بعد 50 عاماً على انطلاق المقاومة الفلسطينيّة

12:50

2014-12-30

كلوفيس مقصود

مع مطلع عام 1965 من القرن الماضي، أعلن المناضل ياسر عرفات ورفاقه انطلاقة المقاومة الفلسطينية الملزمة بالتحرير وحق العودة وامتلاك القرار الوطني الفلسطيني. بعد سنتين، وقع عدوان 1967 الذي أدى إلى احتلال أراضٍ في مصر والأردن وسورية. كانت صدمة قوية لدى الجماهير التي كانت في حالة تعبئة، بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والذي استولد الأمل بتحقيق الوحدة العربية. وكان من آثار ذلك أن وقعت معركة الكرامة التي أبدت فيها المقاومة الفلسطينية مقاومة بطولية، خفّفت من وطأة الشعور بالهزيمة، وأوحت باستئناف النضال المقاوم لإسرائيل واحتلالها وعدوانيتها.

قبل العدوان، كانت الجماهير مع عبد الناصر تلقائياً. بعد الكرامة، بقيت الجماهير على تأييدها له، ولكنها منحت دعمها قيادة المقاومة الفلسطينية. آنذاك، تولّت منظمة التحرير عملية التعبئة القومية بمشاركة فصائل الثورة الفلسطينية كافة، خصوصاً الجبهتين الشعبية والديمقراطية. وعلى الرغم من أن النظامين السوري والعراقي قد أسّسا فصيلي الصاعقة وجبهة التحرير العربية، إلا أن “فتح” بقيت العصب الرئيسي للمقاومة.

استمرت المنظمة في ذلك الحين الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، بهدف مجابهة الغبن التاريخي ومقاومة إسرائيل وعدوانيتها. كان الاعتقاد السائد أن المنظمة تمثل الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة. وعلى الرغم من خلافات كثيرة مع بعض الأنظمة، الأمر الذي كان مفهوماً، إلاّ أن الصدمة الكبيرة التي أدخلت تغييرات أساسية على الخارطة العربية جاءت إثر زيارة الرئيس المصري، أنور السادات، إلى إسرائيل، وبداية مسلسل التداعيات للحالة العربية والتأثيرات السلبية التي استولدتها هذه الزيارة، وبعدها معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل.

وعندما انعقدت قمة بغداد، تم إسقاط عضوية مصر من جامعة الدول العربية، إلا أن المعادلة الجديدة دفعت إلى اتخاذ قرار القمة عام 1974 قرار اعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. بذلك، تجاوبت القمة العربية مع رغبة القيادة الفلسطينية بأن تكون المنظمة سيدة القرار الفلسطيني.

بمعنى آخر، جاءت هذه التطورات لجعل القرار الفلسطيني مدعوماً عربياً، لكن ليس عربياً. وعلى الرغم من أن القرار الفلسطيني بقي قادراً على استمالة التأييد العربي، إلا أنه عزّز باللاوعي مفهوم السيادة عند الدول العربية، وأضعف العامل القومي العربي. وفي هذا السياق، جاءت معاهدة كامب ديفيد التي جرى توقيعها في البيت الأبيض، أيام الرئيس جيمي كارتر، لتحسم ترجيح القرار الوطني على القرار القومي.

وأدت هذه الخلفية إلى تمكين منظمة التحرير من أن تتخذ قرارات بنفسها، وتطالب الدول العربية بدعمها، بدلاً من مشاركة عملية تجعل القرار قومي الطابع، وبما يعطي مزيداً من القناعة للمطالب والقرارات الفلسطينية.

كانت الجماهير العربية، وما زالت، تحتضن الشعب الفلسطيني ونضاله بشكل تلقائي. لكن المنظمة ارتأت أن تكون “دبلوماسيتها” في التسعينات، إلى الآن، صدى، وإلى حد كبير، لمقولة الرئيس السادات الشهيرة إن 99% من الأوراق بيد الولايات المتحدة. هذا ما يفسر تقريباً الناحية العبثية، لأنه لم تكن هناك “مفاوضات” بالمعنى الدقيق. فالتفاوض ينطلق من اتفاق مسبق على الأهداف، “أي حل الدولتين”. لكن إسرائيل، منذ اتفاقية أوسلو، لم تسلّم مطلقاً بأن نتيجة “المفاوضات” ستكون دولتين، إحداهما فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. بل إنها كانت مباحثات عبثية، كما هو معروف الآن. وممّا زاد في التعقيد أن إسرائيل، منذ عام 1967، لا تعترف بأنها سلطة احتلال، لأنها لو اعترفت، لكان عليها الالتزام بإدارة الأراضي المحتلة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة التي لا تجيز للمحتل القيام بأي تغيير جغرافي أو ديمغرافي في الأراضي المحتلة، ما يفسر تنامي المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، فبعد أن نالت الأكثرية منظمة حماس، اعتبرت إسرائيل قطاع غزة belligerent sui generius، أي كياناً عدائياً، لا بلدية ولا دولة ولا مقاطعة. بل مجرد كيان. ما يفسر شراسة الاستباحة في الحروب الثلاثة عليها، كما في اعتراض إسرائيل الشديد على تشكيل حكومة رامي الحمد الله التي تمثل حكومة المصالحة الوطنية. والجدير بالذكر أن الرئيس محمود عباس لم يزر غزة، بعد العدوان الأخير على القطاع.

