الإنجاز المعجزة.. وبانتظار الخطوة التالية

10:25

2014-12-25

صالح القلاب

قبل انعقاد قمة الدوحة الخليجية الأخيرة كان اليأس يغمر المنطقة العربية كلها وكان الإحساس السائد لدى الجميع أن هذه الأمة كُتبت عليها الفرقة وكُتِب عليها ذهاب الريح وأنه لم يصبح ممكنا لمّ الشمل وأن حالة العرب أصبحت: «فالج لا تعالج». وأنهم يغرقون في خلافات، غير موضوعية، مستعصية. وكان حتى مجلس التعاون الخليجي الذي يشكل بصيص الأمل الوحيد بإمكانية قيام وحدة عربية، ولو بصيغة الاتحاد الأوروبي، يقف ليس على قدميه، وكان هناك استبعاد للملمة شمله وعودته إلى ما كان عليه قبل سنوات قليلة.
وحتى قبل هذا الإنجاز الأخير الذي اجترحه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بإعادة المياه إلى مجاريها بين مصر، أم الدنيا، ودولة قطر، التي يجب الاعتراف بأنها بإنجازاتها الهائلة باتت تشكل إحدى لآلئ الخليج العربي المتألقة، فإنه لم يكن هناك تصور ولا حتى حلم ليلة ربيعية مقمرة بأن ما بين هذين البلدين العربيين من خلافات هي في حقيقة الأمر طارئة وغير مبررة، سوف تنتهي هذه النهاية السعيدة التي تبشر بإمكانية لملمة الأوضاع العربية التي غدت ومنذ غزو الكويت في بداية تسعينات القرن الماضي: لا تغيظ العدى ولا تسر الصديق.


وهنا فإنه علينا، لوضع الأمور في أنصبتها وإعطاء الرجال حقوقهم، أن نتذكر أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز كان قد حول قمة الكويت في يناير (كانون الثاني) عام 2009 من قمة اقتصادية إلى قمة سياسية، عندما دعا في خطاب تاريخي القادة العرب إلى نبذ الفرقة ورص الصفوف لمواجهة تحديات تلك المرحلة التي انتهت إلى هذه الأوضاع المأساوية التي تعيشها الأمة العربية والتي كان بالإمكان وضع حدٍّ لها في هذا المؤتمر، لو لم يكن هناك من بين قادة هذه الأمة من كان مصابا بداء الغرور القاتل ومن كان يظن أن الكرة الأرضية تدور حوله وأن النساء لم يلدن مثله منذ أمنا حواء إلى الآن.


كانت تلك الدعوة الصادقة تنبع من استشرافٍ للمستقبل الذي هو الواقع الذي نعيشه الآن والمعروف أن العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، رحمه الله في كل الأحوال، كان يلعب دور الولد الشقي المشاغب وكان قد افتعل مشكلة مع المملكة العربية السعودية ومع العديد من الدول الشقيقة، بينما كان بشار الأسد الذي أوصل سوريا العظيمة إلى ما هي عليه الآن قد ارتكب جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري وجريمة تلك السلسلة الطويلة من الاغتيالات التي طالت العديد من القيادات اللبنانية المرموقة.


وهنا، فإن المفترض أن الكل يذكر كيف أن هذا الرجل العظيم حقا وفعلا، الملك عبد الله بن عبد العزيز، قد ذهب إلى دمشق، التي كان يعشقها ولا يزال يعشقها لمكانتها في التاريخ العربي والإسلامي، ليأخذ الرئيس السوري بطائرته إلى لبنان لـ«يُسوقه» لدى اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، وليرمم العلاقات التي غدت مشروخة بين سوريا وشقيقتها الصغرى المجاورة، لكن بشار الأسد سقط في ذلك الامتحان سقوطا ذريعا، وما لبث أن قاده الغرور القاتل لإقحام بلده في هذه المأساة التي أصبحت تبدو وكأنها بلا نهاية، وكأن هذا البلد، قلب العروبة النابض، سيتحول إلى قطع من الفسيفساء المتناثرة.


وهكذا فإن لا بشار الأسد قد استفاد من تلك الفرصة التاريخية التي وفرها خادم الحرمين الشريفين له، ولا معمر القذافي، الذي كان يجب إحالته إلى طبيب نفسي بعد ما يسمى «ثورة الفاتح» مباشرة، والذي قرأ رسالة قمة الكويت الآنفة بصورة خاطئة حيث ظن، وبعض الظن إثم، أن تلك المبادرة التاريخية العظيمة تدل على الضعف، وتدل على الخوف منه وتحاشي شروره وليس على القوة والاقتدار وصدق النوايا ونقاء السريرة والحرص على العرب والأمة العربية في لحظة كانت تبدو فيها مؤشرات هذه التحديات القاسية الحالية واضحة كل الوضوح، هذه التحديات التي باتت تخط خبط عشواء من المحيط الذي لم يكن هادرا إلى الخليج الذي لم يكن ثائرا.


