هذا هو الكلام المباح

18:23

2014-09-08

ثروت الخرباوي

قل معي: آمنا بالله، وصدقنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى في بداية الأمر أن يكتب عنه أحد شيئا إلا القرآن، حتى لا يختلط حديثه بقرآن الله، صدقنا من قال إن الصحابة الذين صاحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم زمنا كانوا من الناس الطيبين، فعلى ذكائهم وتوقد أفئدتهم فإنهم كانوا في صحفهم يكتبون في بداية السطر آية من القرآن، ثم دون أن ينتبهوا يستكملون السطر بحديثٍ سمعوه من نبينا المصطفى! آمنت بالله، لذلك خشي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يختلط القرآن بالحديث! فهذه هي الكتابة التي نهاههم عنها الرسول صلوات الله عليه!.

لا تقل أبدا أن هذا تعسف في فهم حديث النهي، ولا تشغل بالك بأن المستقر عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولذلك لم يحدث أن وقعت تحت يده صحيفة من تلك الصحف فرأى أن كاتبها خلط هذا بذاك فنهى عن الكتابة المختلطة، ولا تتوقف كثيرا وأنت تسمع تفسير علماء الحديث في هذا الشأن، ولا تسألهم قط: وهل جاء في الحديث أن أحد الصحابة مثلا قام إلى الرسول وقرأ آية خلط بها حديثا فأدرك الرسول المشكلة لذلك جاء نهيه؟! ولا تقل هل سيدنا جبريل أخبره بهذا الخلط فكان النهي؟ أو أو أو، لا تفكر كثيرا ولكن كن مهادنا مصدقا لما يقال لك وإلا نلت اللعنات والتكفير لأنك أنكرت ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أما ما هي الضرورة والعقول تتفاوت فلا تَسَلْ.

إذن فليكن التبرير الأقرب إلى المنطق يا شيخ، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى في بداية الإسلام عن كتابة الأحاديث كلها إلى حين أن يستقر القرآن في القلوب، ولكنك ستقع في المشكلة التي حدثتك عنها يا مولانا في مقال سابق، وهي مشكلة أن الأحاديث دين، أليس كذلك؟ ألا يقول المحدثون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الشريف :"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ومثله هذه كما قال العلماء طُرَّة تعني الحديث الموحى به للمصطفى، أفيكون الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة شَّطر الدين فترة من الزمن! فيكون قد أخفى علينا نصف الدين !؟ فينطبق عليه قول الله "فما بلغت رسالته"! هذا والله شيئٌ عُجَاب.

قل معي يا مولانا مرة أخرى وأنت مغمض العينين: آمنتُ بالله وصدَّقتُ علماء الحديث البشر أصحاب العقول البشرية، الذين أصبحوا أصحاب الصنعة، ولكن لا تكلف نفسك مؤونة الدفاع عن هذه الصنعة فصاحب الصنعة أولى بالدفاع عن صنعته، تلك الصنعة التي لا تقوم إلا على التبرير الذي يخالف المنطق، أما أنت فدافع فقط عن الدين، فصاحب الدين أولى بالدفاع عن دينه، وارتفع يا مولانا إلى آفاق رحيبة، وادلف إلى النسخة الأصلية للإسلام، ولعلك وأنت في طريقك للنسخة الأصلية ستقع على أشياء وقعت سهوا من المحدثين الذين يُطلق عليهم "الحفاظ" مثل الحافظ بن حجر والحافظ بن كثير والحافظ بن عساكر والحافظ بن رجب والحافظ بن أبي عبد الله المروزي والحافظ بن عبد البر وغيرهم من الحافظين، وقبل أن تقع على ما وقع منهم سهوا سل نفسك: ألا يوجد في تصانيف هؤلاء لقب "الفاهم بن عبد الرازق والفاهم بن حُسَيْن والفاهم بن عبده والفاهم بن شلتوت" وقل لهؤلاء أن حاسوبك الإلكتروني الذي صنعه "الفاهم بن أوروبا" لديه قدرة على الحفظ تزيد عن قدرة كل الحافظين آلاف المرات، ولكنه يعجز عن الوصول إلى قلامة ظفر "الفاهم محمد عبده" في الفهم والإبداع.

