الشرق الأوسط... علاقات قديمة وتحالفات جديدة

11:06

2014-12-31

مصطفى الفقي

لا يختلف اثنان على أن ما تمر به منطقة الشرق الأوسط حالياً هو من أخطر مراحل تاريخها. فنحن أمام موقفٍ ملتبس على نحو غير مسبوق وأنا ممن لا يميلون الى المبالغة والحديث دائماً عن فترة معينة باعتبارها أهم فترات التاريخ وأخطرها، ولكنني أجازف الآن وأقول إن ما يدور حولنا يؤكد لنا كل يوم أن حدثاً جديداً يقع وأن أمراً غريباً يحدث وأن تطوراتٍ غير متوقعة تجرى على أرض الواقع... تنظيمات جديدة وإرهاب يرتع وتحالفات غامضة وشبكة معقدة من العلاقات السياسية والتطورات السريعة. إننا أمام منعطف يتجاوز كثيراً «سايكس بيكو» والهجمة الاستعمارية في القرن العشرين، لأن الضغوط هذه المرة ليست ضغوطاً خارجية فقط، ولكنّ معها ضغوطاً داخلية أيضاً، وعندما تأتي الضغوط من الجانبين، فإن علينا أن نفكر طويلاً في ما يمكن أن يحدث وما يمكن أن تنتهي إليه الخريطة السياسية في الشرق الأوسط الذي عرفناه، ولعلنا نبسط هنا ما أوجزناه في الملاحظات الآتية:

أولاً: إن متابعة الأحداث خصوصاً منذ بداية ثورات الربيع العربي توحي بأننا أمام مخطط متكامل تقف وراءه عقولٌ مدبِّرة وأن الأمور التي تبدو مفاجئة بالنسبة الينا إنما هي جزء من مخطط صامت يسبقنا ويسيطر علينا، فنحن نرى الأحداث تتوالى في إيقاع منتظم بحيث تظل المنطقة محاطة بتهديدات متتالية لا تعطي فرصة للتعامل مع أحدها إلا ولحقه الآخر حتى نظل دائماً نتطلع إلى قوى أجنبية لتحمينا بينما لا تقنع «الذئاب» بالذهاب والإياب ولكنها تضع شروطاً خفية وتحدد مسارات للمستقبل تُحكم فيه السيطرة علينا بمنطق أن أمن العالم لا يتجزأ وأن ما يحدث هنا يؤثر فيهم هناك، وقد يكون ذلك صحيحاً ولكنه لا يبرر اختلاق الأسباب وتصدير المشاكل طمعاً في ثروات المنطقة وقيمتها الاستراتيجية.

ثانياً: إنني لا أميل إلى التفسير التآمري للتاريخ ولكنني لا أنكر في الوقت ذاته وجود مؤامرات حولنا، وهل كانت عبارة كوندوليزا رايس عن «الفوضى الخلاقة» عفوية؟! وهل كانت أفكار سلفها هنري كيسنجر عن «الغموض البنَّاء» مجرد سفسطة نظرية؟! إن الذي يتابع سياسات الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة خصوصاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومجيء الرئيس الراحل الجنرال إيزنهاور بنظرية «الفراغ» في الشرق الأوسط والتي سعى إلى تطبيقها وزير خارجيته جون فوستر دالاس، يدرك بداية الاهتمام الأميركي بهذه المنطقة والدخول إليها لوراثة الاستعمارين اللذين شاخا وترهّلا مع بداية النصف الثاني من القرن الماضي وأعني بهما الاستعمارين البريطاني والفرنسي.

ثالثاً: إن تنظيماً مثل «داعش» لم يولد بين يوم وليلة ولكنه ظهر وترعرع تحت سمع وبصر أجهزة الاستخبارات الغربية التي تزعم أنها تكافح الإرهاب، بينما هي في الحقيقة التي صنعته، وتبدو مثل من يحضر «العفريت» ولا يستطيع أن يصرفه! وندفع نحن الفاتورة كل مرة دماءً وأموالاً وغياباً للاستقرار ومواجهات لا تنتهي! ولعل الجديد هذه المرة في أمر «داعش» أنه ينطوي على مخطط خبيث لتجزئة الدول العربية وتفكيك أوصالها وترويع شعوبها إلى جانب التشويه المتعمد للإسلام الحنيف.

رابعاً: إن «الإرهاب الأسود» الذي يطل على العالمين العربي والإسلامي يبدو مختلفاً هذه المرة لأنه لا يأتي بدعوى تحرير المنطقة من قوى أجنبية ولكنه يأتي هذه المرة لإسقاط نظم الحكم وتكريس التعصب وتصدير الخوف للأقليات الدينية بل والعرقية أيضاً، ولقد استثمر المخططون لما جرى ثورات «الربيع العربي» ليخرجوا منها بما حدث في الشهور الأخيرة، وأنا لا أشك ـ بالمناسبة ـ في طهارة ثورات «الربيع العربي» وأنها جاءت تلبيةً لنداءاتٍ وطنية تدور حول قضية «العدالة الاجتماعية» ومكافحة الفساد ومواجهة الاستبداد. ومع ذلك، فإنني أزعم على الجانب الآخر أنه قد جرى استغلالها لخدمة أهداف أخرى وتنفيذ مخططات يستثمر أصحابها ظروف الأوطان وأحوال الشعوب، فلم يكن من قبيل المصادفة مثلاً أن تندلع الثورات في تونس ومصر وليبيا في فترة أسابيع قليلة متزامنة مع اضطراباتٍ أخرى في اليمن وثورة دامية في سورية وقلاقل أخرى في مناطق من الوطن العربي.

