جدد دعوته للسيسي بإنشاء تحالف أو جبهة وطنية

هيكل: العالم العربي يستطيع أن يلعب دوراً بتوظيف “قوته السائلة”

13:18

2014-12-27

الشروق العربيتوقع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل أن تكون زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى بكين "نواة لمشروع اقتصادي كبير، يتوج بانضمام مصر لمجموعة الدول النامية القوية في الاقتصاد العالمي المعروفة ب "البريكس" مشيراً إلى أن الهدف الرئيسي للمجموعة التي تمثل أكثر من 22% من اقتصاد العالم، والتي تضم (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)، هو الخروج من السيطرة الأمريكية، وعدم التقيد بنظام الدولار، على نحو ما يجرى منذ فترة، لافتاً إلى أن الإشارات الموجودة حالياً تقول إن هناك مشروعاً ينتظرنا، وأن الخطوات يجب أن تسير في هذا الاتجاه وفي هذا التجمع المحدود ذي القوة الاقتصادية .


قال هيكل إن مصر لا يمكن أن تتحرك بمفردها في العالم، مشيراً إلى أن "عصر المقاتل الوحيد انتهى"، وهو ما يعني نهاية انفراد الولايات المتحدة بإدارة شؤون العالم، "فالأنظمة التي تبدأ في التراجع، بعد ظهور فشلها، تقوم محلها أنظمة أخرى تبدأ في التقدم"، ورأى أن الولايات المتحدة تعيش الآن مرحلة "هبوط الإمبراطورية الأمريكية" في مقابل ظهور الصين، التي تقف على قائمة الدولة المؤهلة للصعود في العالم في عام 2015 ومن بعدها الهند، لكنه أضاف أن "الصعود هنا ليس سُلماً وإنما سيتم عبر عملية مستمرة بخطوات دؤوبة، وبأهداف محددة وطريق واضح" .


وتوقع هيكل في الجزء الثالث والأخير من حواره مع فضائية "سي بي سي"، ليلة أمس، أن تلعب روسيا دوراً كبيراً في إدارة التوازن بين دول العالم في العام الجديد، مشيراً إلى أن الإمبراطورية السوفييتية قضت بطريقة مهينة، بعد أن خرجت روسيا من تسوية الحرب الباردة بمهانة، وأنها كانت تشعر بأن القيادة في ذلك الوقت لم تكن على مستوى التحدي، لكنها تدرك الآن أن وقت التصحيح قد جاء . وقال إن العالم العربي يستطيع أن يلعب دوراً في العام المقبل، إذا ما أدرك مكامن القوة فيه، وعلى رأسها ما وصفه ب "القوة السائلة"، مشيراً إلى أن عودة العالم العربي إلى الخريطة الدولية مرهونة بإدارة هذه القوة، "فنحن لدينا الثروة ممثلة في المال السائل، والغاز والبترول، وهي أشياء تمنحنا القوة والقدرة، لكن ذلك كله يقتضي أن تدار من مركز واحد" .

ولفت هيكل إلى نوعين للقوة، أحدهما القوة الصلبة وما تمثله من سلاح، وما هو خلفه من المال والقوة الاقتصادية، ثم القوة الناعمة، حيث تقول إنجلترا مثلاً إن اللغة الإنجليزية هي لغة المستقبل، وفرنسا بأنها الفن والأناقة، وأضاف: "لقد بدأنا نشعر بالقوة بعد حرب عام 73 بعد الأداء العسكري الهائل، وعندها بدأ القرار يظهر العالم العربي في شكل قوة، لكنها ليست القوة الصلبة ولا القوة الناعمة، لكن قوة سائلة بوسائل تمثلت في النقد والبترول ومجمل العلاقات" . وقال إن القاهرة في وقت من الأوقات كانت تتمتع ب "قوة ناعمة" كان لها صوت مسموع، قبل أن تنتقل في وقت لاحق إلى بيروت التي أخذت دوراً مهماً لأنها أصبحت القاعدة الخلفية لأموال البترول، ثم انتقل المركز بعد ذلك إلى الكويت ومنها إلى دبي . 


