فوز السبسي في الرئاسية ينهي الفترة الانتقالية في تونس

08:57

2014-12-23

الشروق العربيتونس - أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، يوم أمس الاثنين، عن فوز الباجي قائد السبسي في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التونسية بنسبة 55.68 بالمئة، متقدّما عن منافسه محمد المنصف المرزوقي الذي حصّل نسبة 44.32 بالمئة، لتنهي تونس من ثمة فترة انتقالها الديمقراطي التي دامت أربع سنوات متتالية، معلنة عن بداية مرحلة جديدة في تاريخها الحديث، يجمع المحللون أنها ستكون قاسية وصعبة بحكم التحديات الأمنية والاقتصادية التي ستواجهها البلاد على المدى المتوسط.

لم يكن يوم انتخاب رئيس جديد في تونس يوما اعتياديا لدى التّونسيين، فقد صاحبته مواقف وسجالات عديدة، وسُجّلت خلاله لقطات من شأنها أن تبقى عالقة في الأذهان وراسخة في التّاريخ.

لا يمكن أن تمحى من الذّاكرة صورة ذاك الشّاب الذي لم يُثنه عدم قدرته على المشي من الذهاب إلى مركز الاقتراع، حتّى يشارك في تقرير مصيره ومصير شعبه، وتنقّل “زاحفا” بين الخلوة المخصصة للناخبين والصندوق حيث توضع ورقة الاقتراع. وستبقى الابتسامة الّتي ظهرت على محيّا رجل كفيف أصر، رغم معاناته الصحيّة، على الخروج والإدلاء بصوته، علامة بارزة من علامات ذاك اليوم.

ولا يمكن أن ينسى التونسيون صورة العروس الشابة، أصيلة مدينة توزر الجنوبية، التي قرّرت أن يكون يوم عرسها يوم عرس تونس الانتخابي، وذهبت بـ”حنّتها” وزينتها إلى مركز الاقتراع حيث اختلطت زغاريد الحضور فرحا بالعُرسين. وفي مدينة بنزرت شمالا، لم تمنع آلام المخاض مواطنة تونسية من أداء واجبها الانتخابي لتتجه بعد الإدلاء بصوتها مباشرة إلى مستشفى الوِلادة، وهي تقول إنها “ستلد في اليوم الذي ستولد فيه تونس من جديد”.

جل آخر في العقد السادس من عمره، بدت على تقاسيم وجهه ملامح التّعب والإنهاك، كان يركب دراجة هوائيّة حمل عليها ما استطاع جمعه في ذاك اليوم من أرغفة خبز لم تعد صالحة للأكل حتّى يبيعُها بقدر زهيد في ما بعد لمربّي الحيوانات الأليفة فيقتات من ثمنها، وقد كان يفتخر بأنّه كان “أول الوافدين على مكتب الاقتراع وأنّ العملية الانتخابية تعني له الكثير”، حتى أنها في نظره “أهم من عمله”.

أمّا أحد وكلاء بيع الملابس الجاهزة بجهة الساحل التونسي فقد قرر الاحتفاء بيوم الانتخابات على طريقته من خلال التخفيض في أسعار الملابس بنسبة 51 بالمئة لكلّ من يكشف له عن سبابة يده اليسرى وهي مطليّة بالحبر الانتخابي كدليل على أنّه مارس حقّه الانتخابي.

وقد كانت تلك الطريقة مبادرة منه لتشجيع المواطنين، وخاصّة الشباب للتّحول إلى مراكز الاقتراع للمساهمة في اختيار رئيس للجمهورية التونسية، حتى تستقر البلاد وتعود الأمور إلى مسارها الصحيح.

رجل مسنّ كان يقف في الطابور، قال وقد بدت على ملامحه بعض علامات الضّجر والتّعب “نحن في انتظار نهاية اليوم لنعرف إن كان الله سيريحنا أخيرا أم لا.. لقد ذهبت إلى المسجد ودعوت من أجل هذا”.

