الدولة الإسلامية لا إسلامية ولا دولة، بل اسم تجاري جديد للقاعدة

08:54

2014-12-23

الشروق العربي-لندن – الباحث والمحلل السياسي الأميركي توني كارتالوتشي يتهم الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها بالتآمر على الأمن العالمي من خلال استخدام مؤامرات داعش لزرع الخوف، ضمن مسار تطوري مرسومة حدوده بشكل واضح لاستعمال الإرهاب كوسيلة لخدمة الأجندة الغربية.

رفعت أستراليا من مستوى خطر حدوث عمليات إرهابية إلى درجة مرتفعة، وذلك على إثر الحادث الذي استجد منذ أيام في ميدينة سيدني، حين قام الإيراني هارون مؤنس، يوم الاثنين 15 ديسمبر، باحتجاز سبعة عشر شخصا كرهائن في مقهى «ليندت» في سيدني طوال ست عشرة ساعة، وانتهت الأزمة باقتحام قوات الأمن الخاصة الأسترالية المقهى ومقتل الإرهابي ورهينتين. وكان من بين مطالب مؤنس السماح له بالاتصال برئيس الوزراء الأسترالي توني أبوت وإعطائه راية داعش.

هذه التطورات، دفعت الباحث الأميركي توني كارتالوتشي إلى التساؤل عن علاقة التطورات التي حصلت في سيدني بما يجري في العراق وسوريا، وكيف يجب فحص الحادث الأخير في سياق نشأة تنظيم داعش وما هو مصدر قدرته ظاهريا على تهديد كامل العالم بالعنف وأعمال إرهابية بموارد لا تنضب، على ما يبدو.

اعتبر كارتالوتشي أن ما يشهده العالم اليوم من تهديد إرهابي مردّه تآمر الولايات المتحدة وعدة بلدان أوروبية وشرق أوسطية لاستعمال تنظيم القاعدة كقوة مرتزقة إقليمية في حرب بالوكالة ضد سوريا منذ سنة 2007. وبعد تجسيد هذه القوة على أرض الواقع في سنة 2011 وبعد تدريب هذه القوة الإرهابية وتسليحها وتمويلها وتجهيزها وإيوائها بشكل علني منذ ذلك الوقت -وإلى اليوم-، يتبين أن حادثة سيدني ليست إلا آخر التداعيات المنتظرة للإرهاب الغربي العالمي المدعوم من الدولة.

 

ما هو تنظيم الدولة الإسلامية؟

 

ما يسمى تنظيم “الدولة الإسلامية” (في الحقيقة لا هي “إسلامية” ولا هي “دولة”) هو في الواقع مجرد اسم تجاري جديد للقاعدة، والقاعدة نفسها هي الجبهة الإرهابية التي خلقتها وكالات الاستخبارات الأميركية كجزء من حرب أخرى بالوكالة مقنعة كانت في ذلك الوقت ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.

والدليل على إعادة التسمية هذه (من القاعدة إلى الدولة الإسلامية) هو تقريبا انضمام كل التنظيمات التي كانت تنتمي للقاعدة من كل أنحاء العالم إلى داعش. ومن بين هذه التنظيمات نجد مجموعات إرهابية مثل “الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة” و”القاعدة في المغرب الإسلامي” (تلقى كل منهما التغطية الجوية من حلف الناتو والأسلحة والأموال أثناء محاولة الغرب في سنة 2011 إعادة تنظيم ليبيا).

بصفة إجمالية وانطلاقا من محاولة إسقاط الحكومة السورية بواسطة جبهة إرهابية مسلحة وكبيرة إلى استعمال هذه الجبهة ذريعة للتدخل العسكري المباشر، ترتبط حكاية صعود داعش بحكاية مخططات الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط الكبير. ولا تعدو حملة التدمير في سوريا والبلدان المجاورة إلا أن تكون أحد الأهداف الغربية التي يساعد داعش في تحقيقها (الهدف الآخر يتمثل في التلاعب بنظرة عامة الناس عبر تهديدات إرهابية معدة سلفا في كافة أنحاء العالم، لخلق مناخ من الخوف في كامل أنحاء البلاد الغربية وحشد الدعم للتدخل العسكري المباشر في كل من سوريا والعراق).

وعلى المرء أن يتساءل من يملك حقا القدرة (المالية والاستراتيجية والتكتيكية واللوجستية) للقيام بحرب إقليمية تمتد على ثلاثة بلدان مع التخطيط لهجمات إرهابية وتنفيذها على المستوى العالمي من الولايات المتحدة إلى أستراليا؟ الجواب هو من له نفس المصالح عندما خطط لتدمير الطائرات المدنية الأميركية للتسبب في حرب مع كوبا في الستينات ونفذ حملة إرهابية مكثفة في كامل أرجاء أوروبا خلال الحرب الباردة لتطويق الاتحاد السوفييتي والمتعاطفين معه، بينما يدفع بأجندته الخاصة بين البلدان الأعضاء. وهو الولايات المتحدة والناتو وحلفاؤهم.

