ميليشيا بدر تكشف دموية الفكر الطائفي

13:58

2014-12-26

الشروق العربيبغداد- في نوفمبر الماضي أدرجت الإمارات العربية المتحدة منظمة بدر كتنظيم إرهابي ضمن 83 منظمة وجماعة بينها 5 عراقية هي: “منظمة بدر” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله” و”كتائب لواء اليوم الموعود” و”جماعة أنصار الإسلام”، وقد عرفت هذه المنظمات بعلاقاتها مع إيران التي أشرفت على تشكيلها وتسليحها وتمويلها، فضلا عن التبريرات الدينية التي تقدمها الوجوه الطائفية الشيعية المشتغلة في دوائر المصالح الإيرانية.

ظهر فيلق بدر الشيعي الجناح المسلح للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، في ظروف دولية وإقليمية وعراقية صعبة ومعقدة كان فيها النظام البعثي يشكل قوة إقليمية ذات بأس.

وقد حطم فيلق بدر الصورة التقليدية للمعارضة في المنفى، التي تكتفي بجلسات المؤتمرات وإصدار البيانات والتنقل بين الفنادق والتنعم بحق اللجوء والظهور الإعلامي، بإعلان العمل العسكري المباشر ليس ضد النظام فحسب، بل ضد السنّة والطوائف الأخرى، بطريقة جعل من خلالها تنظيم بدر الشيعي معارضته ترتكز إلى خطاب إسلامي طائفي يتناقض مع الدولة والطوائف الأخرى، ما دفع البلاد إلى حمّام دم باسم الدين خاصة بعد الاحتلال الأميركي للعراق وإسقاط النظام سنة 2003، وذلك من أجل تنفيذ السياسات الإيرانية في العراق والمنطقة حسب مراقبين.

يقوم فيلق بدر على نظرية “التقيّة” التي تعلمها المهاجرون الشيعة ممن ضاقت بهم الأرض للخروج من الضائقة المادية والنفسية التي جاءت نتيجة الرؤية الطائفية الانعزالية لهذا التنظيم في علاقته مع العراقيين بشكل عام، والطوائف الأخرى بشكل خاص.

والتقية في الفكر الإسلامي الشيعي هي “إخفاء المعتقد بشكل وقتي خشية ضرر مادي أو معنوي”. وقد استعمل الشيعة وخاصة المذهب الإثني عشري التقيّة لأهداف سياسية صرفة، كان أهمها تنظيم صفوفهم والدعوة لمذهبهم ولتسهيل التواصل مع الاستخبارات الإيرانية طيلة الحرب بين العراق وإيران.

إذ كان الولاء بالنسبة إلى زعماء الشيعة لإيران يقوم على التشدد الطائفي، وليس على الولاء للوطن العراقي الذي يضم عديد الطوائف والأديان بقطع النظر عن طبيعة النظام التي ينظر لها على أنها دكتاتورية.

ومع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، وبعد عام واحد فقط من تأسيس ما سمّي بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق في المنفى، على يد “محمد باقر الحكيم”، تأسست ميليشيا “فيلق بدر” في إيران عام 1982، بمبادرة من الاستخبارات الإيرانية، وبمعاونة بعض المنفيين العراقيين في إيران.

وقد كان التأسيس المباشر لهذه الميليشيا الإسلامية استجابة لأمر سياسي أخذ شكل فتوى من “آية الله محمد باقر الحكيم” بوجوب حمل السلاح لمواجهة نظام صدام حسين، واعتبر السيد محمد القتال المسلح استنادا إلى شعار “حماية الطائفة الشيعية” وجوبا كفائيا.

وقد اجتمعت مجموعة من الشيعة العراقيين لا يتجاوز عددهم الثمانين، ليشكلوا أول سرية قتالية، ما لبثت أن تخرجت بعدها الدورة الأولى التي بلغ عدد أفرادها 270 مسلحا، الأمر الذي كان له صدى واسع لدى العديد من الشباب الشيعي المتشدد الذي قرر حمل السلاح وفتح جبهات في مواجهة النظام الصدّامي.

وأصبح “فيلق بدر” بذلك قوة قتالية تتألف من آلاف الشيعة، وعهد إليه لاحقا متابعة الأسرى، والضغط عليهم، وإهانتهم، وتعذيبهم وتجنيدهم، وإغرائهم لطلب اللجوء السياسي، وإلحاقهم قسرا، أو طوعا بالاستخبارات الإيرانية للعمل ضد بلدهم.

وبناءً على تلك الفتوى، بدأت تتشكل الخلايا المسلحة في العراق، بإيعاز من آية الله محمد باقر، والتي نفذت بعض العمليات المحدودة، لكن نظام صدام حسين استطاع أن يحجّم عمل هذه الخلايا، وشن حملة من الاعتقالات بعد مقتل محمد باقر في مطلع الثمانينات، مما أجبر كوادر الخلايا المسلحة وتلاميذه إلى الهرب إلى إيران والدول المجاورة، لتكون مواقعهم الجديدة محطات انطلاق في إعادة تنظيم الصفوف، لتشكل ميليشيات عسكرية لم تكتف فقط بقتال النظام العراقي بل في شن حرب طائفية باسم الدين الإسلامي على الطوائف الأخرى غير الشيعية.

وككل أنظمة الإسلام السياسي، استغلت إيران المكانة التي يحظى بها نظامها السياسي القائم على فكرة ولاية الفقيه في استقطاب الطوائف الشيعية إليها خاصة تلك التي تتمركز في مناطق قريبة من محيطها الاستراتيجي وبالأساس العراق.

وبناء على هذه الرؤية، لعبت إيران دورا رئيسا في تأسيس “فيلق القدس” والذي تحول إلى منظمة بدر عقب الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، وفي سياق ذلك أصبحت قيادات منظمة بدر تدين بالولاء لحكام طهران وفقا لفقه “ولاية الفقيه” الذي يعتبر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي هو القائم بدور الإمام الغائب.

وقد كان لهذا الولاء الطائفي شديد التأثير في التحركات المسلحة لميليشيا بدر الإسلامية التي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية باستهدافها السنة العراقيين.

فوفقا لتقرير منظمات حقوقية وأمنية وإعلامية، قامت الميليشيات الشيعة وفي مقدمتها منظمة بدر بارتكاب جرائم في العراق ضد المواطنين وخاصة أهل السنة، وهو ما يعتبر تطهيرًا طائفيًا من قبل هذه الميليشيات.

وقد عمدت ميليشيات الشيعة، التي كانت تقودها وجوه بارزة في فيلق بدر، إلى أساليب الاغتيال والتهديد والتهجير والإرهاب التي طالت أئمة المساجد والعلماء والأطباء والأساتذة والطيارين، وكل قوى الشعب العراقي الرافضة للغزو الأميركي والإيراني، وقد تم تهديد مئات العوائل السنية وتهجيرها من مساكنهم في محافظات الجنوب، وهو ما اعتبر “انتقام طائفي نادر حدوثه في التاريخ” حسب مراقبين.

وقد كانت ميليشيات بدر من أوائل الميليشيات الإسلامية التي سارعت بعد سقوط نظام صدام إلى السيطرة على وزارة الداخلية ووزارة الدفاع وقد أصبحت أغلب قيادات الدفاع والاستخبارات تابعة لتلك الميليشيا الإسلامية وتقوم بخدمة الأجندة الإيرانية التي استفاد نظامها الطائفي من الاحتلال الأميركي للعراق.