الموقف المصري من القضية الفلسطينية لم يتغير

د.نافعة: مصر تنظر الى حماس كإمتداد لجماعة الاخوان

22:27

2015-01-07

القاهرة - الشروق العربي- حوار خاص اجراه علم الدين صادق:- 

 علاقة القضية الفلسطينية بالواقع المصري علاقة لا يمكن التقليل من شأنها، ومما لا شك فيه أن الزلزال الذي ضرب المنطقة العربية بعد صعود الإخوان وسقوطها السريع، أثر على النظرة المصرية إلى القضية الفلسطينية، والتعامل السلوكي مع قطاع غزة تحديداً , ماهية الأوضاع في سيناء وما الذي يحدث هناك ومن يمول الجماعات الإرهابية .

في هذا الإطار نستضيف الخبير السياسي المصري الكبير، د. حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة .. 

** الموقف المصري بعد ثورة 30 حزيران 2013 تغير اتجاه غزة ما أسباب ذلك ؟

عندما نتحدث عن الموقف المصري من القضية الفلسطينية يجب علينا أن نفرق بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي.وحتى عندما نتحدث عن الموقف الشعبي من هذه القضية يجب أن يكون شكل الخريطة السياسية المصرية حاضرا في الذهن وأن تكون المواقف التاريخية للقوى السياسية المختلفة في مصر ما ثلة في أذهاننا حتى يكون بوسعنا أن نحدد ونقيس حجم التغير الذي طرأ على هذه المواقف حاليا تجاه القضية الفلسطينية, وأين ومتى حدث بالضبط هذا التغير؟ ولماذا؟ وما هي أسبابهالظاهرة والخفية؟ لكن يمكن القول بشكل عامأن تغيرا ملحوظا طرأ على الموقف الرسمي وربما أيضا على الموقف الشعبي إزاء طريقة فهم ما يجري حاليا على الساحة الفلسطينية وليس إزاء القضية الفلسطينية ذاتها والتي أظن أن موقف مصر إزاءها على الصعيدين الرسمي والشعبي لم يتغير.

ما تغير هو الموقف من حماس وموقع القضية الفلسطينية على جدول ترتيب الأولويات.فلا جدال في أن الموقفمن منظمة حماس تغير كثيرا ليس فقط على الصعيد الرسمي ولكن على الصعيد الشعبي ايضا. ويعود هذا التغير لأسباب كثيرة أهمها أن النظام الحالي في مصر ينظر إلى حماس كامتداد لجماعة الإخوان المسلمين بأكثر مما ينظر إليها كحركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي. ورغم أن نظام مبارك كان يدرك طبيعة العلاقة بين جماعة الإخوان في مصر وحركة حماس إلا أنه كان على استعداد للتغاضي عن بعض تصرفات حماس لأن جماعة الإخوان في مصر كان تحت السيطرة في ذلك الوقت ولم يكن نظام مبارك على استعداد للتفريط كليا في حماس كورقة ضغط وبالتالي كان يحاول توظيفها لمصلحته.

لكن الوضع تغير بعد ثورة 30 يوليو وخاصة بعد تدخل الجيش لإزاحة مرسي وتقديمه للمحاكمة. فالصراع بين انظام واجماعة تحول الآن ليس فقط إلى صراع مفتوح وإنما إلى صراع مسلح أقرب إلى الحرب المعلنة. لذا لم يعد النظام القائم في مصر حاليا حريصا بما فيه الكفاية على الإبقاء على شعرة معاوية مع حماس وينظر لها الآن باعتبارها جزء من التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين المعارض والذي يسعى لإسقاطه. ولأن النظام الحالي في مصر يعتبر جماعة الإخوان جماعة إرهابية ويسعى لاستئصالها تماما من المعادلة السياسية, فمن الطبيعي أن ينعكس هذا الوضع الجديد على حماس بإعتبارها إمتدادا لجماعة الإخوان المسلمين.

ومع ذلك فلم يعلن النظام المصري حتى الآن حماس كمنظمة إرهابية وما زال يتعامل معها سياسيا, لكن في أضيق الحدود.أما على المستوى النخبوي والشعبي فيمكن القول أن شريحة محدودة من النخبة السياسية في مصر هي التي ما تزال قادرة على التمييز بين حماس كفصيل مقاوم يتعين دعمه في مواجهة العدو الإسرائيلي, وبين حماس كأحد فصائل الإسلامي السياسي الذي لم يعد يحظى الآن بجماهيرية كبيرة لا بين النخب السياسية النشطة على الساحة المصرية ولا بين "الأغلبية الصامتة" المشكلة من المواطنين العاديين. وأظن أن هناك تيار شعبي عريض في مصر الآن ينظر باعتبارها أكثر ارتباطا بالاستراتيجية العامة لجماعة الإخوان المتمحورة حول فكرة الخلافة الإسلامية منها بالقضية الفلسطينية كحركة تحرر وطني تتطلب تضافر جهود كافة الفصائل والتيارات.ولا جدال في أن هناك إجماع مصري على عدالة القضية الفلسطينية, باعتبارها قضية شعب احتلت أرضه وشرد شعبه وحرم من كافة حقوقه التي ينبغي أن يناضل من أجل استردادها, غير أنه لا يوجد إجماع على حماس وتتزايد الشكوك حول مدى التزامها بالقضية الوطنية الفلسطينية. ومن هنا يأتي الخلط حول حقيقة موقف الشعب المصري الآن من القضية الفلسطينية, فالواقع أن موقف الشعب المصري من القضية الفلسطينية لم يتغير, فما زال ينظر يعتبرها قضية مصريةتمس أمن مصر الوطني كما تمس الأمن القومي العربي, لكن رؤيته لحماس ولمدى التزامها بالمشروع الوطني الفلسطيني تغير.

