تونس تظفر بديمقراطية مستدامة

12:47

2014-12-28

عدلي صادق

بعد أن انتهى المارثون الانتخابي الأخير في تونس؛ بدأ التونسيون، مرحلة مهمة من ديمقراطية مستدامة لجمهوريتهم الثانية. فالرهانات كثيرة، لكن النَفس الشعبي وإرادة الشباب يمدان رجل العهد، ذا الأعوام التي جاوزت الثمانين، بروح جديدة. فقد انتصر المجتمع المدني على الظلامية التي تفشت وكادت تعصف بالبلاد، ولم يكن للغنوشي غباء أمثاله من مرشدي الإسلام السياسي. وكانت التنظيمات والنقابات الشبابية في مجتمع تونس، مع مؤسسات الدولة، سداً واقياً. ولعل أبرع ما أظهرته النُخب السياسية، أنها استوعبت الإقبال الشبابي الذي نهض بالثورة وفجرّ الحدث التاريخي، واعتمد لغته حيال الحياة العامة، خدمة لمشروع اجتماعي يجعل من التونسيين مجتمعاً منتجاً وخلاقاً وطموحاً، لا عزوف للشباب منه وفيه عن السياسة. فالمسألة بالنسبة للشباب، تتعلق بمصير وطن وبمستقبل حياة. فحسب تقرير للبنك الدولي نُشر قبل أيام؛ يعاني الشباب التونسي من ارتفاع معدلات البطالة والإحباط، وهنا تكمن خطورة الواقع الذي لا بد لمواجهتها من إبحار في رحلة الوصول بتونس الى بر الأمان!


ولأن كل شيء لا بد أن يتأسس على السياسة؛ فقد جاءت بعض التطورات على صعيد المعركتين الانتخابيتين الأخيرتين، مبشرة بالاستقرار. فعلى مستوى البرلمان، سجلت الطبقة السياسية، بعض اللقطات الرمزية في هذا الاتجاه، تنم عن رغبة التونسيين في تكريس التنافس الديمقراطي في إطار نظام سياسي يتسع للجميع. ففي الانتخابات على موقع النائب الأول لرئيس البرلمان، خسرت أرملة المعارض اليساري محمد البراهمي الذي اغتاله متطرفون، أمام الشيخ "النهضوي" عبد الفتاح مورو، الذي بادر الى تقبيل "مباركة عواينية" من رأسها وسط تصفيق البرلمان. كانت تلك، أشبه بمصالحة لا بد منها، بعد أن كانت "مباركة" أرملة البراهمي، قد اتهمت "النهضة" بالوقوف وراء قتل زوجها. ففي تلك اللقطة، كأنما التونسيون حسموا أمرهم قائلين إن طريق العنف لا نهاية له، ولن يجرُ سوى المزيد من الآلام وسفك الدماء!
يحلّ باجي قايد السبسي في قصر قرطاج، وهذه لحظة قد هَرِم دون أن يجرؤ على أن يتمناها أو ينتظرها. ولا مناص بعدئذٍ، من حكمة الشيوخ، لأن البديل هو الاضطراب والفتنة. ومثلما قال رئيس حملة حزب "نداء تونس" تعقيباً على فوز مرشح حزبه: "إن المؤقت، قد انتهى من دون رجعة..بعد أن عشنا ثلاث سنوات من الفقر المؤقت والإرهاب المؤقت"!


قبل حسم السباق الى قصر قرطاج؛ دلت انتخابات رئاسة البرلمان، على إمكانية التشارك بين الأطياف السياسية. فقد أسفرت النتائج عن "ترويكا" لرئاسة مؤسسة الرقابة والتشريع، تتشكل من "نداء تونس" وحركة "النهضة" وحزب "الاتحاد الوطني الحر". وكان هذا التدبير التوافقي، بمثابة تعبير عن امتنان "نداء تونس" لموقف الحركة المنافسة، التي دعت المواطنين الى "المشاركة المكثفة في الانتخابات والحرص على سلامة العملية الانتخابية، وتأمين نزاهتها وشفافيتها". فضلاً عن ذلك، أظهرت "النهضة" موقفاً يختلف تماماً عن مواقف حلقات "إخوانية" أخرى، عندما حرصت على إيضاح موقفها المتعلق بمواصفات الرئيس المنتخب، ودعت مناصريها وعموم الناخبين الى اختيار "المرشّح الذي يرونه مناسباً لإنجاح التجربة الديمقراطية، وتحقيق أهداف الثورة"!


الباجي قايد السبسي، طمأن مواطنيه على أن عجلة التاريخ تدور الى الأمام. لم يهرب بن علي لكي يعود في إهاب سواه. لقد كانت ملحمة انبعاث لشعب تونس الشقيق، انبثقت من تحت رماد القهر والفساد، انتصر فيها الشباب المتعطش الى الحرية والعدالة، ثم حملوا الى قصر قرطاج، مرشحاً ضامناً لبقاء الدولة عارفاً بخباياها، وحمل بعضهم الى مقاعد المعارضة، قوى ذات أوزان اجتماعية معتبرة، بمقدورها أن تعترض وأن تؤثر بقوة، في سياق ديمقراطية مستدامة.