جدل الدولة الدينية والعلمانية يطال أقباط مصر

08:50

2014-12-23

الشروق العربيالقاهرة – التباين بين التصور الوضعي والتصور الديني لإدارة الشؤون الاجتماعية ليس ظاهرة متصلة فقط بالفضاء الإسلامي، بل إن مداها يطال أيضا الطوائف المسيحية. لا أدلّ على ذلك من اندلاع خلاف جديد في مصر داخل الكنيسة المصرية بمختلف تياراتها حول مسائل اجتماعية، يفترض أن تحسم بالقانون الذي يوحد البيت المصري برمته.

وزارة العدالة الانتقالية في مصر أرسلت نسخة من مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين، إلى رؤساء الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذوكسية والكاثوليكية والإنجيلية) بناء على التعديلات الدستورية في يناير 2014 وطالبتهم بالرد وإبداء ملاحظاتهم، وفي 24 نوفمبر الماضي وعقب اجتماع ممثلي الكنائس المصرية بالكاتدرائية لمناقشة مسودة قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، بدا أن الكنائس متوافقة على كل نصوص القانون عدا البند الخاص بالزواج المدني.

رفض الكنائس لإجازة الزواج المدني، جاء متزامنا مع وجود أزمة تهدد الكنيسة المصرية، بشأن الطلاق والزواج الثاني، فرغم عدم وجود إحصائيات رسمية تكشف حجمها، إلا أن التقديرات تشير إلى وصول عدد راغبي الانفصال والزواج مرة أخرى في المسيحية مئات الآلاف، بسبب رفض الكنيسة إعطائهم تصاريح، إلا في حالة إثبات حدوث الزنا أو تغيير الديانة، الأمر الذي جعل العديد من الأقباط الأرثوذكس، يلجأون إلى الاستقالة من الملة بهدف الحصول على الطلاق والزواج المدني من المحاكم المصرية ما يضع الكنيسة الأرثوذكسية أمام أزمة قابلة للتضخم.

المشكلة تكمن في حق الطلاق كما صرحت تريزا ميخائيل (محامية وناشطة قبطية) لـ”العرب” فالطلاق كان يتم، لكن بصعوبة ويمكن للمطلق أو المطلقة الزواج مرة أخرى، ففي عام 1938 أصدر المجلس الملّي برئاسة البابا كيرلس السادس لائحة الأقباط الأرثوذكس، المعروفة باسم لائحة 38، مبينا أسباب الطلاق في تسع حالات (ترهبن أحد الزوجين، تغيّر الدين، الغيبة، الجنون أو المرض المعدي، الاعتداء الجسدي، إساءة السلوك والانغماس في الرذيلة، إساءة العشرة واستحكام النفور، الزنا، الفُرقة)، لكن في عام 2008، أصدر المجلس الملي برئاسة البابا الراحل شنودة الثالث (بابا الإسكندرية السابق وبطريرك الكرازة المرقسية) تعديلًا لهذه اللائحة، يقضي بحصر أسباب الطلاق على سبب واحد فقط هو علة الزنا”.

هذا التعديل لم يسر على الفنانة المصرية هالة صدقي التي رفعت قضية طلاق من رجل الأعمال مجدي وليم أمام محكمة جنوب القاهرة، ونظرت المحكمة في الدعوى، رغم معارضة زوجها، ومعارضة الكنيسة التي حسمت الأمر برفض الطلاق، فالكنيسة لا تبيح الطلاق إلا في ثلاث حالات (الزنا وتغيير الملة أو الديانة وإخفاء معلومة تبطل عقد الزواج مثل العجز الجنسي أو الجنون) فكان صدور قانون الخلع فرصة لهالة صدقي التي قامت بتغيير الملة إلى السريان الأرثوذكسي، وبالفعل حصلت بعد عامين على الطلاق.

كانت “صدقي” أول مسيحية تخلع زوجها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه، حيث تزوجت زواجا في كنيسة قبطية تتبع البابا شنودة وبتصريح، وهو ما يعد باطلا ليس طبقا لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية فقط، وإنما طبقا لأحكام الإنجيل أيضا، فالمسيحية في هذا المجال، كما شرحها البابا شنودة “لا تبيح الزواج الثاني تحت مختلف الظروف وفي كل المذاهب وتعتبره زنا”.