وعرج هيكل على الانتخابات التونسية وما أسفرت عنه من نتائج، واصفاً ما جرى في تونس بأنه "انتقال منطقي جداً، من نظام بن علي إلى نظام جديد لا يزال يتشكل"، لكن حجم التغيير فيه ليس كبيراً كما هو الحال في مصر"، وقال هيكل إن فوز السبسي ب5 .55% من الأصوات، على منافسه المرزوقي يعني أن الأخير لم يكن مرشحاً إسلامياً، لكنه كان مدعوماً من التيار الإسلامي، وقال "أنا أعتقد أن هذا الوضع بالنسبة لتونس هو وضع معقول جداً، ويثبت أن قوة تيار الإسلام السياسي ليست كما كنا نتصور، وليست كما يدعي بعض الناس" .


وقال هيكل: كنت أتمنى لو تصرف الإخوان في مصر كحزب سياسي، لكنهم مع الأسف الشديد، لم يفعلوا، وهذا أحد أكبر أخطائهم، وقد خرجوا من الحكم أكثر فداحة وفظاعة مما لو بقوا في الحكم، فهم لم يتصرفوا كحزب سياسي وأثبتوا أنهم لا يعرفون معنى السياسة، لأننا في النهاية كان بإمكاننا أن نتحدث عن معادلات سياسية، وليس التحدث عن خلافة، ولا مشروع من الخارج تقوده تركيا" . واعتبر أن تيار الإسلام السياسي يثبت كل يوم أنه لا يملك رؤية للمستقبل، مشيراً إلى أن أول كارثة حلت بالإسلام السياسي، تمثلت في تجربة الإخوان في مصر، "وقد كان عليهم الالتزام بنصيحة الغنوشي عندما قال لهم لا تتصرفوا كتنظيم دولي أو جماعة أو كإرهاب، وقد جاءت لهم هذه النصيحة من داخل جناح عاقل وفاهم ومتصل بالعصر من داخل تونس، ولو كانوا عقلاء لكانوا التزموا بهذه النصيحة، لكن الأزمة الحقيقية بدأت مع تجربة الحكم التي لم تكن مستنيرة أو مفيدة على الإطلاق ولا نافعة" .


ووصف هيكل المصالحة المصرية- القطرية بأنها "خطوة على الطريق الصحيح"، مشيراً إلى أن إغلاق قناة "الجزيرة مباشر مصر"، عقب إعلان نجاح مبادرة الملك عبدالله، "كان قراراً قطرياً لمصلحة قطرية مباشرة، وليس له علاقة بمصر"، وقال "أعتقد أن القيادة القطرية أدركت بعد لحظة حماس، أن هذا المشروع خطأ، وأنه قد أضر بهم من دون قصد، وقد قلت لهم سابقاً إن هذا أمر خطأ، وسيكون مستفزاً للشعب المصري، لكنهم لم يصدقوا ذلك في بداية الأمر"، وتابع: أعتقد أن القيادة القطرية وجدت أن الجزيرة مباشر مصر أصبحت نقطة تجمع سياسي لأنصار الإخوان، وتحولت إلى ذريعة لتجمعهم في الدوحة، بحجة أنهم يخدمون في القناة، وهو ما سبب نوعاً من القلق للقيادة القطرية، لذا فإنني أعتقد أن القرار كان موجوداً، لكنه كان ينتظر اللحظة المناسبة، وقد كانت خطوة في منتهى الذكاء، لكنه ذكاء قطري" . 


