الإرهاب وموعظة نتنياهو

18:29

2014-09-08

محمد خالد الأزعر

بينما كانت أصوات كثيرة من مشارق الأرض ومغاربها، تطالب الأمم المتحدة بالتحقيق في الجرائم التي اقترفتها إسرائيل أثناء عدوانها الفاشي لخمسين يوما على غزة، وفيما راحت المنظمة الدولية تتهيأ للاستجابة لهذا النداء الحقوقي الضاغط، سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى لفت الأنظار نحو اتجاه مغاير تماما.

ففي حديث له مع أعضاء من الكونغرس الأميركي، كانوا يزورون إسرائيل غداة وقف إطلاق النار على غزة، قال نتنياهو إن على الأمم المتحدة أن تركز اهتمامها على محاربة التطرف الإسلامي، بدلا من مهاجمة بلاده بشكل تلقائي.

وجهة نظر نتنياهو هي أن الأمم المتحدة، ومن ورائها العالم برمته، عليها مطاردة الجماعات الارهابية الإسلامية، لأنها «تنتهك كل المعايير والقوانين والأعراف، وتهدد المجتمعات والحضارات..».

بمثل هذا الطرح وملابساته، يمارس نتنياهو ما يعرف بعقدة الإسقاط.. فهو يلقي على «الجماعات الإسلامية المتطرفة» المواصفات ذاتها التي باتت معلومة بالبداهة عن دولته.

ولأن نتنياهو ضليع في مجالات الإعلام والدعاية والعلاقات العامة على الطريقة الغوبلزية، فلا بد أنه يدرك المغزى النفسي لما يفعله عن قصد وتعمد.

في اللحظة ذاتها التي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يشنف أسماع ضيوفه الأميركيين بموعظته وحديثه الدعائي الفج، كان بيير كراهينبول المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين (أونروا)، يصف في سويسرا حجم المأساة الانسانية التي خلفتها الآلة الحربية الاسرائيلية في غزة، مشيرا إلى «تدمير عشرين ألف منزل على الأقل، وسحق البنية التحتية على نحو لم يسبق له مثيل، واصابة ثلاثة آلاف طفل بجروح؛ وسيعاني ألف منهم من إعاقات مدى الحياة.

هذا فضلا عن حاجة مئات آلاف الأطفال للعلاج من الصدمة العنيفة، ووجود أكثر من خمسين ألف مشرد يعيشون في مدارس الأونروا، ينبغي توفير مساكن بديلة لهم، ونحن على مشارف عام دراسي جديد..».

ومن الواضح أن المفوض الدولي حدد سقفا منخفضا لشهادته، فهي تناولت فقط ما يتعلق بالأضرار الأقرب إلى مهمة وكالته. ومع تمتعه بالكياسة والتحفظ، فإنه قدم صورة مروعة ومثيرة للاشمئزاز..

فكيف إذا استطردنا إلى بقية الجرائم التي ارتكبها هؤلاء، في حق البشر والشجر والحجر وكل شيء حي متحرك أو ساكن في غزة؟ على سبيل القياس الموحى، فإن إيقاع الحملة العسكرية الاسرائيلية المسعورة لنحو 14 ألف قتيل وجريح من أهل غزة؛ الذين لا يزيد عددهم عن 1,8 مليون نسمة، يعادل بالتقريب سقوط 8 ملايين بالنسبة لعدد سكان الصين و1,5 مليون بالنسبة للولايات المتحدة، وأكثر بقليل من مليون بالنسبة لروسيا و420 ألفا بالنسبة لبريطانيا، ومثلهم بالنسبة لفرنسا. هذه خسائر لا تنجم سوى عن حرب ضروس بين قوى كبرى، ولا تحتملها إلا طاقة قوى كبرى.

ومع ذلك لا يتورع نتنياهو عن ادعاء الغيرة على القانون والإنسانية والحضارة، ويحاول أن يسوق الدنيا كلها لمحاربة المتطرفين «الإسلاميين».

واللافت أن الأداء البغيض والمدان لبعض هذه الجماعات، ولا سيما في العراق وسوريا، قد سمح بتوفير الشواهد والأمثلة التي ربما ساعدت نتنياهو ونخب الدعاية الصهيونية على تمرير مقولاتهم لدى أقوام بعينها.

ومن ذلك أن النواب الأميركيين الذين خاطبهم نتنياهو بمزاعمه، أيدوا دعوته وتعاطفوا معها. وجدد أحدهم (دورا باتشر من الجمهوريين) ثقته في الاعتقاد القديم، والسخيف أيضا، القائل بأن «إسرائيل هي قوة الاستقرار الوحيدة في منطقة مغمورة بالاستبداد والظلم والعصابات التي تهدد السلام العالمي».. وهذا غاية المراد من المنطق الدعائي الصهيوني.

في غمرة هذا الخلط للأوراق والقضايا بغير حساب أو تدبر عميق، لا يفطن كثيرون إلى أن الخطأ الذي تقوم به جماعات التطرف إياها، لا يبرر الخطايا التي تضطلع بها إسرائيل الدولة. وليس من العقلانية في شيء أن يسفه أحد خلقا أو تصرفا منحطا، ويأتي مثله! هذا أمر ينبغي إيضاحه على أوسع نطاق.

ولا يقل عن ذلك أهمية وضرورة، استجلاء الصلة بين إرهاب الدولة الصهيونية، بما في ذلك احتلالها المديد لأراضي الفلسطينيين واستباحة دمائهم وأرواحهم ومقدساتهم.. وبين نشوء هذه الجماعات وانتشارها واستقطابها لبعض الأفئدة.

الشاهد في كل حال، أن الكثيرين يخطئون حين يعالجون هذين النمطين من الارهاب، فيما هناك علاقة عضوية بينهما، تكاد ترقى إلى علاقة السبب بالنتيجة أو العلة بالمعلول.