هذا الزواج ومباركة الكنيسة والبابا له، أثار بلبلة في الشارع القبطي فكيف يخالف المجلس الإكليريكي الإنجيل بتلك الجرأة؟ وكيف يسمح بزواج مطلقة خرجت عن الأرثوذكسية من أرثوذكسي في كنيسة تتبعها؟

هذه المسألة دفعت القبطي (هاني وصفي) الى اختصام البابا شنودة (الراحل) في الدعوى التي أقامها وطعن فيها على رفض الكنيسة الأرثوذكسية إعطائه تصريحا بالزواج مرة أخرى بعد طلاقه من زوجته الأولى وأصدرت محكمة القضاء الإداري حكما نهائيا لصالحه في 29 مايو 2010، وقضت بأحقيته في الحصول على هذا التصريح وإلزام قداسة البابا شنودة الثالث بإعطائه من قبل الكنيسة الأرثوذكسية.

الأمر الذي رفضه البابا شنودة آنذاك معلنا “أنه لن ينفذ قرار المحكمة وأن الكنيسة تحترم القضاء وتبجله، وفي الوقت نفسه لن تقبل أحكاما ضد الإنجيل، وضد حريتها الدينية التي كفلها الدستور، وأن الزواج سر مقدس بحت وليس "عملا إداريا"، مضيفا أنه "سيقوم بشلح أي كاهن يسمح لمسيحي مطلق بالزواج مرة ثانية إلا في الحالات التي يحدث فيها الطلاق لعلة الزنا".

وقد تسبب رفضه في أزمة بين الكنيسة والقضاء، وأثار جدلا بين صفوف الأقباط أنفسهم بين مؤيدين للحكم يرون أنه حكم صحيح من الناحية القانونية، لأنه يعتمد على اللائحة 38 والتي تبيح الزواج الثاني للمطلقين، وأن الكنيسة برفضها لأحكام القضاء، تدلل على أنها دولة داخل دولة، أما المعارضون للحكم يرون أن هذا الأمر خاص بالمسيحية، ولا يجوز للقضاء التدخل فيه دون الرجوع إلى نصوص الإنجيل.

ما يطالب العلمانيون به منذ أمد طويل هو ضرورة أن يكون للأقباط الحق في الطلاق والزواج مرة أخرى، ودفاعا عن هذا الحق قامت العديد من الائتلافات القبطية بالمطالبة بحقهم في الطلاق والزواج الثاني، ومنها ائتلاف الزواج الثاني، وحركة أقباط 38، وحركة الحق في الحياة، وغيرها.

كان التيار العلماني، صرح بانحيازه لتلك القضية، موضحا من خلال مؤسسه، كمال زاخر"أن الزواج ليس شأنا كنسيا إنما شأن مجتمعي، وموجود قبل تأسيس الأديان نفسها، فدور الكنيسة أن تبارك الزواج ولم تنشئه"، مؤكداً أن المنطق الذي يتم التحرك منه ليس من باب الصدام لكن التكامل، ومن حق الكنيسة توجيه أبنائها، لكن ليس من حقها التعسف فى القوانين، فنحن في حاجة للخروج من حرفية النص إلى روحه، حيث لا يوجد نص يسمى "لا طلاق إلا لعلة الزنا"، مشيرا إلى أن النص الذي يتم الاستناد عليه في هذه الأزمة مختلف تماماً في التفسير وهو "من يطلق إمرأته بغير علة الزنا يجعلها تزنى".

كان الأمل منعقدا على الكنيسة الإنجيلية، لأنها الوحيدة التي اقترحت إقرار الزواج المدني في مشروع القانون الجديد، ومباركتها له في العديد من التصريحات، إلا أن رفضها للبند الخاص به جاء مخيبا لآمال العديد من الأسر القبطية وتحدث البعض عن ضغوط تعرضت لها، لأن رفضها تنافى مع اعتقادها بضرورة وجود مخرج قانوني للمشكلة.