يتبيّن أن عدم الدقة في تحديد الأوضاع القانونية في الضفة الغربية واستمرار توصيفها بأنها “محتلة”، تنزع عنها صفتها الحقيقية بأنها أرض مغتصبة، تصرفت بها إسرائيل، وكأن شرعية مستوطناتها عليها أمر مسلّم به. عندما انتقد البيت الأبيض البناء في شرق القدس، وصف نتنياهو كلامه بأنه “غير أميركي”. كما أن وزير الدفاع الإسرائيلي عبّر عن معارضته قيام دولة فلسطينية بصورة متهكمة، قائلاً إن “في وسعهم أن يسموها امبراطورية إذا شاؤوا”. وعندما أعلنت المحكمة الأوروبية أن حماس ليست إرهابية، قال نتيناهو إن “الأرض الأوروبية مغمّسة بدم اليهود”.

في الأسابيع الماضية، تقدم الوفد الفلسطيني في الأمم المتحدة بمشروع قرار دعمته المجموعة العربية، وكان متوقعاً أنه إذا طرح، فإن واشنطن ستستخدم الفيتو. حاول الجانب الفلسطيني الاتصال بالأوروبيين لتعديل المشروع، بما قد يؤمّن قبوله، على الرغم من إضعاف المطالب الفلسطينية. حتى هذا لم يرق لواشنطن التي اقترحت تأجيل طرحه للمناقشة، إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.

في هذه الأثناء، تذمر نتنياهو، في خطابه في معهد صبان بواشنطن، من أن الفلسطينيين يرفضون أن يتحاوروا على شرعية أمن إسرائيل، كما رفضوا البحث بأن إسرائيل هي دولة قومية للشعب اليهودي، في حين يطالبون إسرائيل الاعتراف بأن فلسطين دولة للشعب الفلسطيني! والجدير بالذكر هنا أن الشعب الفلسطيني يعد حوالي 6 أو 7 ملايين، بينما اليهود في العالم يتجاوزون ذلك بكثير. بالإضافة إلى أن حرمان اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة إلى أرضهم يقابله حق اليهود في العالم العودة إلى إسرائيل. وكانت هذه النقطة واحدة من العقبات التي أفشلت مهمة وزير الخارجية الأميركي، جون كيري.

ما نحن بصدده، الآن، في ما يتعلق بالفلسطينيين، يكمن في غموض صلاحيات منظمة التحرير، السلطة الوطنية، حكومة الوحدة الوطنية. مثلاً مَن هو “المفاوض” الرئيسي؟ هل هو صائب عريقات، كبير المفاوضين، أم وزير الخارجية؟ وما هي السلطة الوطنية ودورها إزاء حكومة الوحدة الوطنية؟ هذه المؤسسات لا يوجد وضوح كاف في طبيعة العلاقات في ما بينها، وليس هناك وضوح في الصلاحيات التي تمارسها. قد يكون هناك منطق في هذا التعدد، ولكن، توجد أيضاً التباسات.

الآن، أعتقد أنه حان الوقت لخروج القضية من حالة اللاحسم، وأن تبادر السلطة والحكومة إلى اتخاذ قرار بالذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية في روما، لمحاكمة إسرائيل على ما ارتكبته من خروق للقانون الدولي والشرعية الدولية، وأن تعمل على تفعيل حقها في الانضمام إلى الوكالات التابعة للأمم المتحدة، لتأمين الحقوق الوطنية والقانونية التي حان الوقت أن تمارسها فلسطين. ذلك أن المباحثات وخريطة الطريق وما يسمى المفاوضات أصبحت تمرينات في العبث، وأن تخرج القيادة الفلسطينية بعد خمسين عاماً من سجن اللاقرار.

الأمة العربية بحاجة ملحّة إلى أن تسترجع فلسطين وجودها السيّد، لأن هذا يساهم عملياً بإعادة اللحمة بين الشعوب والدول العربية؛ لأن فلسطين، في نهاية الأمر، هي البوصلة التي تخرج أمتها العربية من أزمات التفكيك المتراكمة التي بدورها فاقمت الأزمة التي تعيشها الأمة العربية اليوم.