ليس ربيعاً ولا هو عربى

14:13

2015-01-25

جمال عبدالجواد

أبحث عن كلمة أصف بها التطورات الحادثة فى بلاد العرب منذ أربع سنوات فلا أجد. الربيع العربى مصطلح شاع لوصف تلك الأحداث فى عامها الأول، أما بعد ذلك فقد بدأ الكثيرون فى إعادة النظر فى مدى انطباق التسمية على المسمى. ما حدث ليس بالتأكيد ربيعاً تشرق فيه الشمس وتعتدل الحرارة وتتفتح الأزهار، فالغالب على الواقع العربى يخالف كل المعانى الرومانتيكية التى يوحى بها الربيع. وصف الربيع بالعربى يوحى بأن ما حدث فى السنوات الأربع الأخيرة جرى فى كل بلاد العرب بنفس الطريقة تاركاً الأثر نفسه، ولا شىء أبعد عن الحقيقة من هذا الادعاء. فأغلب بلاد العرب لم يمسها الربيع المزعوم بشكل مباشر، أما معظم من مسّهم الربيع إياه فقد دخلوا فى شتاء قارص عاصف لا أظن أنهم سيخرجون منه سالمين. الطقس فى مصر أشبه بالصيف يختلط فيه مزيج البهجة والمرح بالحر اللافح. وحدها تونس تعيش أجواءً فيها بعض الشبه بالربيع الذى تهب فى بعض أيامه رياح خماسينية تعكر المزاج.

لا شىء فى الذكرى الرابعة لاندلاع الربيع العربى يدعو للاحتفال، ولا فيها أيضاً ما يدعو للبكاء على ماضٍ عربى لم يكن مشرقاً بأى حال، والأفضل من هذا وذاك هو استخلاص بعض دروس تلك الأيام المضطربة. أهم هذه الدروس هو أن العرب فيهم من التنوع والتباين الكثير مما يختفى وراء مصطلحات العرب والعروبة. كلنا نتحدث العربية نعم، ولكن دول الخليج الغنية المنتجة للنفط تختلف كثيراً فى واقعها الاقتصادى والسياسى عن بلاد العوز العربى المدقع فى اليمن والسودان والصومال، والعوز النسبى السائد فى شمال أفريقيا ومصر. البلاد العربية التى عاشت قروناً طويلة موحَّدة فى إطار سياسى وإدارى واحد مثل مصر وتونس والمغرب، تختلف كثيراً عن بلاد حديثة التكوين، بعضها تم جمع وطرح أقسامه المتفرقة بعشوائية خلفت وراءها كيانات محرومة من الحد الأدنى من الانسجام الضرورى لقيام دولة ووطن. يسرى هذا على لبنان والعراق، كما يسرى على سوريا وليبيا. بعض بلاد العرب نال حظاً من التحديث الاجتماعى والثقافى والسياسى فى فترة مبكرة نسبياً من تاريخه الحديث، فتكون له رصيد من مؤسسات الحداثة وأفكارها وفنونها، وهو الرصيد الذى أثبت أنه قادر على مقاومة قوى الماضى الظلامية رغم صعوبة التحديات، يسرى هذا على مصر وتونس والمغرب، فيما ما زالت الحداثة تحاول أن تعرف طريقها إلى مجتمعات يسود فيها التقليد والقيم المحافظة، مثل بلاد الخليج واليمن وليبيا والسودان.

التباين بين بلاد العرب أعمق وأهم من أن يتم تجاهله، ولا شىء يشهد على ذلك أكثر من النتائج المختلفة التى خلّفها الربيع العربى المزعوم على بلادهم المتعددة. القائلون بالربيع العربى يفكرون بطريقة أبسط كثيراً من أن تأخذ فى اعتبارها التنوع العربى وتعقيداته. عندما أتحدث عن القائلين بالربيع العربى فأنا لا أعنى فقط كل من راق له هذا المصطلح فساهم فى الترويج له خلال السنوات الأربع الأخيرة، وإنما أعنى بالأساس رهطاً كبيراً من المثقفين العرب له وجوده المؤثر بيننا منذ عقود أطول كثيراً من سنوات الربيع العربى الأربع. فقد كان بيننا دائماً مثقفون يروجون لحلول بسيطة يزعمون صلاحيتها لكل بلاد العرب دون تمييز، ولدينا من هؤلاء الكثير من الفرق. ففيما يروج البعض منهم للوحدة العربية حلاً لكل مشكلات العرب، يروج البعض الآخر للإسلام حلاً لها، فيما بعض ثالث يروج للاشتراكية، أما جميعهم فيفكرون بطريقة الحذاء الواحد الذى يناسب جميع المقاسات.

دعاة «الحذاء الديمقراطى» هم أحدث أصحاب نظرية الحذاء الواحد الذى يصلح لجميع المقاسات. ولإزالة أى التباس يجب أن أقول إن الديمقراطية هى أفضل نظام سياسى عرفته البشرية، وهى المآل الذى ستؤول له لا محالة كل بلاد العالم. لكن هذا لا يعنى أن كل بلاد العالم تستطيع أن تتحول إلى الديمقراطية دفعة واحدة، فالديمقراطية لها متطلبات اقتصادية واجتماعية وثقافية ومؤسسية، وحتى تتوافر هذه المتطلبات فإن المجتمعات سيكون عليها أن تبحث عما يناسبها من النظم السياسية التى قد يكون فيها هذا القدر أو ذاك من الديمقراطية. دعاة الحذاء الذى يناسب كل المقاسات لا يرون الأشياء بهذه الطريقة، فهم يظنون أنك تستطيع أن تأتى بالديمقراطية إلى أى بلد طالما رغبت فى ذلك، وأن إسقاط سلطات الاستبداد القائمة هو الشرط الوحيد الكافى لتحقيق الديمقراطية، ولا شىء يفند هذه الطريقة فى النظر للأمور أكثر مما حدث لبلاد عربية مجاورة سقطت فيها سلطات الاستبداد وسقط معها كل شىء آخر، فدخلت فى مرحلة الفوضى الشاملة.

دعاة الحذاء الذى يناسب كل المقاسات يرون أن الديمقراطية هى المآل النهائى لكل المجتمعات. هذه رؤية صحيحة، لكنهم يتصرفون كمن يرى طفلة صغيرة مآلها الطبيعى هو أن تصبح أماً، فينقض عليها لاغتصابها. أمثال هؤلاء هم مثقفون بالاسم فقط، فالمثقف الحقيقى ليس من يقوم بالتبشير بمثل عليا وأحلام كبرى بعيدة المدى، ولكنه ذلك الذى يقوم بمساعدة أمته على تحقيقها عبر تطوير الصيغ العملية والنظرية والأخلاقية الملائمة لذلك، لا أن يقف على منصة عالية يقصف أمته بمبادئه، فلا هى قادرة على تحقيقها، ولا هى استفادت من قدراته لإنجاز ما يمكنها تحقيقه من أهداف. أمثال هؤلاء من المثقفين والنشطاء هم من المستقيلين من القيام بوظيفتهم الاجتماعية، لصالح راحة ضمير وهمية، فيظنون أنهم قد أدوا واجبهم ليس لأنهم أحدثوا تقدماً فى واقع بلدهم، ولكن لأنهم أفرغوا ما فى ضمائرهم، فأراحوها وفازوا براحة البال، فيما الملايين من أبناء شعبهم تواصل الشقاء.