 

ما العلاقة بين الاستخبارات والإرهاب؟

 

يعيش نصف المسلمين الأستراليين على الأقل في الضواحي الغربية لمدينة سيدني التي تحولت في أواسط السبعينات من القرن الماضي من جيوب للطبقة العاملة البيضاء إلى مراكز ذات أغلبية مسلمة بسبب زيادة الهجرة من لبنان.

وتعتبر أستراليا البلد الأول من حيث توريد الجهاديين من خارج منطقة الشرق الأوسط، مع تورط نحو 150 أستراليا في الشبكات الإرهابية في سوريا والعراق حسب مجلة "التايمز". وسيدني هي جنة داعش، والحكومة تعرف ذلك منذ عقود إذ وفد على سوريا سيل من المقاتلين من سيدني.

وتشرح وكالة رويترز سبب ذلك في مقال بعنوان “الجريمة والعصابات: الطريق إلى المعركة للإسلاميين الأصوليين في أستراليا”.

ومما جاء في المقال أنه “من الواضح وجود شبكات في سيدني لأدلجة المقاتلين وتجنيدهم، وهذه الشبكات ليست فقط معروفة لدى الوكالات الأمنية الأسترالية على مدى عقود بل ومن المحتمل كذلك أن تكون هذه الوكالات ونظيراتها الأميركية والبريطانية هي من يسيّرها بصفة مباشرة”.

إن اختراق المساجد في الغرب واستخدامها في جلب المزيد من الأعضاء وإدارة العمليات لخدمة السياسات الخارجية والداخلية هو حقيقة موثّقة. ومن ذلك ما ورد في تقرير محطة “بي بي سي” عن ادعاء محامي الشيخ المتشدد أبو حمزة المصري بأن الرجل عمل وسيطا سريا مع وكالة الاستخبارات البريطانية.

ويدّعي هذا الشيخ، مصري المولد والذي يخضع لمحاكمة في نيويورك بتهمة ارتكاب جرائم إرهابية، بأنه كُلف “بإبقاء شوارع لندن آمنة”.

ويجدر بالذكر أنه ليست المرة الأولى التي قال فيها مثل هذا الكلام إذ سبق وأن صرح سابقا بأن وكالة الاستخبارات البريطانية اتصلت به أول مرة في سنة 1997.

الهجوم “الداعشي” الأخير في كندا ضمّ هو الآخر مشتبها به معروفا لدى الوكالات الأمنية الأميركية والكندية، وكان يتوجّب إيقافه من قبل.

ويبدو أن تنفيذه الناجح لإطلاق النار الإرهابي كان مجرد عملية فخ استلم فيها سلاحا يعمل وضوءا أخضر بدل سلاح لا يعمل قبل اتخاذ قرار إيقافه.

على المرء أن يتساءل إذن هل الإرهابي المزعوم الذي احتجز رهائن في سيدني تلقى سلاحه من أعوان أمن يريدون إيقاعه في فخ أيضا. هل تم تسليم سلاح جاهز للتشغيل عوضا عن سلاح لا يعمل، وبذلك تحويل خطة من المفترض أن تكون “محبطة” إلى هجمة “حية” مثلما فعل “أف بي أي” في سنة 1993 أثناء التفجير الأول لمبنى التجارة العالمية؟

وبينما لن يكشف أبدا دور الوكالات الأمنية الغربية في حادثة “حصار سيدني” الأخيرة، ما هو معروف كحقيقة محضة هو أن داعش صناعة غربية متعمدة من أجل دفع الغرب لسياساته الخارجية في الشرق الأوسط.

ومن المعروف أيضا تمام المعرفة أن استخدام الغرب للإرهاب ضد شعبه والشعوب التي يعتبرها أعداءه صار مظهرا راسخا للسياسة الداخلية والخارجية لدى البلدان الغربية.

 

كيف نشأ داعش؟

 

في مقال تنبئي ظهر في سنة 2007 كتب الصحفي الحائز على جائزة “بوليتزر” سيمور هارش يقول “قررت إدارة بوش إعادة تشكيل أولوياتها في الشرق الأوسط.

وشاركت الولايات المتحدة في عمليات غير مشروعة، وهو ما نتج عنه تقوية المجموعات المتطرفة السنّية التي تتبنى قراءة جهادية للإسلام وتتخذ موقفا عدائيا من أميركا وتتعاطف مع القاعدة”.

في سنة 2011 وتحت غطاء “الربيع العربي” الذي هندسته الولايات المتحدة، شرعت تنظيمات مسلحة جيدا بما فيها القاعدة منذ البداية في تنفيذ عمليات في كل مدينة كبرى في سوريا.

وهذا ما يؤكده البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية حيث جاء فيه أن “جبهة النصرة ادّعت تنفيذ قرابة 600 هجمة منذ شهر نوفمبر 2011 (وتتراوح هذه الهجمات بين أكثر من أربعين هجوما انتحاريا وعمليات صغيرة باستعمال عبوات ناسفة من صنع يدوي وأسلحة خفيفة) في مراكز المدن الكبرى بما في ذلك دمشق وحلب وحماة وحمص ودير الزور. ولقي أثناء هذه الهجمات الكثير من السوريين الأبرياء حتفهم”.