غير أن هناك عاملا آخر مهم يجب أن نأخذه في الاعتبار أيضا وهو أن معظم الشعوب العربية, وليس الشعب المصري فقط, بات مشغولا بقضايا داخلية أكثر إلحاحا باتت تهدد كيان الدولة العربية ذاتها ووجودها, وهو ما يفسر تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية عموما في المرحلة الراهنة. فعندما يكون الحريق داخل البيت من الطبيعي أن يصبح التركيز على إطفاء هذا الحريق قبل الاهتمام بالحريق المشتعل في بيت الجيران. ومنذ إندلاع الثورة المصرية في يناير 2011 وحتى الآن ما زال الاهتمام مركزا على قضية بناء النظام السياسي الجديد وبناء مؤسسات الدولة. وفي ظل الوضع العربي العام حاليا تبدو الشعوب العربية كلها منهمكة في قضاياها الداخلية وهو ما يلقي على الشعب الفلسطيني مسئولية خاصة تفرضه عليه ضرورة لم الشمل وتوحيد الصفوف.

هل تعتبر مواقف حماس تجاه الاخوان في مصر تدخلاً في شؤون مصر ؟
أؤكد لك أنه حين تتصرف حماس باعتبارها جزء من التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين فمن الطبيعي أن تدين بالولاء لهذا التنظيم وأن تلتزم بكل القرارات التى يتخذها. من المعروف أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر هي اللبنة الأساسية في التنظيم العالمي وهي التي تقوده وتوجهه. وحين يكون النظام الحالي في مصر معاديا لجماعة الإخوان ويتعامل معها باعتبارها تنظيما إرهابية فمن الطبيعي أن يتعامل مع التنظيم العالمي بنفس المنطق. وهناك شواهد كثيرة تدل على أن علاقة حماس بجماعة الإخوان في مصر كانت دائما أهم وأقوى من علاقة حماس بالنظام الحاكم في مصر, وهو ما ظهر بصورة واضحة جدا إبان فترة تولي الدكتور محمد مرسي منصب رئيس الدولة المصرية, فعندما تقول جماعة الإخوان المسلمين فى مصر لحماس أن الوقت ليس مناسباً الأن للتصعيد ضد إسرائيل فمن المتوقع أنتثق حماسفي صحة دوافع هذا الموقف وبالتالي تلتزم به, لكنعندما كانت مواقف مشابهة تحدث في زمن حسنى مبارك أوفي زمن النظام الحاليفي مصر سترىفيه حماس على الفور نوعا من الانحياز للجانب الإسرائيلي أو الجانب الامريكي أوو في أحسن الفروض,تعبيرا عن مصلحة مصرية خالصة لا تراعي بالضرورة المصلحة الفلسطينية. ولأن حماس تتبني نفسالرؤية الأيديولوجية فلن يكون بوسعها أن تلمس وجود أي تناقض محتمل بين المصالح المصرية والمصالح الفلسطينية وتصبح بالتالي مستعدة ومهيئة نفسيا لتبني أي مواقف تتخذها جماعة الإخوان وهي في الحكم.وقد بدا هذا واضحاً تماما عندما شنت اسرائيل الحرب على غزة بعد اشهر معدودة من تولي الدكتور محمد مرسي الحكم.

وكان لافتا للنظر توقفهذه الحرب 2012 بسرعة شديدة لأن مرسي كان بإستطاعته إقناع حماس بضرورة إتخاذ موقف مرن وإقناعإسرائيل في الوقت نفسهبأن من مصلحتها وقف الحرب لان مصر ستقف بجانب حماس وغزة اذا استمر العدوان. وإذاقارنت ما حدث عام 2012 بما حدث في الحرب الأخيرة أو حتى بما حدث في حرب 2008 /2009 فسوف تجد الفرق شاسعا. فالحرب التي جرت في ظل النظام المصري الحالي طالت لما يقرب من شهرين, والحرب التي جرت في ظل نظام مبارك طالت لما يقرب من 25 يوما أما الحرب التي جرت في ظل نظام مرسي فقد توقفت قبل أقل من اسبوع.وقد حرصت إسرائيل على اختبارنوايا النظام السياسي المصري فى كل هذه الحروب ولكن الحرب التى جرت فى زمن الإخوان المسلمين عام 2012 كانت قصيرة لأن اسرائيل ادركت ان موقف الجماعة ليس مختلفافي جوهره عن مواقف النظم السابقة ولكن لدى الجماعة ميزة إضافية لم تكن النظم السابقة تملكها وهي القدرة على لجم حماس وضمان التزامها بوقف إطلاق النار. 

