استراتيجية دول الخليج توازن بين الجغرافيتين الاقتصادية والسياسية

09:53

2014-12-24

الشروق العربيلندن - لطالما دأبت دول مجلس التعاون الخليجي على التخطيط للتعامل مع جلّ التحولات الإقليمية والدولية، على المستويين السياسي والاقتصادي، وصاغت وفق ذاك التخطيط مقارباتها واستراتيجياتها لتواكب التحولات وتتعامل مع أي انعكاس يمكن أن ينجرّ عنها، حفاظا على توازنها واستقرارها. وهاهي اليوم تسعى إلى الحفاظ على ذاك الاستقرار وفق معادلة استشرفتها منذ سنة 2004، أساسها خلق التوازن بين الجغرافيتين الاقتصادية والسياسية، وفق دراسة للباحث بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية سانجايا بارو.

في تلخيص لمداولات الحوار الخليجي الأوّل، الذي عرف باسم “حوار المنامة”، عند انطلاقه في سنة 2004، ورد في تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ما يلي: “توازن القوى والحكم الرشيد والترتيبات الأمنية الحكيمة والإصلاح السياسي والاقتصادي والمبادلات الدبلوماسية المكثفة وحسن إدارة العلاقات مع القوى الخارجية، كلّها تعدّ الأعصاب الحيوية في الجسد السياسي الإقليمي، وعلى الرغم من ذلك يمكن أن تظهر أزمات ذات أبعاد عسكرية”.

الآن وبعد مضي عقد من الزمن، نفس الشيء تقريبا يمكن قوله، وهذا الواقع يدلّ على عنصر التواصل في سيناريو الأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط. ومع ذلك يبقى هذا العقد متميّزا بانحرافات مهمّة عن القاعدة الأصلية. وتأتي التحديات الأصعب للأمن الإقليمي من الداخل، وأحد أوجه التحدي الأمني الداخلي يتمثل في الأصولية الجهادية الممزوجة بالطائفية.

من جهة أخرى، تضمّن الملخّص كذلك ملاحظة متبصّرة بخصوص الهيكلة المتغيّرة للاقتصاد العالمي وتبعاتها على مجلس التّعاون الخليجي. ومثلما أشار التقرير إلى أنّ “الحوار الخليجي برهن بوضوح على أهمية مصالح القوى الآسيوية، وخاصة منها الصين والهند، في الأمن الخليجي.

وفي الوقت المناسب سيشرع الانخراط الدبلوماسي مع المنطقة في مجاراة كثافة رهاناتها الاقتصادية. ومن نافلة القول إن تعطّش هذين العملاقين الآسيويين إلى النفط والغاز بلغ حدا أصبح معه أمن الخليج محوريا لكي يحافظا على نموهما الاقتصادي فائق السرعة، لكن ليس من الواضح تمام الوضوح كيفية تشكيل تلك التبعية لنظرتهما الاستراتيجية وهل أنهما سيجدان نفسيهما معارضين لنظرة الولايات المتحدة بقدر ما هما منحازين لها”.

وفي حين أنّ رهان الصين والهند، وبالطبع رهان آسيا الشرقية ككل، على النفط الخليجي قد ازداد اليوم بالتأكيد، مازال السؤال قائما حول أيّ موقف أمني من المتوقع أن تتخذه كل من الصين والهند إزاء القوى الخارجية التقليدية في المنطقة، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟ هل ستلعبان، وربما برفقة اليابان وكوريا، دورا أكبر في ما يتعلّق بالأمن الإقليمي من القوى الغربية في المستقبل؟

هذه المسألة تقيم الدليل على التغيير الأهم الذي حدث في هذا العقد في ما يتعلق بمجلس التعاون. وفي حين أنّ الجغرافيا السياسية الخليجية والمسائل الأمنية الإقليمية تتطلب أن يواصل مجلس التعاون “النظر غربا” (في اتجاه الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة)، تتطلب الجغرافيا الاقتصادية الخليجية أكثر فأكثر من مجلس التعاون “النظر شرقا”، أي في اتجاه الهند والصين واليابان ورابطة بلدان جنوب شرق آسيا.

لقد كان واضحا لدى المشاركين في الحوار الخليجي سنة 2004، أنّ اليابان والصين والهند كانت تبرز كأسواق للنفط والغاز الخليجي، بشكل يكسبها أهميّة أكثر من أوروبا والولايات المتحدة، وبحلول سنة 2014 أصبحت هذه الحقيقة واضحة.

فقد مثل الطلب الآسيوي على النفط الخليجي 57 بالمئة من مجموع صادرات دول الخليج سنة 2012 (قافزا من 41 بالمئة سنة 2000) بينما كان نصيب الولايات المتحدة والأوروبيين 34 بالمئة في سنة 2012 (مسجلا هبوطا من 50 بالمئة في سنة 2000). وحتى تجارة مجلس التعاون غير النفطية تُهيمن عليها حاليا آسيا الشرقية ، كما انضاف إلى ذلك بُعد جديد لعلاقات مجلس التعاون مع بلدان آسيا بتزايد تدفقات مالية في الاتّجاهين.
 
وأخيرا من الناحية الديمغرافية يسيطر الآسيويون الجنوبيون والجنوبيون الشرقيون (على رأسهم الهنود) على العمالة الوافدة إلى دول مجلس التعاون الخليجي. وفي حين مازالت وظائف كثيرة تتطلب مهارة وحرفية يقوم بها العمال الآسيويون الوافدون في أغلب بلدان مجلس التعاون الخليجي، أصبح المهنيون الآسيويون، بما في ذلك العرب منهم، يتقلدون مناصب قيادية في الشركات الخليجية، معوضين بذلك النموذج القديم الذي ينفرد فيه الغربيون بالمناصب الإدارية العليا بينما يعمل الآسيويون كعمال نصف مهرة أو غير مهرة.

وباختصار يتمثل التحول الاستراتيجي الغالب في منطقة مجلس التعاون الخليجي في العقد الأخير في توجهه الجغرافي- الاقتصادي نحو جهة الشرق، رغم أن المنطقة مازالت مرتبطة بالبلدان الغربية من الناحية الجغرافية السياسية.