كيف تواصل الجامعة العربية رحلة التراجع؟

07:54

2014-09-05

رغيد الصلح

يعقد مجلس الجامعة العربية دورته الجديدة على المستوى الوزاري لكي يبحث جدول أعمال مطول يشمل ثلاثين بنداً . في مقدمة هذه البنود القضية الفلسطينية، الأزمة السورية، أوضاع ليبيا والسودان واليمن ومكافحة الإرهاب، ترسيخ حقوق الإنسان، فضلاً عن ملف إصلاح الجامعة العربية . كل بند من هذه البنود يستأثر باهتمام النخب الحاكمة والرأي العام في البلاد العربية والأجنبية والدولية . ولكن هذا الاهتمام لا يشمل - للأسف - موقف جامعة الدول العربية وآراءها في هذه القضايا . لقد تحولت الجامعة إلى لاعب مهمش على المسرح العربي .
هذا الوضع لا يقتصر على المنطقة العربية، ولا على الجامعة العربية وحدهما، وإنما على شتى مناطق العالم ومنظماتها الإقليمية . فعندما تقع الحروب وتتفاقم النزاعات المسلحة يتضاءل دور هذه المنظمات، وتحل محله أدوار الدول التي تملك الصواريخ والرؤوس النووية، أو الحديد والبارود في العهود السابقة . فبعد أن خرجت عصبة الأمم من رحم الحرب العالمية الأولى ومعاهدات السلام، ذهب الغزو الإيطالي إلى الحبشة بتلك المنظمة الدولية . إن الجامعة لم تذهب ولكنها قائمة، ولكن بقوة الاستمرار ليس إلا .
كانت مؤتمرات الجامعة تثير التفاؤل عند بعض الناس، حتى إذا تم انعقادها وصدرت قراراتها وتبين أنها مجرد حبر على ورق تحول التفاؤل إلى خيبة أمل . هذا النهج لم يعد قائماً . حل محله شك مسبق في نشاطات الجامعة واعمالها . هذا النهج الجديد ليس موقفاً تجاه الأمين العام للجامعة فهو يحظى بالاحترام والمحبة . ولكن هذا الموقف هو وليد التراجع المستمر في أداء الجامعة منذ سنوات طويلة وحتى الآن، وهو أيضاً وليد التفاوت الكبير بين التحديات التي تواجهها الدول العربية والنظام الإقليمي العربي، من جهة، والقدرات المحدودة التي تملكها أو تستند إليها الجامعة من أجل التعامل مع هذه التحديات .
لقد نشأت الجامعة للتنسيق بين دولها وللنظر في شؤونها ومصالحها . ولكن ماذا يتبقى من الجامعة إذا أعرضت دولها عن التنسيق فيما بينها؟ وكيف للجامعة أن تنسق بين الأعضاء إذا تحولت هي في حد ذاتها إلى أرض احتراب وبين دول الجامعة الرئيسية؟ وماذا يكون مصير الجامعة إذا اتسم عملها بالكثرة في إنتاج القرارات والندرة في تنفيذها؟ وما هي التكلفة التي تتكبدها الدولة العضو إذا احجمت عن تنفيذ قرارات الجامعة؟
خلال المراحل السابقة حاولت الدول الأعضاء التوفيق بين حدين: من جهة أن تسهم في اتخاذ القرارات التي ترضي الرأي العام العربي، أو بالأحرى ترضي الرأي العام المؤيد لفكرة التضامن والتكامل بين الدول العربية . ومن جهة أخرى، أن تمتنع عن تنفيذ هذه القرارات فترضي القوى المناهضة لهذه الفكرة . وقد اختلفت هذه المرحلة عن المراحل السابقة اختلافاً كبيراً . في الماضي كان مجرد اقتران مؤسسة أو مبادرة سياسية بالفكرة العربية يكفي لكي تحظى هذه المؤسسة أو المبادرة بالمشروعية وبالاحتضان . ولئن لم تحظ الجامعة عند تأسيسها بالاحتضان الكافي، فلأنها لم تعبّر، في نظر أكثرية من العرب، عن تلك الفكرة تعبيراً كافياً . الأكثرية كانت تطالب بالوحدة، بينما جاءت الجامعة بفكرة التنسيق . والأكثرية كانت تريد كياناً عربياً مناهضاً للاستعمار والهيمنة الأجنبية، فخرجت الجامعة إلى الوجود وهي متهمة بأنها كانت أداة اخترعها الاستعمار لتنفيذ مشاريعه .