** الحملة الإعلامية المصرية على حماس وغزة بعد أحداث رابعة الاسباب والتداعيات التى أدت لذلك ؟

حملة الإعلام المصري على حماس سبقت أحداث رابعة بكثير وارتبطت بالروايات المثارة حول مشاركة عناصر من حماس في اقتحام سجن وادي النطرون والافراج عن المعتقلين من جماعة الإخوان وكان مرسي من بينهم. لكن الحملة اتسعت كثيرا بعد أحداث فض رابعة ولم يكن سببها فض رابعة ولكن تصفيسة الحسابات ليس فقط فقط مع الجماعة ولكن مع كل من ينتمي أو يتعاطف من الجماعة بما في ذلك شباب ثورة 25 يناير أنفسهم. فالحملة لم تكن على حماس فقط وإنما على كل من له صلة بشكل أو بآخر بالجماعة أو تعاون معها سياسيا في اي مرحلة من المراحل.

ومن المعروف أن انتخاب مرسى قوبل بفرحة عارمة فى قطاع غزة, وعكست الاحتفالات بعض المظاهر المبالغ فيها والتي رآها قطاع واسع من الشعب المصري مستفزة, وأقصد هنا الجماهير التي لم تصوت لمرسي في انتخابات الرئاسة أو تلك التي صوتت له مضطرة خشية عودة رموز النظام القديم.وقد لوحظ بعدها أن حماس بدات تتصرف بقدر من التعالي وبدأت تغلب الاعتبارات الأيديولوجية على الاعتبارات السياسية ونسيت أنها جزء من حركة تحرر وطني تحتاج إلى ضم الصفوف بدلا من تعميق التناقضات. وأذكر أنني كتبت في هذه المرحلة محذرا حماس من هذه التصرفات, ويبدو أن ما كتبت أزعج بعض رموز حماس, ومنهم اسامة حمدان الذي طلب مقابلتي وحضر إلى مكتبي ليستمع إلى وجهة نظري التفصيلية حول هذا الموضوع. لذا أعتقد أن الإفراط في التعبير عن ولاء حماس لجماعة الإخوان كان له رد فعل سلبي سواء عند الإعلام, خاصة الإعلام الخاص, أو عند قطاع عريض من الجمهور بدأت تستفزه تصرفات جماعة الإخوان وسلوكها الإقصائي في مصر.

وقد انسحب هذا التعبير عن الولاء على موقف القطاعات المختلفة, شعبيا ورسميا, من حماس.فكما أن جماعة الإخوان لم تعد تعبر في الوعي الجمعي المصري عن مصر أو تلتزم بمتطلبات أمنها الوطني, بقدر ما أصبحت تعبر عن جماعة تحرص على التمسك بالسلطة وتسعى لتحويل الخلافة الإسلامية من فكرة إلى آلية قابلة للتطبيق على أرض الواقع, لم تعد حماس في الوعي الجمعي المصري تعبر بنفس الطريقة عن مقاومة الاحتلال أو عن الدفاع عن حقوق الشعبالفلسطيني.وبنفس الطريقة التيأصبحت قطاعات متزايدة من الشعب المصريعلى استعداد لتصديق فكرة أن الإخوان ليسوا فصيلا وطنيا وأن الخلافة لديه أهم من الوطن,وهي الفكرة التي ركز عليها الإعلام المصري كثيرا ربما بطريقة مبالغ فيها, أصبحت هذه القطاعات نفسها على استعداد لتصديق فكرة أن حماس يمكن أن تعمل ليس فقط ضد المصالح الوطنية المصرية وإنما ضد القضية الفلسطينية نفسها. ولا شك أن الإعلام المصري لعب كثيراعلى استثارة المشاعر الوطنية عند المصريين وأن تعلم جيدا أن هذه المشاعر قوية جدالدى المصريين وأنها تزداد حدة وربما تصل إلى درجة التعصب فى حالة الازمات, وبالتالى فعندما يصبح المطروح على الشعب المصري ايهما تختار: القضية الفلسطينية ام القضية الوطنية المصرية لم يكون هناك مجال حقيقي للإختيار لأن الشعب المصري سينحاز بالتأكيد القضية الوطنية المصرية وهذا سبب الشرخ الذى حدث بين المصريين وحماس بغزة .