ولدى سؤاله عن مقصده من كلامه، لم يجب العجوز المسن، بل اختار الدخول إلى الخلوة الانتخابية، لكن الجواب كان واضحا على ألسن كلّ التونسيين، فأينما وليّت وجهك لا حديث إلا عن الرّئيس القوي الذي سينقذ البلاد من براثن الإرهاب ويعيد الاستقرار والأمن، وإن لم يخفّض الأسعار فعلى الأقلّ سيقلّص من تواتر ارتفاعها.

كلّ التونسيين، بمختلف توجهاتهم، كانوا يتحدّثون بصوت واحد عن توقهم لسرعة استكمال المرحلة الانتقالية وبناء ديمقراطية حقيقية بعد أربع سنوات من الانتفاضة الشعبية الّتي أطاحت مطلع 2011 بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وهاهم اليوم يستعدّون لاستقبال العام 2015 ليدخلوا معه عهد الجمهورية التونسية الثانية، بعد مرحلة انتقالية، تبقى رغم بعض مساوئها وسلبيّاتها النموذج الوحيد الذي نجح من بين دول ما سمّي بـ”الربيع العربي”، وأيضا وكما قال المحلل البريطاني أنطوني دوركين، فإنّ نجاح النموذج التونسي يؤكّد أن “الإصلاح والتعددية السياسية ليس محكوما عليهما بالفشل في العالم العربي”.

على أطلال تلك المرحلة الصعبة، قرر التونسيون بناء دولتهم الجديدة ودخول عهد جديد من تاريخ تونس الضارب في القدم، مصمّمين على إنجاح نموذجهم، على الرغم من يقينهم من أن القادم من الأيام لن يكون سهلا، وأن السنة القادمة ستحمل بين ثناياها أياما عجافا، خاصة على مستوى ملف التنمية وتصحيح المسارات التي انحرفت عن طريقها على مدى الفترة الانتقالية.

 

هدوء وسلاسة في عملية الاقتراع

 

خيّم الهدوء على مراكز التصويت وجرت العملية الانتخابية بسلاسة طيلة يوم الاقتراع في جولة الحسم من الانتخابات الرئاسية، على الرغم من الأحداث والتهديدات الإرهابية التي استهدفت، ليلة الانتخاب، مكتب اقتراع في محافظة القيروان، وسط البلاد، وأودت بحياة مسلح.

ومع غلق مراكز الاقتراع مساء الأحد لم تسجل أي مظاهر للعنف أو تدخلات لقوات الأمن. وتلقت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات محاضر مخالفات وشرعت من حينها في التدقيق فيها تباعا، إلا أنها تبقى ذات تأثير محدود، وفقا لما صرح به شفيق صرصار، رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

بشهادة الجميع، نجحت تونس في إجراء انتخابات تميزت بالصدقية والشفافية، فخطت بذلك خطوة جديدة في السبيل المؤدي إلى نظام ديمقراطي حقيقي، ودولة عصرية ديمقراطية يريد التونسيون صياغتها وفق شروطهم واختياراتهم، وبما يتوافق ومصلحتهم وتقاليد مجتمعهم، لا شروط وإملاءات من الخارج واستنساخا لتجارب خارجية يروم البعض فرضها على التونسيين ولم تؤدّ إلاّ إلى الفوضى والضعف.

وفي هذا السياق، أشادت أنامي ناسيتس، رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي لملاحظة الانتخابات بحسن سير العملية الانتخابية في دورها الثاني، ملاحظة “تحسنا لأداء رؤساء مكاتب الاقتراع وعدم تسجيل أيّ حوادث أو مخالفات تذكر”. وأعلن مركز كارتر الحقوقي أنّ ملاحظي البعثة الـ65 الذين سهروا على مراقبة الانتخابات التونسية لم يسجلوا أيّ تجاوزات مؤثّرة على عمليّة الاقتراع.

تونس العهد الجديد

 

تعد الانتخابات الرئاسيّة المرحلة الأخيرة من الفترة الانتقالية التي شهدتها تونس، والتي شهدت في البداية انتخاب مجلس تأسيسي، ثم وضع دستور جديد للبلاد مطلع العام الجاري، قبل تنظيم انتخابات تشريعية، أواخر الشهر الماضي، ينتظر أن تسفر، مطلع العام المقبل، عن حكومة ائتلافية منبثقة عن أغلبية برلمانية بقيادة حزب “نداء تونس”.