إن الملك عبد الله بن عبد العزيز لم يصب بالإحباط إطلاقا ولذلك فإنه بقي يقرن الإيمان بالعمل الدءوب، المعلن في بعض الأحيان والصامت في أكثرها، ويقينا أنه لو استسلم للأمر الواقع، وهذا كان غير متوقع وغير ممكن إطلاقا، لما تم هذا الإنجاز الأخير الذي بالإمكان القول إنه ارتقى إلى مستوى المعجزة، وفي زمن لا معجزات فيه، والذي جعل كل الطرق بين مصر وقطر سالكة وآمنة وواعدة أيضا بعد مرحلة بائسة لا أعادها الله، استطاع خلالها المندسون الاصطياد كثيرا في المياه الراكدة.


إنها خطوة أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها عظيمة وإنها جعلت هذه الأمة لا ترى بصيص أمل في نهاية النفق المظلم وفقط، وإنما شهبا لامعة ومنيرة وهذا يتطلب الاستمرار بالحذر والحيطة، فهناك معرقلون كثر وهناك مطبات كثيرة.. وهناك مؤامرة كونية هي في ذروتها الآن، وهناك إيران هذه الدولة التي من المفترض أنها شقيقة عزيزة والتي تصر على الاستمرار بالتلاعب بأمن هذه المنطقة وباستقرارها والسعي لتمزيقها بدوافع وتطلعات إمبراطورية طائفية، وذلك كما أصبح عليه الوضع في العراق وفي سوريا وفي لبنان واليمن.
كان الإخوان المسلمون، الذين اضطرت المملكة العربية السعودية، ومعها مصر ودول عربية أخرى، اضطرارا لوضعهم في الدائرة الإرهابية، يظنون أنَّ فرصة سيطرتهم على هذه المنطقة قد حانت وأنهم بعد هيمنتهم على أرض الكنانة بتشجيع أميركي سيسيطرون على ليبيا وعلى تونس وعلى سوريا وعلى الوضع الفلسطيني، لكن الشعب المصري العظيم بانتفاضته في 30 يونيو (حزيران) عام 2013 قد حطم كل تطلعاتهم. وحقيقة إن هذا لا يعني أنهم سيكتفون من الغنيمة بالإياب؛ فهذا الإرهاب الذي يضرب في سيناء وفي ليبيا وفي بعض دول المغرب العربي يدل على أنهم لن يتغيروا وأنه لا بد من مواصلة مواجهتهم والضغط عليهم ومنعهم من الانتشار مجددا انطلاقا من الأماكن التي لجأوا إليها في الأيام الأخيرة.


ويقينا إنَّ من أنجز هذه الخطوة التي ترتقي إلى مستوى المعجزات قادر على اجتراح الإنجاز الأكبر المتمثل أولا ببلورة جبهة عربية - إسلامية متماسكة لمواصلة الحرب ضد هذا الإرهاب الذي بات يهدد المنطقة كلها والعالم بأسره. وثانيا بالسعي الدءوب المتواصل لضم تركيا إلى هذه الجبهة المنشودة؛ فمكان هذا البلد الشقيق الذي تربطنا به صلات الدين الإسلامي العظيم وتاريخ مشترك تواصل لأكثر من 4 قرون هو هذه الجبهة التي يجب وبالضرورة أن تبادر إلى معالجة الأزمة السورية بما يحقق للشعب السوري الأهداف التي ثار من أجلها، وعلى رأسها التخلص من هذا النظام القاتل واستبدال نظام يجسد كل تطلعات هذا الشعب في الحفاظ على وحدة بلده وعلى الاستقرار والأمان والعيش الرغد والحياة الكريمة به.


إن طريق الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. ويقينا إن هذا الإنجاز الذي تحقق ستتبعه إنجازات لاحقة كثيرة، فالرجال العظام يظهرون في الظروف الصعبة والحاسمة وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يؤهله تاريخه المجيد وتاريخ عائلته وتاريخ بلده المملكة العربية السعودية لقيادة المسيرة في هذه المرحلة الخطيرة ولتحويل هذا الإنجاز (المعجزة) الأخير إلى منطلق تاريخي جديد بالنسبة لهذه الأمة المعروفة بإنجاب الرجال العظام في اللحظات الحرجة.