** إسرائيل تزعم أن مصر هي من تغلق معبر رفح لو تحدثنا عن مشكلة معبر رفح وقضية الحصار فى غزة ؟

مصر ليست سببا فى الحصار المضروب على قطاع غزة, فالحصار المضروب على هذا القطاع برا وبحرا وجوا هو حصار فرضته إسرائيل وليس مصر. وهي لم تغلق معبر رفح ولكن الانسحاب الإسرائيلي المنفرد من قطاع غزة هو الذي وضعها في هذه المشكلة.فعندما انسحبت اسرائيل من القطاع أبرم اتفاق لتنظيم الحركة عبر المعابر مع قطاع غزة, خاصة معبر رفح الحدودي مع مصر. ولم تكن مصر طرفا في هذا الاتفاق, وإنما كانت أطرافه إسرائيل, والسلطة الفلسطينية والاتحاد الأوربي, وبالتاليكانت السلطة الفلسطينية ممثلة في أبو مازن هي التي تدير الحركة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح, مع السماح في الوقت نفسه بتواجد مراقبين أوربيين يعملون بالتنسيق مع أجهزة الأمن الإسرائيلية.

وقد قبلت مصر بهذا الوضع على اساس أن العبور من وإلى معبر رفح يتم من خلال ترتيبات متفق عليها اساسا بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني وبضمانات أوربية, لكن عندما قامت حماس بطرد السلطة الفلسطينية من قطاع غزة وقامت بالسيطرة الكاملةعلى القطاع, رد إسرائيل بفرض حصار شامل على القطاع, من البر والبحر والجو, وانسحب المراقبون الأوربيون من المعبر, وهنا بدأت المشكلة بالنسبة لمصر, إذلم يعد للشعب الفلسطيني المحاصر في غزة سوى منفذ واحد للعبور إلى العالم الخارجي عبر الحدود المصري, ولم يكن بمقدور مصر أن تحمل هذه المسئولية وحدها. فمصركانت تدرك إن اسرائيل سوف تتخذ من هذا الوضع ذريعة للتصعيد ضدها, بادعاء أن أسلحة وبضائع ذات استخدام مزدوج تمر عبر المعبر. ولأن المجتمع الدولي لم يتدخل لإيجاد حل لهذه الطريقة, قررت مصر أن تسمح فقط بالعبور بالنسبة للحالات الإنسانية. فالمشكلة هنا دارت أساسا حول من يشرف على المعابر وكانت إسرائيل ترفض رفضا قاطعا أن يدار معبر رفح على الجانب الفلسطيني من خلال حماس؟ ولو كانت السلطة الفلسطينية ممثل في أبي مازنهي التي تتولى إدارة المعابر لما حدثت المشكلة التي ترتبت في الواقع على سيطرة حماسالمنفردة على قطاع غزة.ولأنه لم يكن لمصر مصلحةعلى الإطرق فى اغلاق معبر رفح ولم تكن تستطيع في الوقت نفسه أن تديره منفردة في ظل وجود حماس وغياب المراقبين الأوربيين, فقد سعت, حتى فى عهد مبارك,بالعمل على تخفيف الحصار من خلال التغاضي عن الأنفاق التي كانت تعلم جيدا بوجودها,لكن من الطبيعي أن يختلف الوضع الآن بين أن تأزمت الامور الآن في ظل الوضع الامني الخطير فى سيناء وفي ظل الخلاف المتفاقم مع حماس عقب الإطاحة بحكم جماعة الإخوان في مصر.

** حماس في غزة قوة، لكنها ليست الجماهير ، ألا تشعرون بأن هناك عقاباً جماعياً يعيشه سكان القطاع بسبب اغلاق المعابر ؟

لم أتردد شخصيا في أي وقت من الأوقات, سواء في ظل حكم مبارك أو مرسي أو في ظل النظام الحالي, في المطالبة بفتح معبر رفح من الجانب المصري لعبور البضائع والأشخاص, خاصة الغذاء والأدوية والراغبين في التعليم والعلاج, والتعامل مع حماس كسلطة أمر واقع وليس كسلطة بديلة عن السلطة الفلسطينية, ودون الإخلال بحق مصر في اتخاذ ما تراه ضروريا لحماية أمنها الوطني. غير أن كل النظم التي تعاقبت على حكم مصر, بما فيها نظام حكم الإخوان, تعامل مع هذا الموضوع وفقا لمنطق سد الذرائع الإسرائيلية,مع العمل في الوقت نفسه على عدم السماح بتجويع الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة, من خلال غض الطرف عن أنشطة التهريب التي تتم عبر الأنفاق. غير أن الوضع تغير كثيرا بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان, خصوصا عقب تصاعد العمليات الإرهابية في سيناء. فقد أصبح النظام الحاكم في مصر يخشى من تسرب الإرهابيين إلى مصر عبر الأنفاق. لذا قرر الجيش هدمها وفرض منطقة عازلة على الحدود بين مصر والقطاع, يبدو ان المعابر تحولت الآن إلى ورقة ضغط على حماس للسماحللسلطة الفلسطينة, من خلال حكومة الوفاق الوطني,بالسيطرة على قطاع غزة, وبالتالي علىمعبر رفح من الجانب الفلسطيني.