خامساً: إن التحالفات الجديدة التي أدت إلى وصول «الإخوان المسلمين» الى حكم مصر لعام واحد هي ذاتها التي أدت على الجانب الآخر إلى دعم الحوثيين في اليمن، حتى أن مسؤولاً إيرانياً كبيراً قال إنها رابع عاصمة عربية تقع تحت النفوذ الإيراني بعد بغداد ودمشق وبيروت، وهنا لا بد من أن نتأمل موقف طهران التي تملك أجندةً واضحة، بينما تملك تركيا أيضاً مشروعاً «عثمانياً» جديداً ضربته الملايين المصرية في الثلاثين من حزيران (يونيو) العام 2013، والملاحظ هنا أنه لا يسقط مخطط يهدف إلى ضرب الاستقرار في المنطقة إلا ويأتي بديلاً منه مشروعٌ يستهدف البلاد والعباد، إذ إن الهدف النهائي هو إحكام القبضة على الدول العربية وتوجيه الخيارات الوطنية لخدمة أهداف بعيدة من المصالح العليا لشعوب المنطقة.

سادساً: إن السياسة الخارجية الإيرانية على المستويين الدولي والإقليمي تسعى إلى الوجود المستمر في عدد من أقطار المنطقة وتستخدم «المد الشيعي» للترويج لدورها السياسي، ولقد قلت منذ عقدين من الزمان وما زلت أكرر أن العلاقات بين واشنطن وطهران تحكمها درجة عالية من المصالح المتبادلة، فهناك الاوراق التي تحتفظ بها طهران ومنها إمكانية تهدئة الوضع في العراق والمشاركة في التحالف ضد «داعش» وأخواته فضلاً عن تخفيف الضغط الذي يمارسه «حزب الله» على الحدود مع إسرائيل، كما أن واشنطن تتطلع إلى أن يرث الملالي دور شاه إيران الراحل لتصبح إيران هي «شرطي الخليج» مرة أخرى بينما تسعى إيران على الجانب الآخر إلى الحصول على أموالها المجمدة منذ سقوط الشاه والانضمام الى منظمة التجارة العالمية وتمرير مشروعها النووي وبذلك تلتقي أجندة المصالح بين واشنطن وطهران بما يحقق مكاسب مشتركة للطرفين. وعندما كنت أقول ذلك منذ سنوات عدة، كان الكثيرون يسفّهون ذلك الرأي القائل باحتمالات التقارب الأميركي - الإيراني وها هي الأحداث الأخيرة خصوصاً منذ وصول الرئيس حسن روحاني إلى الحكم توحي بصدق ما توقعناه والمضي في طريقه.

سابعاً: إن الدور المصري - حضوراً وغياباً - يمثل أهمية خاصة بين دول المنطقة، والدليل على ذلك أن تراجع هذا الدور بعد «كامب ديفيد» قد أدى إلى تداعيات سلبية خطيرة على المنطقة كلها وأحدث تغييرات جذرية في مراكز القوى الشرق أوسطية. إن غياب مصر ليس انتكاسة لها وحدها ولكنه يجد صداه في عالمنا العربي بل ويسمح لقوى أخرى أن تحتل مواقع لم تكن لها لولا غياب الدور المصري. إن ذلك يعني ببساطة أننا أمام معادلة هامة وهي أن غياب مصر إلى جانب اختفاء التأثير القومي للعراق وتورط سورية في مأساتها الحالية، كل ذلك قد أدى إلى انقضاض إيران وتركيا وإسرائيل على المنطقة والكل ينهش في الجسد العربي ويستثمر التيارات الإرهابية لتحقيق أهدافه الخبيثة.

إننا نهدف من هذه الملاحظات السابقة أن نضع أمام القارئ العربي صورة للمشهد المعقد في المنطقة والذي يوحي بأننا أمام سلسلة متوالية من المطبات السياسية والتعقيدات الجيوبوليتيكية التي قد تؤدي للأسف إلى سقوط أنظمة وتحطيم دول وتجزئة كيانات، خصوصاً أن التحالفات المشبوهة والترتيبات الغامضة تمهد لمستقبل لا يخلو من تعقيدات مزمنة، ويكفي أن هناك ما يتردد بأن دولاً عربية دعمت «داعش» مادياً وأن أخرى ساهمت في وصول الحوثيين إلى عاصمة «اليمن السعيد»، فإذا كان ذلك صحيحاً فإنه يعني أننا أمام حالة يصعب فهمها أو اكتشاف أبعادها، خصوصاً أن إسرائيل لديها مشروع تاريخي يقوم على مفهوم إرهاب الدولة في مواجهة الفلسطينيين والجيران العرب، كما أن إيران لديها أجندة طويلة المدى، كذلك يملك الأتراك برنامجاً يقوم على أحلام تاريخية يريدون بها استعادة أوهام الماضي، كل ذلك والعرب وحدهم هم الذين لا يملكون الأجندة ولا المشروع ولا البرنامج! إنهم ببساطة كالأيتام على مائدة اللئام في ظل علاقات قديمة وتحالفات جديدة.