ومع انتهاء هذه الفترة، تقف تونس على أعتاب ما يمكن تسميته بـ”الجمهورية الثانية” بالنظر إلى أن نظام الحكم في “الجمهورية الأولى” في عهدي الرئيس الراحل الحبيب بن بورقيبة والرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، كان أحادي الطابع خلافا للتعددية السياسية التي تم إقرارها بعد انتفاضة 2011.

وسيتولى الرئيس المنتخب الحكم لمدة 5 سنوات وفقا للفصل 75 من الدستور التونسي الجديد الذي نص أيضا على أنه “لا يجوز تولي رئاسة الجمهورية لأكثر من دورتين كاملتين، متصلتين أو منفصلتين (أي إجمالا 10 سنوات)”. وفي حالة الاستقالة، تعتبر تلك المدة “مدة رئاسية كاملة”.

من جهة أخرى، يحظى الباجي قائد السبسي بحافز معنوي بعد فوزه في الرئاسيات. السبسي الذي كان قد وعد بأن يقود تونس إلى بر الأمان، معربا عن استعداده لحكم البلاد في مرحلة “مثقلة” بملفات اقتصادية واجتماعية وأمنية؛ وهو السياسي المخضرم الذي ناضل ضدّ المستعمر الفرنسي، وخبر دهاليز البلاد منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

ورغم تعبير منافسيه عن مخاوفهم بشأن كبر سنّه (88 عاما) وإمكانية انعكاس ذلك على قدرته على تحمل أعباء الرئاسة، يقدّم السبسي، نفسه على أنّه رجل دولة لديه ما يكفي من الخبرة لإصلاح المشاكل ووقف الاضطراب وإنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي.

وفي تعليقها على فوز رئيس حزبها بالانتخابات الرئاسية قالت القيادية في حزب نداء تونس بشرى بالحاج حميدة “للعرب” إن “الرسالة الأولى هي تهنئة الشعب التونسي بالانتخابات والظروف المحترمة التي جرى فيها الاستحقاق الرئاسي رغم التهديدات التي كان آخرها الاعتداء الذي حصل صبيحة الانتخابات في أحد المكاتب الاقتراع بولاية القيروان”.

كما دعت بن حميدة المحتجين على نتائج الانتخابات إلى ضرورة قبول ما أفرزه الصندوق وذلك بعد أن عرفت مدينة الحامة من ولاية قابس جنوب البلاد احتجاجات من طرف أنصار المرشح المنصف المرزوقي.

 

نتائج مطمئنة

 

من جهته قال زياد لخضر القيادي في الجبهة الشعبية إن الفارق بين المترشحين (المركز الأول للباجي قائد السبسي والثاني لمحمد المنصف المرزوقي) يعتبر ضئيلا ومعقولا مقارنة بما كانت تشهده الانتخابات الرئاسية في عهد الاستبداد حيث يكون هناك مرشح وحيد وتنتهي الانتخابات بـ99.99 بالمئة لصالحه.

وأفاد لخضر بأن النتائج مطمئنة للشعب التونسي باعتبارها انعكاسا لجو الشفافية والنزاهة الذي دارت فيه العملية برمّتها، وهو أمر مطلوب، على حد تعبيره.

كما أكّد أن نسبة التصويت بلغت حوالي 63 بالمئة وهي نسبة جيدة تبين حجم الوعي بضرورة المشاركة الواعية في الاستحقاق الانتخابي الّذي مرّ في ظروف طيبة.

في سياق متّصل، كشف القيادي في الجبهة الشعبية أن نجاح هذه الانتخابات هي ثمرة نضال كل الديمقراطيين في تونس. وبعد أن حسم التونسيون أمر رئيس بلادهم ونوابهم في مجلس الشعب، لم يعد ينقصهم إلا تحديد من سيرأس حكومة بلادهم ليبدأ العمل الفعلي والجاد للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة وبداية العمل على الملفات الحرجة والملحّة والتي يأتي في صدارتها وقف المجموعات الإرهابية المسلحة خاصّة وأنّها على تُخوم البلاد، والنظر في ملفات التنمية الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها أولويّات عاجلة لا تقبل التأجيل.