**- قضى الجيش المصري على الأنفاق بشكل كلي ورغم ذلك استمرت العمليات الإرهابية ، من يدعم الإرهاب ، ولمصلحة من يستهدف الأمن المصري ؟

مصر لا تثق بحماس اطلاقا لأنها لا تفرق بينها وبين جماعة الإخوان التي قامت بحظر نشاطها بعد أن أعلنت أنها جماعة إرهابية. وطالما ظلت حماس,المرتبطة عضويا مع جماعة الإخوان, مسيطرة على معبر رفح من الجانب الفلسطيني, فسوف تستمر مخاوف النظام الحالي من حركة حماس التي يرى فيها . ولا تقل خطورة عنهم وتشكل خطرا على امن الوطن هكذا يعتقد النظام المصردر تهديد للأمن الوطني المصري. لكن يصعب في الواقع تحديد خطوط فاصلة بين الاعتبارات السياسية والاعتبارات المتعلقة بالأمن الوطني. فمن حق مصر, بل من واجبها اتخاذ كل الإجراءات التي تراها ضرورية لحماية أمنها الوطني, غير أنه يتعين على مصر في الوقت ألا تقدم على استخدام معبر رفح كوسيلة للضغط السياسي على حماس لحساب اي طرف آخر, سواء صب ذلك في مصلحة السلطة الوطنية الفلسطينية أو في مصلحة إسرائيل. ولا زلت شخصيا أعتقد أن القضية الفلسطينيةهي أنبل القضايا الدولية وتملى على كافة الأطراف العربية واجب الدفاع عنها بكل الوسائل الممكنة. لذا طالبت وما زلت أطالب بفتح المعابر بالكامل 24 ساعه سبعةأيام فى الاسبوع, وان تتعامل مصر مع غزة كأي دولة جارة, بصرف النظر عمن يمارس سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة,وذلك دون الانتقاص بأي شكل من الشكال من حق مصر الكامل في اتخاذ كل ما تراه ضروريا للمحافظة على امنها الوطني وحمايته في مواجهة كل الأخطار التي تهدده. لذا لا يتعين أن توضع مصر في موقف تبدو فيه وكأنها مشاركة فى الحصار المفروض ظلما على الشعب الفلسطيني, علينا ان نميز بين الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في مقاومة الإحتلال, وبين حماس التي هي جزء من الشعب الفلسطيني, وعلى السلطات الأمنية أن تسعى لكشف هويةكل من يعبث بامن سيناء, مع تأكيد التزامها في الوقت نفسه بحقوق الشعب الفلسطيني كافة, بما في ذلك حقه في استخدام القوة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

**ما هو الأفق الذي تتنبأ به لمستقبل القضية الفلسطينية في ظل الدور المصري ؟

انا من المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية ولا توجد قضية انبل واكثر عدالة من القضية الفلسطينة ولكن الذين يريدون تصفية القضية الفلسطينية كثيرون , اسرائيل تريد تصفية هذه القضية, الولايات المتحدة تريد تصفية هذه القضية,بل العالم الغربي ككل يريد تصفية هذه القضية بدلا من البحث عن حل عادل لها.غير أن الفلسطينيين أنفسهم هم من ألحقوا الضرر الأكبر بقضيتهم, بانقسامهم وتشرذمهم, خاصة بعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية. غير أنني أعتقد أن حركة فتح تهاونت كثيرا فى القضية الفلسطينةحين قبل ياسر عرفات ابرام اتفاقية اوسلوا عام 1993.فقد أضرت هذه الاتفاقية بالقضية الفلسطينة اكثر من أي شئ اخر. وأذكر أنني كتبت بعد اتفاقية اوسلوا مباشرة مقالا نشرته جريدة الاهرام بعد يومين من ابرام الاتفاقية قلت فيه "أن أي اتفاقية لا تنص على تجميد المستوطنات الاسرائيلية هي اتفاقية سيئة بالضرورة ولن تؤدي إلا الى ارباك العمل الوطني الفلسطيني وستثير النزاعات بين الفلسطينين وستنقل الصراع من صراع اسرائيلي فلسطيني الى صراع فلسطينيي فلسطيني".ومع ذلك ففي اعتقادي أن الجريمة الكبرى التي ارتكبت في حق القضية الفلسطينية هي جريمة التي أدت إلى انفرد حماس بالسيطرة على غزة وانفراد فتح بالسيطرة على الضفة. وللأسف فما زال هذا الانقسام مستمرا رغم تعرض الشعب الفلسطيني في غزة لعدة حروب. ويبدو أن تمسك حماس بالسلطةفي قطاع غزة أهم من تمسكها بوحدة الشعب الفلسطيني او بوحدة المقاومة الفلسطينية. ومع ذلك يصعب إلقاء اللوم على طرف دون الآخر, فالخطأ متبادل فى واقع الامر.

