لم ينتصر أحد في غزة

14:04

2014-09-09

يبدو أن هذه العادة العربية في الحديث إعلاميا عن انتصارات بينما الواقع على الأرض خلاف ذلك لم تنته رغم ما جلبته هذه الممارسة من كوارث ومآسٍ ما زالت الشعوب تدفع ثمنها حتى اليوم، في حين أن الاعتراف بالهزيمة أو الخطأ مهما كانت مرارته هو الطريق إلى الأمام لأنه يدفع إلى المراجعة ودراسة الأسباب وبالتالي الاستفادة من الدرس حتى لا يتكرر.
في حرب غزة الأخيرة من الصعب الحديث عن انتصار لأي طرف، بينما أهالي القطاع هم الخاسر الأكبر، أكثر من ألفي قتيل بخلاف آلاف المصابين، وأكثر من ربع السكان مشردون بعد أن هدمت منازلهم، مشاهد الدمار المروعة التي تأتي عبر الصور وتعكس حالة مدينة منكوبة يتجول فيها قادة حماس وسط خرائب وهم يتحدثون عن الانتصار، إعادة إعمار تتكلف على الأقل 7 مليارات دولار وتحتاج بين 10 إلى 15 عاما، ثم من الذي سيأتي ليضع أموالا أو يستثمر إذا لم يكن يضمن أنه لن يواجه حربا وتدمير ما بناه كل عام أو عامين.
لقد عكس حديث الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القاهرة قبل يومين مرارة كبيرة مما حدث وادعاء حماس الانتصار بعد هذا الخراب الذي قادت غزة إليه، وحاولت إدخال الضفة الغربية أيضا فيه لكنها فشلت. لا ينكر أحد مسؤولية إسرائيل عن حجم الدمار الواسع الذي أصاب القطاع وأهله والتي أدانها العالم باعتبار أنها استخدمت سياسة العقاب الجماعي، واستخدمت حجما من القوة لا يتناسب مع إطلاق صواريخ تعرف أن معظمها بدائي أضراره محدودة، لكن من الذي أعطاها المبرر والفرصة لذلك؟
خلال المعارك من الصعب طرح مثل هذه الأسئلة، فالعواطف جياشة، والدم يراق، والقضية الفلسطينية لها مكانتها الخاصة في كل الدول العربية، لكن إلى متى هذا التراجع واستخدام هذه القضية في صراعات أو أهداف ليس لها علاقة مباشرة بحقوق الشعب الفلسطيني، وتكون الفصائل الفلسطينية أداة لآخرين في ذلك.
أزمة غزة الحقيقية بدأت مع الانقسام الفلسطيني وسيطرة حركة حماس بقوة السلاح عليه، بحيث أصبح هناك على أرض الواقع سلطتان؛ واحدة في رام الله وأخرى في غزة تنافس الأولى وتحاول أن تنتزع منها الشرعية، وعندما ضاقت الأمور على حماس بعد أن أغلقت الأنفاق مع الحدود المصرية التي كانت تتكسب منها وتفرض عليها ضرائب، وافقت على تشكيل حكومة الوفاق لكنها لم تكن حقيقة ستمنحها صلاحيات ممارسة مهامها على الأرض، الأمر الذي لم يحدث حتى الآن والذي كان مثار شكوى الرئيس عباس الذي هدد بالانسحاب من هذا الاتفاق طالما لم يطبق، وكما يبدو فإن مشكلة حماس الرئيسة هي في دفع رواتب أنصارها الذين عينتهم في الوزارات والهيئات المختلفة وهي تريد من السلطة أن تدفعها لكن دون أي نفوذ سياسي، وحرب غزة الأخيرة تأتي في هذا السياق.. مغامرة هروب إلى الأمام تتعلق في جانب كبير منها بمشكلة مالية كانت تحاصر الحركة المسيطرة على القطاع، وكانت تهدد بانهيار سلطتها.
الآن هناك حديث عن مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة، ولا تزال الصورة السياسية غير واضحة، ولن تكون هناك أموال أو استثمارات طالما تمسكت حركة حماس بالسيطرة على القطاع واستمرت في منع السلطة أو حكومة الوفاق من ممارسة مسؤولياتها.
هذا المؤتمر قد يكون فرصة حقيقية لبداية حلول حقيقية تقود إلى تسوية شاملة للقضية الفلسطينية، فهو قد يوفر شكلا من أشكال الالتزام الدولي سياسيا، على الأرض، ويضع قيودا على إسرائيل لا تسمح لها بمغامراتها أو تهديداتها للقطاع، كما يفتح الباب لتسوية شاملة للقضية الفلسطينية.
لكن ذلك يحتاج أولا إلى عودة السلطة إلى غزة ووجود قيادة سياسية مسؤولة تراعي متطلبات شعبها وتكون قادرة على فرض سيادتها على الأرض حتى تتمكن من إبرام اتفاقات دولية، ولا يوجد طريق آخر.