وقال هيكل إن الولايات المتحدة توظف كل شيء أمامها الآن من أجل استمرار هيمنتها على المنطقة العربية، مشيراً إلى أن القوة عندما تجد نفسها مضطرة للتراجع، تبحث عن انتصارات ولو على حسابات آخرين، وتخدم تراجع قوتها بزيادة العنف، مشيراً إلى أن الحروب التي خاضتها أمريكا سواء في أفغانستان أو العراق، تكشف عن سلوك "إمبراطورية فقدت وسائلها في القوة الحقيقية، وتغطي التراجع باستخدام آخرين بالعنف"، مشيراً إلى أن كل ما يخشاه من "داعش" في المستقبل القريب، هو أن تجد مع الضعف الموجود في العالم العربي، فرصة لما وصفه ب "الإرهاب الاستثماري"، مضيفاً أن "داعش" جاءت وقامت بالاستيلاء على قطعة أرض بين سوريا والعراق، واستولت على آبار بترول، وتقوم الآن بتصدير نصف مليون طن يومياً، وبالتالي أجد من الخوف أن تجد "النصرة" فرصة لأن تستولي على أرض، وتقيم مشروعاً استثمارياً على غرار "داعش" . وقال إن العالم العربي يجب أن يدرس جيداً اليوم، كيف يمكنه أن يدير ما تبقى له من موارد، تحت إدارة متسقة بشكل ما، وفاهمة بشكل ما، وتساعد في ترتيب الأحوال، وذلك عن طريق إنشاء تحالف عربي، لإدارة "القوة السائلة" وأن يكون له مجرى له ضفاف وله هدف، مشيراً إلى أن الخطر الحقيقي يتمثل في أن يحول الإرهاب نفسه لدولة لها موارد .


ودعا هيكل إلى أن تدار الانتخابات البرلمانية المقبلة في مصر، بطريقة معقولة، حتى يستطيع أن يقول الشعب رأيه، وطالب الرئيس السيسي بأن يساعد مرشحيه، الذين وصفهم بأنهم "مرشحو المستقبل والأمل"، حتى يمكن أن يساعدوه برلمانياً وبطريقة ديمقراطية، في تجاوز الجسر الصعب الذي نحن فيه . وأضاف "إنني أرى حالة من الفوضى موجودة، يجسدها التنازع القائم، وحالة الأحزاب وإرهاب الإخوان، والأمر هنا يقتضي إدارة التناقضات السياسية، ودعا السيسي إلى جولة تشاور مع كل القوى، وأن يبحث عن عناصر جديدة وهي موجودة بالفعل، مجدداً دعوته إلى إنشاء كيان سياسي ما، جامع لأكبر قدر ممكن، يسميه حزب أو جبهة وطنية . وقال "أعتقد أن السيسي من الصعب عليه أن يؤسس حزباً، لكن بوسعه أن يقود تحالفاً، على أساس رؤية، لأنه في النهاية رجل قادم ويريد أن ينفذ ويهتم بالتنفيذ، أكثر من اهتمامه بالتنظير أو الرؤى، لكن كل شيء لابد أن يحدث في إطار سياسي، هو أمامه تحد، إذا لم تكن تريد حزباً فأمامك تحالف أو جبهة وطنية" . وأشار إلى أن هذا التحالف سيكون هو السبيل الوحيد لمواجهة ما وصفه ب "أوهام البعض"، الذين تابعوا ما حدث في تونس، وتصوروا أنه عودة للماضي، وهو تصور موجود منذ براءة مبارك، من أول حملة العلاقات العامة التي أديرت لإظهار أن الرجل غلبان ولم يفعل شيئاً . وقال هيكل: "البعض يقول أغلقوا ملفات الماضي وانظروا إلى المستقبل، وأنا أريد أن أقول إنه إذا أخذت كل شيء بمنطق طي صفحة الماضي، والنظر إلى المستقبل، فإن ذلك يعني إغلاق ملفات الماضي كما ينبغي، وعلى ضوء حقائق حقيقية، والا فسوف تظل أشباحه تطاردنا في المستقبل وهذا ما أخشاه" .