لا الوم حماس لوحدها او الوم فتح لوحدها.فالكل أجرم في حق القضية الفلسطينية. ولأن القضية الفلسطينية كانت وما تزال قضية عربية وإسلامية على جميع العرب والمسلمين أن يتحملوا مسئولياتهم. لكن لأن هي القضية هي اولا وقبل كل شئ مسؤولية فلسطينية,فعلى الفلسطينيين أن يتحملوا مسؤوليتهم أولا حتى لا يتركوا الفرصة لكل من يريد التنصل منمسئوليته العربية والإسلامية بحجة أن أصحاب القضية نفسها لم يعودا معنيين بها.

** ماذا يحدث في شبه جزيرة سيناء الأن ؟

في سيناء مجموعات إرهابية تنتمي لتنظيمات متطرفة تدعي جميعها أنها تتحدث باسم الإسلام الصحيح أو الإسلام في أنقى صوره. كانت هذه التنظيمات تتردد قبل 30 يونيو في شن حرب مفتوحة على النظام المصري وتركز هجماتها على اسرائيل أو على السياح الأجانب, لكن الامر اختلف بعد أحدث 30 يونيو حيث أصبحت معظم هذه التنظيمات تعتقد أن النظام المصري الحالي ربما يكون أكثر خطرا عليها من اسرائيل وبالتالى راحت تركز هجماتها على الجيش المصري وعلى الشرطة المصرية, بل وتستهدفرجال الشرطة والمنشأت العامة والحكومية. فهناك الآن حرب حقيقية تدور في سيناء تقودها جماعات تطلق على نفسها "جهادية" لكنها في حقيقة أمرها جماعات متطرفة لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو بعيد. بعض أعضاء هذه الجماعات من المصريين, ولكن يبدو أن هناك كثير من العناصر غير المصرية, لا احد يعلم بالضبط حجمهاأو درجة كفاءتها القتالية أو حجم تسليحها, وقد قرأت في بعض التقارير أن أعداد المسلحين المتواجدين في سيناء من المنظمات الإرهابية سواء من المصريين وغير المصريين ربما وصل 20 الف عنصر, وفي تقديريأن هذا رقم ربما يكون مبالغ فيه,لكن عندما تنظر الى ما يجري على الساحة الإقليمية وترى كيف تدفق المتطوعون للقتال في سوريا, اعتقد انه ليس من المستبعد أن تصبح سيناء بدورها منطقة جذب للعناصر المتطرفة من كل مكان وأن تجدهذه العناصر في سيناء "حالة جهادية" تستدعي التواجد وشن الحرب على النظام الذى ازاح جماعة الاخوان المسلمين واصبح في نظرها ليس فقط معاديا لجماعة الاخوان المسلمين وإنما للإسلام ذاته, وبالتالي يشرعنون مقاومته وشن الحرب عليه .

هل تعتقدون أن التنظيمات التي تقاتل الجيش المصري تنظيمات عشوائية ؟

لا لا اعتقد ذلك أبدا. ربما توجد عناصر كثيرة مغرر بها أو وجدت نفسها مدفوعة للانخراط في هذه التنظيمات بدافع الحاجة الاقتصادية والاغراءات المالية أو بدافع الجاذبية الدينية, لكن من المؤكد أن وراء هذه التنظيمات عقل يخطط ويدبروتمويل هائل, وبالتالي وراءه قوى محلية وإقليمية ودولية لها مصلحة في تحويل مصر إلى دولة فاشلة. وقد تتداخل أو تتقاطع أو تتشابك أو تتوازى مصالح هذه الاطراف الثلاثة بما يؤدي إلى تغذية مشاعر الكراهية للجيش المصري ولمؤسسات الدولة المصرية التي يسعون لإسقاطها.

**اهدافهم ماذا يريدون الهدف من وراء هذا التخطيط ؟

هم يريدون ان لا تكون هناك دولة مركزية قوية في المنطقة, ويرون في وجود أي دولة مركزية فى المنطقة خطرا كبيرا ليس عليهمفقط ولكن على مشروع الخلافة ايضا.ولأن الدولة المصرية هي أكثر دول المنطقة رسوخا وتجانسا ومركزية فلا شك أنها تعتبر الدولة الأخطر من هذا المنظور, لكن الرغبة في تقويض الدول الوطنية في المنطقة لا يقتصر على مصر ولكنه يشمل جميع الدول التي لديها مقومات البقاء والاستقرار كدول قوية يمكن أن تشكل خطرا حالا أو مستقبليا على المصالح الأجنبية في المنطقة, خاصة على أمن إسرائيل. وهم يدركون أنه إذا سقطت مصر فسوف تسقط بقية الدول العربية تباعا, لذلك يركزون الآن على مصر لكن الدول الأخرى مستهدفا, أعتقد أن الخطر بدأ يقترب كثيرا من السعودية التي لن تستطيع أن تعد كثيرا عن مرمى النيران.