قم من مجلسك الآن يا مولانا وافتح كتب الأحاديث الصحيحة التي استقر عليها الحفاظ ستجد شيئا غريبا، فهم يروون الأحاديث التي تدل على أن جيلا من الصحابة فهم نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن التدوين فهما آخرا غير فهمهم وتبريرهم، فهذا سعيد بن عبد العزيز يروي عن إسماعيل بن عبيد الله، الذي يروي بدروه عن السائب بن يزيد، الذي يقول إنه سمع سيدنا عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة معنفا وزاجرا: "لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم" ثم يهدده بالترحيل إلى بلده التي جاء منها قائلا :"أو لألحقنك بأرض دوس"! وبنفس الطريقة يستكمل السائب بن يزيد قائلا أن سيدنا عمر وجه نفس التهديد لصحابي آخر هو سيدنا كعب فقال له مهددا: "لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة" .

ما الذي تفهمه من هذا يا مولانا؟ نهى عمر الصحابةَ عن رواية الحديث عن رسول الله حتى أنه هددهم بالترحيل إلى الأرض التي جاءوا منها، دقيقة يا مولانا الله يرضى عليك ويرضيك، لاحظ أنني لم أتحدث عن الذي وصل إلينا من خلال كتبكم عن أن سيدنا ابو بكر وسيدنا عمر حرقوا الصحف التي فيها أحاديث، فأنتم يا مولانا تشككون في هذه الروايات فتقولون: هذه منقطعة، وتلك مرفوعة أو فيها راوٍ مجهول، ولكنني أتكلم عن تلك الروايات التي صحت عندكم، فليس لي أن أحاجج أحدا إلا بما ثبت عنده حتى يكون كلامي حجة عليه، ولكن هل هناك رواية أخرى صحيحة عند المحدثين في هذا الشأن؟ نعم كثير وكثير، فعندما كنت أبحث في الأحاديث أو الروايات التي قطع أمير الحديث في العصر الحديث الألباني بصحتها وجدت الرواية الآتية، وافهم منها يا مولانا ما تفهمه، فعن التابعي الفقيه عامر الشعبي الذي ولد في عهد سيدنا عمر بن الخطاب، عن الصحابي الأنصاري قرظة بن كعب الذي كان أحد قادة الجيش الذي فتح مدينة "الري" ببلاد فارس في زمن سيدنا عمر بن الخطاب أنه قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى منطقة يقال لها صرار، فتوضأ عمر رضي الله عنه ثم قال: أتدرون لِمَ مشيتُ معكم؟" انتبه يا مولانا، سيدنا عمر مشي معهم مسافة طويلة جد طويلة، وتكبد مشقة السير في هجير النهار، ثم سألهم عن سبب تكبده هذه المشقة، فقالوا: "نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مشيت معنا" أي أن الأمر ليس محلا للتساؤل لأننا من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، لنا فضلنا وقيمتنا، فلا غرو أن يسر بن الخطاب معنا، ولكن عمر رضي الله عنه اتجه بهم اتجاها آخرأ فقال: "إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث، جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إمضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا : قال : نهانا : عمر بن الخطاب" أي أنكم إن رويتم الأحاديث للقوم الذين ستذهبون إليهم فإنكم ستباعدون بينهم وبين القرآن! فلما ذهب الصحابي قرظة إلى العراق قال له الناس: اخبرنا يا قرظة عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم قرظة لقد نهاني عمر عن ذلك، ضع عقلك بعد ذلك في رأسك يا مولانا، وتعجب من أن أكبر رواة الحديث في العصر الحديث ناصر الدين الألباني قال عن هذه الرواية إنها صحيحة! ولا تجزع على عمر رضي الله عنه فلن يستطيع أحد العلماء اتهامه بأنه كان عدوا للحديث أو قرآني، وإلا لاتهمنا من يقول ذلك بأنه شيعي .

روايات كثيرة يقولون هم أنها صحيحة، فهذه بضاعتهم التي يحذقونها، وكان من أبي بكر مثلما كان من عمر وكذلك عثمان بن عفان، وسأختم لك حتى لا أثقل عليك بما قاله البيهقي عظيم القدر في الحديث، وأحد الأئمة الحفاظ المحدثين: "إن عمر رضي الله عنه كان أقل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه نهاهم مخافة الغلط، ورخص في القليل منه على الإثبات عند الحاجة، وأمرهم بتجريد القرآن عند عدم الحاجة إلى الرواية، لأن القوم كانوا رغبوا في أخذ القرآن" هذا هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين القرآني، ينهى كما قال البيهقي وهو أحد أمراء المؤمنين في الحديث، عن رواية الحديث، والعودة دائما للقرآن، وسأسكت هنا عن الكلام المباح لنتحدث في المقال القادم عن غير المباح.