الآن، وفي ظل التراجع الذي أصاب الفكرة العربية، فإن عضوية الجامعة في حد ذاتها لم تعد مصدر كسب معنوي للنخب الحاكمة في الدول الأعضاء . كانت هذه الدول تحتاج إلى اجتماعات الجامعة ونشاطاتها لكي تعطي من خلالها الدليل الملموس على التزامها بالقضية العربية . وكان هذا الالتزام يشكل مصدر مشروعية للحكومات . وكان هذا المصدر محدود التكلفة، بحيث إنها لم تكن تتجاوز الموافقة الشكلية على بضعة مقررات، وتزويد الجامعة بإداريين قلائل يكونون غالباً من أقارب الزعماء المتنفذين في بلادهم . الآن تراجعت الجامعة وتزايدت إخفاقاتها واشتدت الحرب عليها وعلى ما تمثل من مفاهيم وتطلعات سياسية واقتصادية واجتماعية وتراجعت مكانتها إلى درجة أنها لم تعد مصدر موثوق للشرعية العربية .
كيف تسترجع الجامعة العربية مكانتها وكيف تسترد دورها كسلطة معنوية إقليمية قادرة على إمداد أو حرمان القيادات السياسية من المشروعية، وكيف للجامعة أن تستعيد للفكرة العربية تأثيرها وما يعنيه ذلك من القدرة على التنسيق بين الدول العربية وتعبئة طاقاتها وقدراتها لدرء حرب الإرهاب والتوسع على العرب، والسير بهم على طريق التنمية النهضة والديمقراطية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة . وهي لا تقل خطورة عن القضايا الأخرى الساخنة التي سيبحثها الوزراء العرب يوم الأحد المقبل . المأمول أن تكون الأمانة العامة قد أعدت ملف تطوير الجامعة إعداداً جيداً . إذا أخذ ببعض التجارب السابقة التي تطرقت فيها مؤتمرات الجامعة ومقرراتها إلى هذه القضية، فإن الأرجح ألا تكون التجربة الجديدة مشجعة . وإذا أخذ في الاعتبار الطريقة التي اعتمدت في مناقشة التقارير التي تكوّن منها الملف، فإنه من المرجح أن تكون التجربة الجديدة متخلفة عن تجارب سابقة . فعلى الأقل جرى في تلك التجارب الإعلان المسبق عن مقترحات التطوير والإصلاح . بهذه الطريقة أمكن للمواطنين المعنيين بقضايا العلاقات العربية العربية أن يناقشوا هذه المقترحات، وأن يبدو آراءهم ومواقفهم منها .
أما في المحاولة الراهنة فقد أبقيت المقترحات ومشاريع الإصلاح والتطوير قيد الكتمان . وما عرف منها وعنها كان نتيجة التسريبات غير الرسمية . وهذه الطريقة لا تنسجم مع المساعي الرامية إلى إعادة الاهتمام بالجامعة ولا إلى تكوين وعي عام حول العلاقات العربية العربية . إنها لا تنمي حس المواطنين حول متطلبات خوض معركة الدفاع عن الأمن الإقليمي العربي ضد الصهيونية والتعصب الديني ومشاريع الهيمنة والسيطرة على المنطقة العربية . طريق التعتيم على مقترحات الإصلاح والتطوير لا تنتمي إلى عصر الشفافية ولا القرن الواحد والعشرين .