فأي دولة مركزية كبيرة في المنطقة تعد عقبة فى طريق فصائل الاسلام السياسي التى تريد الخلافة كا تعد عقبه فى طريق اسرائيل التى ترى ان أي دولة مهما كانت أيدلوجيتها, وطنيةكانت أم عروبية أم إسلامية,لا بد وأن تشكل بالضرورة خطرامحتملا حتى وان لم تشكل في الوقت الراهنخطرا حالا. فمن البديهي أن اسرائيل تفضل ان تتحول الدول الكبرى في المنطقة الى دويلات صغيرة او دويلات غير مستقرة تنتشر الحروب الاهلية بين ربوعها باعتبار أن ذلك يعد أحد أهم الوسائل لإضعاف الدول المركزية القوية. وأظن أن كافة الأحداث الجارية حاليا بالمنطقة تؤكد هذه الحقيقة بما لا يدع اي مجال للشك .

**هل للتنظيمات الجهادية المختلفة علاقة بدول الإقليم تركيا وقطر ؟

بالتأكيد هناك في الإقليم راهنت على جماعة الإخوان المسلمين, خاصة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي.ورغم أن هذه الدول تدرك أن ثورات "الربيع العربي" ليست ثورات اسلامية وأن فصائل الإسلام السياسي, خاصة جماعة الإخوان لم تقم بدور يذكر في تفجيرها, إلا أنها كانت تدرك في الوقت نفسه أن جماعة الاخوان المسلمين كانت هي أفضل القوى السياسية تنظيما وأكثرها ارتباطا بالطبقات الفقيرة والمتوسطة,من خلال تغلغلها في النشاط الخدمي لمؤسسات المجتمع المدني, وبالتالي هي المرشحة طبيعيا للقيادة في مرحلة ما بعد "الربيع العربي".

وعندما وصلت هذه الجماعة للسلطة في تونس ثم في مصر واصبحت مرشحة أيضا للوصول إلى السلطة فى بلدان عربية اخرى,أعتقدت دول عربية, في مقدمتها قطر, ودول إقليمية, في مقدمتها تركيا, وقوى عالمية, في مقدمتها الولايات المتحدة, أن جماعة الإخوان هي الجماعة المرشحة لقيادة المنطقة في المرحلة القادمة, لذا راهنت عليها وقدمت لها دعما سياسيا وماديا هائلا. بل وما زال هذا الدعم مستمرا لهذه الجماعة وللقوى المتحالفة معها في دول مثل سوريا وليبيا وغيرها.ويمكن القول أن قطر دولة صغيرة, وبالتالي يصعب تصور أن تكون لها سياسة مستقلة, لكن تركيا دولة كبيرة لها طموحاتها الإقليمية الخاصة ولا يستبعد إطلاقا أن تكون أحلام الخلافة العثمانية قد داعبت مخيلتها مرة أخرى, فالحزب الذي يقوده أردوغان والذي يدير الدولة التركية منفردا منذ ما يقرب من10 سنوات هو حزب اسلامي له صلات قوية مع جماعة الاخوان المسلمينالتي نشأت مباشرة عقب سقوط دولة الخلافة وللعمل على إعادة إحيائها من جديد.

والطموح الشخصي لأردوغان يغذي هذه الفكرة, لكن ليس من الواضح ما إذا كان أردوغان الذي يقود دولة عضو في حلف شمال الطلسي يرغب حقا في أن يصبح خليفة للمسلمين أم أنه يسعى فقط لتعظيم نفوذه في المنطقة لاستخدامه كورقة للضغط على الدول الأوربية لقبول تركيا دولة كاملة العضوية في الاتحاد الأوربي. ولا جدال في أن الولايات المتحدة تغذي هذا المخطط لأنه يساعد على ربط الاتحاد الأوربي ربطا عضويا بحلف الأطلنطي الذي تقوده ويجعل من الاتحاد الأوربي مشروعا أطلنطيا بامتياز, وبالتالي تابعا للويات المتحدة, وليس مشروعا لإقامة قوة سياسية واقتصادية مناوئة. 

