تصعيد المرجعية السنية في مواجهة الثيوقراطية الشيعية

17:18

2015-01-19

عبد الله ناصر العتيبي

من أهم المشكلات التي تواجه الخليجيين في المسألة اللبنانية، ضرورة التماس بين الحين والآخر مع أقطاب تنظيم «حزب الله». عليهم في مناسبات كثيرة أن يذهبوا مع المد وينحسروا مع الجزر، في المسائل المتعلقة بلبنان ومستقبله في المنطقة، حتى ولو لم يكونوا مقتنعين بالكامل بطريقة إدارة اللبنانيين لأزماتهم!

لا يختلف الخليجيون في ما بينهم في أن تنظيم «حزب الله» هو تنظيم إرهابي، يسير، بعلمه، وفق أجندة مرسومة له من أطراف خارجية، للقضاء على الدولة اللبنانية، واستبدالها بفرع عربي تابع للإمبراطورية الإيرانية. الكل يعرف هذا، والجميع يؤكده، ليس رجماً بالغيب، وإنما تصديقاً للكثير من تصريحات الأمين العام للتنظيم السيد حسن نصرالله المتعلقة بولاية الفقيه والدولة الدينية. لكنهم في المقابل لا يستطيعون أن يفرضوا على اللبنانيين إقصاء التنظيم من المشهد السياسي، فهذا أمر راجع للبنانيين وحدهم لا ينازعهم فيه أحد.

قبل أيام عاد السيد حسن نصرالله لسيرته الأولى، وقد يكون مدفوعاً هذه المرة بتأثيرات أسعار النفط على الاقتصاد الإيراني، عاد للتحرش بالاستقرار السياسي في دول الخليج، وتحريض الشعوب على حكامها، فماذا فعل المجموع الخليجي إزاء ذلك؟

الدول الخليجية لا تستطيع أن تتجاهل تهديد السيد حسن نصرالله لسببين: الأول أنه كيان يمتلك الشرعية الكاملة في لبنان ويمثل نفسه بعدد من النواب في البرلمان اللبناني، ويمثله عدد من الوزراء في الحكومة اللبنانية. والثاني وجود بعض التيارات الخليجية المستعدة لجعل هذا التهديد واقعاً على الأرض، خصوصاً في هذه الأيام.

دول الخليج استدعت سفيرين للبنان في عاصمتين خليجيتين وحملتاهما حمولة كبيرة من الاعتراضات الكلامية، وسارت جامعة الدول العربية في الطريق ذاته، إذ احتجت بشدة لدى الحكومة اللبنانية على ما جاء في حديث السيد حسن نصرالله. لكن هل تكفي مثل هذه المواقف؟ هل دول الخليج قادرة على ردع التدخل في شؤونها في شكل نهائي؟ أم أن نصرالله وغيره من أنصار الله قادرون في أي وقت على إثارة البلبلة وخلط الأوراق لأهداف قصيرة وطويلة المدى؟

الحكومات الخليجية، في الظروف الراهنة، لا تستطيع أن تقاطع الدولة اللبنانية، رداً على مواقف تنظيم حزب الله العدائية، لأنها تعلم أن «الحزبلاهيين» يمثلون ركناً مهماً في مجلس الوزراء اللبناني، حتى وإن كانوا لا يمثلون صوت لبنان الكلي الذي يتجزأ في القاعدة الشعبية الأدنى بحكم الديموقراطية الصورية، ويتجزأ في المؤسسات السيادية الأعلى خضوعاً لأعراف وقوانين المحاصصة الطائفية. وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تُقبل بشكل كامل على احتضان لبنان، لأن العصي المُعدة للدخول في العجل لا تُعد ولا تحصى، منها ما هو مبري بلبنان نفسه، ومنها ما هو مبري في عواصم دول إقليمية تمثل لها الدولة اللبنانية عمقاً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه.

الحزبلاهيون في النهاية فصيل تغلب على الواقع اللبناني، ففرض عقيدته على عقول «المتدينين المؤدلجين»، وفرض سياساته المدعومة بقوة السلاح على بقية اللبنانيين، الأمر الذي سهل دخوله البرلمان، ومن ثم المجلس الوزاري في بعبدا، وصار بهذا الوجود المدعوم عسكرياً وأيديولوجياً أحد الأقطاب البارزة، إن لم يكن الأبرز، القادرة على توجيه دفة الداخل اللبناني متى ما أرادت وكيف شاءت.

خضوعاً لهذا الواقع المعقد، وانسجاماً مع العقلية السياسية في المنطقة، فإن الخليجيين إذا ما أرادوا مواجهة التنظيم في الداخل اللبناني ومعادلة وجوده محلياً حتى يفقد القدرة على التمدد خارجياً، فإنهم مطالبون بخلق طرف موازن له يقضي على واحديته في المشهد واستئثاره بالكلمة الأخيرة. مطلوب وبشكل عاجل تصعيد المرجعية السنية في لبنان ودعمها سياسياً ورفع صوتها في مقابل المرجعية الشيعية.

الطوائف الشيعية في المنطقة، وأخص منها المتدينة، ترتهن سياسياً لرجال الدين، بعكس الطوائف السنية التي يمثل فيها رجال الدين دائماً خط الحكم الثاني، وهذا ما جعل الصوت الشيعي السياسي العربي في السنوات الأخيرة، خصوصاً التي تلت الثورة الخمينية يرتفع بشكل لا يتناسب مع حجم المكون الشيعي في الوطن العربي.

في تقديري أن مواجهة العلمانية السنية للنخبة الشيعية المتدينة فشلت فشلاً ذريعاً، وصار لزاماً أن توضع المتشابهات في علبة واحدة لتستطيع أن تتفاهم في ما بينها. وأظن أن اللبنانيين بطوائفهم كافة لا يجدون حرجاً في هذا الأمر كونهم وعوا التعايش مع الحكم الثيوقراطي الجزئي من خلال ممثلي تنظيم حزب الله في البرلمان والحكومة.