيجية والتي لا تدعي الإحاطة بجميع إكراهات البيئة الإستراتيجية بالمنطقة، لكنها مساهمة نضعها بين يدي قارئ «الرياض» للاستئناس والبحث وفتح نقاش عام حول الرهانات الإستراتيجية لدول الخليج.