رفضت مصر مساعدة دول التحالف بعد اجتماع جدة للتعاطي مع الأرهاب لماذا ؟

_ لم ترفض مصر الانضمام إلى التحالف الدولي في مواجهة داعشلكنها ترفض إرسال قوات لمحاربة داعش فى سوريا او العراق. فلا يعقل أن تترك مصر تنظيم داعش يعمل في سيناء وأن تذهب لمحاربته في سوريا والعراق.ومن المعروف أن جماعة انصار بيت المقدس,وهي الجماعة الرئيسية التي تحاربالجيش المصري فى سيناء,أعلنت ولاءها مؤخرا لأبي بكر البغدادي وغيرت اسمها إلى "ولاية سيناء الإسلامية". وطالما أن داعش تشن حربا على الجيش المصري فى سيناء فلماذا تترك داعش فى سيناء ويذهب جيش مصر لمحاربتها فى العراق وسوريا.أظن أن الأولى به أن تحاربها داخل حدود الدولة المصرية أولا وهو ما يقوم به الان.لكن مصر ليست ضد فكرة الحرب على الارهاب بل تعتبر أن الحرب على الارهاب يجب أن تكون حربا شاملة على كل التنظيمات الإرهابية مهما اختلفت مسمياتها.فداعش والقاعدة و طالبانوغيرها من التنظيمات المتطرفة هي جماعات تمارس الإرهاب ويشمل نشاطها العالم كله تقريبا, وبالتالي يجب أن تكون الحرب على الإرهاب حربا على كافة المستويات المحلية والإقليمية والعالميةوأن يشمل التنسيق هذه المستويات الثلاث جميعا.

مصر هي إذن مكون أساسي في الحرب على الإرهاب, والنظام الحالى في مصر يعتبر نفسه جزء من التحالف ولكنه يعتبر أن الاولوية فيما يتعلق بالعمليات العسكرية يجبأن تكون على مستوى الداخل المصري مع التنسيق على المستويين الإقليمي والعالمي فيما يتعلق بالنواحي اللوجستية والمعلوماتية. وأظن أن الموقف المصري واضح لا لبس فيه, وهناك حرص على عدم الانجرار إلى مخططات ربما تكون مشبوهة الدوافع والأهداف.

** كيف ينظر الإحتلال الصهيوني إلى سيناء وعلى أي شاكلة يفكر فيها ؟

_ سبق لي أن كتبت عن هذا الموضوع كثيرا وأرجوك أن تعود إلى ما كتبت لأن الحديث فيه يطول. وقداشرت في هذه الكتابات إلى أن تيارات معينة فى اسرائيل وشرائح من النخبة فيها تنظر الى سيناء بإعتبارها عمق طبيعي لقطاع غزة يمكنه أن يساهم في حل مشكلة الاكتظاظ السكاني هناك وربما يساعد على المساهمة في حل جانب من مشكلة اللاجئيين الفلسطينيين ايضا إن اقتضت الضرورة. فأحد الحلول المطروحة إسرائيل لتسوية القضية الفلسطينةتقوم على فكرة رفض قيام دولة فلسطينية على حدود 67 ورفض فكرة التواصل الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ولأن قطاع غزة كان وما يزال يمثل قنبلة سكانية يمكن أن تنفجر في مواجهة إسرائيل في أي لحظة, فإن الحل الأمثل لهذه المشكلة يكمن في تمدد هذا القطاع داخل حدود سيناءحتى لو اضطرت إسرائيل إلى مبادلة الأراضي المستقطعة من سيناء بأراض مساوية في المساحة في المناطق الصحراوية المتاخمة للحدود مع مصر. ومن المعروف أن رابين كان يردد كثيرا بأنه يحلم أن يصحو من نومه يوما فيجد أن غزة قد اختفت من على وجه الأرض وغرقت في البحر المتوسط!. ومن المعروف ايضا أن شارون, أكثر قادة إسرائيلتطرفا وكراهية للفلسطينين, هو الذي اتخذ قرارا منفردا بالانسحاب من قطاع غزة, وأنه لم يتخذ هذا القرار حبا في الفلسطينين أو لتسهيل التوصل إلى تسوية سياسية, بل إن العكس هو الصحيح. كل ما في الأمر أن شارون أدرك أنه لا يستطيع الإبقاء على الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة إلى ما لا نهاية بسبب الكثافة السكانية الرهيبةلهذا القطاع, وأن من الأفضل لإسرائيل أن تلقي بهذا العبء على كاهل مصر!!.

وعندما وقع القطاع تحت القبضة المنفردة لحماس ورأى بعض الفلسطينينأن الأوان قد آن لقيام "إمارة إسلامية" في هذا القطاع, صبت هذه التطورات كلها لصالح إسرائيل كي تحكم الفصل بين الضفة والقطاعوتحول دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا في حدود 1967. وربما يفسر هذا الوضع إصرار إسرائيل على أن تظل سيناء, خاصة الجزء المتاخم لإسرائيل, منطقة منزوعة السلاح. فهذا الوضع يسمح لإسرائيل لاحقا فرض حل على الفلسطينيين يقوم على إنشاء دويلة فلسطينية في قطاع غزة مضافا إليه مساحة من سيناء تصل إلى حوالي 500 كم مربع, مع ابتلاع الضفة الغربية كلها إو إعادة ما لا تريده منها أو ما يتبقى منها بعد استكمال مشروعاتها الاستيطانية إلى السيادة الأردنية.