وبالرغم من ذلك تعمّدت الولايات المتحدة وحلفاؤها تسليح هذه الجبهة الإرهابية وتمويلها وتدريبها وتجهيزها ومساعدتها وإيوائها فضلا عن توفير غطاء جوي لها. ومن المفترض أن تقوم المجموعات التي سلحتها الولايات المتحدة بشكل مباشر بتسليم أسلحتها وعتادها، هذا فضلا عن ولائها لجبهة النصرة وغيرها من فروع القاعدة.

هذا يفسر تفسيرا جيدا كيف أدّت مليارات الدولارات من المساعدات الموجّهة فرضا إلى “المعارضة المعتدلة” إلى بروز جبهة إرهابية تشمل عددا كبيرا من البلدان والآن تنقل حملتها الإرهابية إلى داخل روسيا والصين، وفي الوقت ذاته تخطط وتنفذ هجمات في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا.

بعبارة أخرى، لا تعدو حكايات “المعارضة المعتدلة” إلا أن تكون مجرد غطاء هش لخطة الغرب لتسليح القاعدة في حرب بالوكالة مثلما قال الصحفي هارش في سنة 2007.

 

ماذا يكمن وراء عملية سيدني؟

 

احتجاز الرهائن ورفع راية داعش وتقديم طلبات كرتونية للتحدث مع رئيس الوزراء الأسترالي -هذا إن كان داعش تنظيما سياسيا وعسكريا مستقلا فعلا- لا يخدم أي غايات تكتيكية أو سياسية أو استراتيجية. عوضا عن ذلك لا تؤدي إلا لإعادة إشعال الغضب الشعبي وزيادة الدعم للتدخل العسكري الغربي في كل من سوريا والعراق وربما في غيرهما من البلدان.

في كل تحقيق جنائي يجب طرح سؤال “من المستفيد” والإجابة عليه. وفي خضم المؤامرات الداعشية -بما في ذلك تلك التي لا نعرف بشكل واضح بأنها عمليات فخ تنفذها الوكالات الأمنية الغربية بنفسها- نجد أن المستفيد الوحيد هي السياسة الخارجية الغربية لزيادة الهستيريا في الداخل والتدخل العسكري في العراق وسوريا.

بالنسبة إلى أولئك الذين يشككون في قدرة الحكومات الغربية، وخاصة قيادة الولايات المتحدة وحلف الناتو، على تنفيذ أعمال إرهابية ضد شعوبها نقول إن التاريخ يقدم أدلة واضحة للوسائل المعتمدة والدوافع والعزيمة. وعلى سبيل المثال يمكن أن نذكر “عملية نورثوود” التي خطط لها قادة أميركيون كبار في بداية الستينات.

ويقال إن المخططات تضمنت إمكانية اغتيال المهاجرين الكوبيين وإغراق المراكب الكوبية التي تحمل اللاجئين الكوبيين في أعالي البحار واختطاف الطائرات وتفجير سفينة أميركية وحتى التنسيق لأعمال إرهابية في المدن الأميركية.

الهدف من هذه العملية هو خلق مساندة شعبية للحرب ضد كوبا لكن لم تتجاوز العملية طور التخطيط. ثم جاءت عملية غلايدو التابعة لحلف الناتو التي يزعم أنها تهدف إلى مقاومة الاحتلال السوفييتي إذا ما حصل غزو لبلدان أوروبا الغربية.

وبدل ذلك تضمّنت العملية اغتيالات مروعة وعمليات إطلاق نار جماعية وتفجيرات إرهابية تهدف إلى شيطنة الاتحاد السوفييتي، إلى جانب تجريم والقضاء على الدعم للأحزاب اليسارية التي أخذت شعبيتها في ازدياد في أوروبا الغربية. وسيتبين لاحقا أن المجموعات المقاتلة السرية التابعة لحلف الناتو كانت تقتل مواطنين أبرياء من أوروبا الغربية من أجل خلق “استراتيجية توتر” تستخدم لزرع الخوف والسيطرة على الشعوب الغربية.

إن استخدام “مؤامرات” "تنظيم الدولة الاسلامية" لزرع الخوف والرعب في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والآن أستراليا هو ببساطة الخطوة الثانية في مسار تطوري مرسومة حدوده بشكل واضح وجلي لاستعمال الإرهاب كوسيلة لخدمة الأجندة الغربية، وهي عملية تطورية مرت بعقود من التجربة واعادة التجربة والخطأ حتى انتهت إلى نموذج متماسك يسهل تحديده ويتعلق بالتلاعب بمبدأ “السبب والنتيجة” حيث يسارع بإقحام أجندات متباينة في أعقاب حوادث “مناسبة” عن طريق موجة من المشاعر الجماهيرية المشحونة عاطفيا، أو في بعض الأحيان مجرد الإيهام بمثل تلك المشاعر.