صفوت البياضي (رئيس الطائفة الإنجيلية) أوضح لـ”العرب”: أن الطائفة اتفقت مع الكنائس الأخرى على رفض مواد الزواج المدني، مشيرا إلى أن مشروع القانون الموحد لجميع الطوائف المسيحية لن يتضمن نصا لكل كنيسة، مضيفا أن الكنيسة لم تكن تتدخل في الزواج والطلاق حتى القرن الثانى عشر، وأن الأقباط يتم تطبيق قوانين الدول الأجنبية عليهم في الزواج والطلاق وليس قوانين الكنيسة".

دفاعا عن موقف الكنيسة الإنجيلية قال القس رفعت فكري (رئيس لجنة الإعلام والنشر بسنودس النيل الإنجيلي) أن رفض الزواج المدني يرجع إلى سببين، اﻷول عدم حسم الدولة موقفها، هل هي دولة دينية أم دولة مدنية؟ فإذا كانت دولة مدنية فعليها أن تحسم ذلك أولا في الدستور، ثم لا يصح أن تصدر الدولة قانونا مدنيا، ثم تطلب من مؤسسة دينية الموافقة عليه.

وقال إن السبب الثاني، يتمثل في أن الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية ترفضان الزواج المدني لأنه ضد العقيدة وبالتالي ضد الدستور، وكان المطروح إما أن تخضع الكنيسة الإنجيلية لرؤية الكنيستين، ويتم الحفاظ على وحدة الكنائس الثلاث، وإما أن تصر على وجهة نظرها، وتطلب بابا خاصا بها في القانون الموحد، وانتصر الخيار الأول.

لكن هذا الخيار كان مثارا للجدل بين الحركات التى أبدى بعضها رفضه الشديد، وأبدى البعض الآخر ترحيبه وموافقته، وصدرت على مدار الأيام السابقة عديد البيانات والتصريحات للاحتجاج أو للتأييد.

حيث ناشد نادر الصيرفي (مؤسس رابطة أقباط 38) في بيان له الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، التأني في إصدار قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين إلى حين طرح القانون لحوار مجتمعي والاستماع للمتضررين، وانتظار مناقشته داخل مجلس النواب، موضحا أن مسودة القانون جعلت سبب الطلاق أو الانفصال الوحيد الزنا، ما يوصف بالتشهير، ويضع المرأة المطلقة في منظور سيئ من المجتمع.

الأمر الذي نفاه مينا أسعد (مؤسس رابطة حماة الإيمان) الأرثوذكسية مدافعا عن القانون، حيث قال في بيان للرابطة “إن القراءة الأولية لمسودة قانون الأحوال الشخصية للأقباط بعد تعديله من الكنائس، أظهر توافقه التام مع الفكر الكنسي والكتاب المقدس، دون أدنى مخالفة للتعاليم المسيحية، ولم يتوسع في أسباب الطلاق بالمخالفة للكتاب المقدس، والتزامه بعلة الزنا وتغيير الدين”.

إسحق فرانسيس (مؤسس رابطة الصرخة) عارض هذا الكلام، وأصدر بيانا قال فيه: إن الأقباط يحتاجون إلى قرار سيادي من رئيس الجمهورية، لإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية، لمنع التلاعب بمشاعر المتضررين، وتساءل أين القانون الموحد وكل طائفة تشرع على طريقتها، مضيفًا أن وضع استحالة العشرة واستحكام النفور في قبضة كاهن الكنيسة أو أب اﻻعتراف أمر مرفوض، فهو يأتي وسط سر اعتراف، فكيف يقر به الكاهن؟

ووافقته في ذلك “رابطة منكوبي الأحوال الشخصية للأقباط” التي أصدرت بيانها فى 16 ديسمبر الجاري، قالت فيه: إن القانون يشوبه عوار دستوري، ويصطدم مع النظام العام للدولة، وينتقص من حرية المواطن المصري المسيحي، وكذلك هيبة الدولة، ويرسخ لفاشية دينية، لا تقل تطرفًا عما عاشته مصر في ظل حكم الإخوان.